الأسد والأكاديميون: التضليل في العصر الحديث - It's Over 9000!

الأسد والأكاديميون: التضليل في العصر الحديث

Word press – ترجمة بلدي نيوز
منذ بداية الحرب في سوريا، تمكن نظام بشار الأسد بدعم من إيران وروسيا من إدارة حرب إعلامية متطورة جداً لتصوير نفسه على أنه ضحية مؤامرة دولية، حيث يصور جميع معارضيه على أنهم إرهابيون من تنظيم القاعدة وفروعها، والذين يتم استخدامهم من قبل الأجانب وهي دول الخليج وتركيا وإسرائيل، بالإضافة إلى الولايات المتحدة وذلك للإطاحة بدولة المقاومة "سورية".
ويستهدف الجزء الآخر من هذه الرسائل الاستراتيجية الغرب، والذي يتهمه الأسد بدعم الإرهاب الجهادي السلفي ضده، ليبدو على أنه البديل الوحيد عن الإرهابيين على حد قوله، ولذلك على الغرب دعمه، مع أنه مجرم حرب، ولكنه على حد قوله سيحمي الأقليات! رغم أنه هو من عرضهم لحرب طائفية ضد الأغلبية السنية، وحتى لو لم تكن لديه خطط فورية لطائرات تفجر نفسها في ناطحات السحاب الغربية كما في (9/11)، إلا أنه قد دعم التكفيريين والجهاديين في الثورة على تفكيك المعارضة المسلحة الشرعية.
هذه الطائفية التي اعتمدها هي ما جعلت الصفوف الأمامية من جيشه من الجهاديين الشيعة (المتجذرين بالطائفية) والذي يتبعون لإيران، كما أن بعض العراقيين منهم، مسؤولون عن قتل أكثر من 4000 جندي أمريكي سقطوا في بلاد ما بين النهرين، كل ذلك يتم دمجه في دولة تشغل شبكة إرهابية قد ضربت أهدافاً غربية في جميع أنحاء العالم.
ولم يعتمد الأسد وحلفائه في تقديم هذه الحملة الدعائية باسم النظام على استخدام متحدثين وصحفيين محليين فقط، بل اعتمدوا على محللين وصحفيين وأكاديميين وسياسيين مستقلين: ففي العشر أيام الأخيرة، ظهرت أسماء بارزة مثل "ستيفن كينزر"، وهو صحفي مخضرم في صحيفة النيويورك تايمز، وكتب أيضاً لصحيفة بوسطن غلوب، و"جيفري ساكس"، الخبير الاقتصادي الأكاديمي الذي يعمل في جامعة كولومبيا، ويكتب في صحيفة هافينغتون بوست.
وقام هؤلاء الصحفيين والأكاديميين بخلط نظرية الأسد المتعلقة بالمؤامرة مع أنصاف الحقيقة والأكاذيب المضللة، والتشويهات ليقدموا رواية النظام السوري عن الأحداث في سورية، ولما فعل كينزر وساكس ذلك هما الأدرى بذلك!
مسألة تأطير
وهناك نقطة مركزية من التضليل في كل من مقالات ساكس وكينزر، وهي أن الولايات المتحدة صممت على الاطاحة بالأسد، يقول ساكس: "عندما اندلعت الثورة في سورية، قامت وكالة المخابرات الأمريكية بالإضافة إلى (الجبهة المعادية لإيران) المكونة من اسرائيل والمملكة العربية السعودية، وتركيا بانتهاز الفرصة لإسقاط الأسد بسرعة، وبالتالي الحصول على النصر الجيوسياسي".
وإذا ما لاحظنا قائمة الدول المعادية للأسد التي يستشهد بها ساكس، في نواح كثيرة لا بد أن نغفر لساكس هذا التفكير، فمنذ عام 2011، رغبت معظم هذه الدول باحتواء إيران ودعوا لإسقاط نظام الأسد: لأنه بوابة إيران للعالم العربي، وشريان الحياة للتنظيم الإرهابي "حزب الله اللبناني"، كما أن نظام الأسد خادم لإيران التي تقف على أعتاب حلف الناتو، ولكن في الواقع سياسة الولايات المتحدة في الأساس كانت على عكس ذلك تماماً!
فرغم أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد طلب مراراً من الأسد التنحي، ورسم الخطوط الحمراء حول الأسلحة الكيمائية في تموز 2012، ولكن لم تكن لديه أي نية بتنفيذ كل تلك التهديدات، فالهدف الأسمى للإدارة الأمريكية هو البقاء خارج سوريا، وفي كانون الأول 2011 قال أوباما لنوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي والذي تربطه علاقات مع المخابرات الإيرانية منذ عقود: "ليس لدينا النية بالتدخل العسكري في سورية"، وبعد ذلك بفترة وجيزة أصبح بقاء الأسد جزء من سياسة أوسع للولايات المتحدة.
فقد جاء باراك أوباما إلى السلطة عازماً على تخفيض البصمة الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث كانت الولايات المتحدة "مفرطة في استخدامها"، كما يقول مستشار الأمن القومي السابق توماس دونيلون، ولذلك عمل أوباما على تحقيق انفراجه في العلاقات مع إيران لإيجاد مجالات المصلحة المشتركة في المنطقة مثل "قتال تنظيم الدولة" حتى لو كانت هذه المصالح (وهمية)، ولكن كان الرئيس الامريكي يأمل في أن يخلق توازن مضبوط تشارك فيه الولايات المتحدة بالحد الأدنى.
وجاءت الاتفاقية النووية بين الولايات المتحدة وإيران لتحقق ذلك، فسهلت التقارب وأزالت القضايا الشائكة في علاقة البلدين وأعطت إيران المنفذ للحصول على الموارد اللازمة لتحقيق هذه المصالح المتداخلة.
كان هذاً ضربا من الخيال، ولكن بطبيعة الحال كانت له أثاره العملية، فإيران انتهزت سياسة الولايات المتحدة في خلق سياسة توازن في منطقة الشرق الأوسط، واعتبرتها فرصة لفرض سيطرتها الخاصة باستخدام "فيلق القدس" وغيره من الأحزاب المماثلة، بالإضافة إلى مساعدة ودعم روسيا، وهكذا قدمت إيران مذكرة الاتفاق وانتزعت من الولايات المتحدة تنازلات في المنطقة مع تهديد ضمني بأنها ستنسحب من الاتفاق النووي في حال عم تلبية ما تريده.
وللحفاظ على الاتفاق النووي، قدم أوباما سورية لإيران كمنطقة نفوذ، وعلى سبيل المثال: قامت إيران في وقت مبكر بإبلاغ الأسد عن الضربات الأمريكية ضد تنظيم الدولة وطمأنته بأنه لن يكون هدفاً، كما خطفت رهائن أمريكيين في العراق في إشارة للولايات المتحدة بعدم إغضاب طهران في سورية.
إظهار الأسد كمخلص
وفي غضون شهر من تدخل روسيا، نزح أكثر من 35.000 ألف شخص من قريتين فقط في حلب، ووما مجموعه 120.000 ألف شخص إما مباشرة عن طريق الضربات الجوية الروسية أو عن طريق قوات النظام السوري والقيادات الإيرانية التي تسيطر عليها، وخلال أيام في 3 شباط، تمكنت القوات البرية الموالية للنظام من قطع خط الإمداد الرئيسي للمعارضة مع تركيا، وفر حوالي 70.000 ألف شخص خوفاً من فرض سياسة التجويع والحصار التي يمارسها نظام الأسد في 49 منطقة أخرى في سورية، كما بقي العديد من سكان حلب محاصرين، ربما لأنهم لا يملكون الموارد اللازمة للنزوح مرة أخرى، أو لأنهم من كبار السن، وكانت هذه القضية حاسمة لأن يصوت الناس بأقدامهم على رفض الأسد.
أما روسيا، فقد ارتكبت جرائم حرب مروعة وفقاً لمنظمة العفو الدولية، لأنها استهدفت المدنيين عمداً ثم تابعت مع هجمات على أول المسعفين والمستجيبين للضربة لتحقيق أكبر عدد من القتلى ولترويع السكان وحملهم على الخضوع، وقد تم توثيق هذ الهجمات المزدوجة ضد جماعات مثل الدفاع المدني السوري، والذين انقذوا عشرات الآلاف من الأرواح، كما استهدفت روسيا أيضاً بشكل منهجي البنى التحتية المدنية مثل المستشفيات والمدارس، وبما أن دقة التصويب ليس من صفات الطيران الروسي، فقد أصابت غارات روسية مشفى لذوي الاحتياجات الخاصة الاثنين الماضي.
وفي الوقت نفسه، تمكن نظام الأسد في كل مرحلة، وبمساعدة إيران وروسيا على عدم تحمل المسؤولية الاخلاقية عن قتلى الحرب، منذ أن أطلق العنان لذخيرته الحية بالرد على الثورة السلمية، وحول صراع من أجل تغيير النظام إلى حرب دينية عظيمة، بل وميز نفسه بعدد القتلى الضخم حتى تجاوز تنظيم الدولة الإسلامية على نطاق القسوة والقتل، فـ 600 شهادة وجبل من الوثائق تدين النظام السوري، كانت قد قدمت للأمم المتحدة لإدانته في جرائم مروعة ضد الإنسانية: من اغتصاب، وإبادة، تعذيب، فضلاً عن مجموعة من جرائم الحرب.
كما كشفت وثاق "قيصر" عن تصفية 11000 سجين على الأقل من قبل النظام باستخدام التعذيب والتجويع، وما يزال أكثر من 200.000 ألف سوري في معتقلات الأسد في ظروف غير إنسانية ومذلة، وفي تشرين الثاني 2011، أي بالكاد بعد شهر من اندلاع المقاومة المسلحة ضد الأسد، قامت قواته، وفقاً للأمم المتحدة، باستخدام تكتيكات لقمع الثورة من بينها اغتصاب الأطفال الذكور أمام أسرهم، وفي وقت لاحق تم تعذيب أسيرات إناث بالنزف حتى الموت عن طريق إدخال الفئران في أعضائهن التناسلية. 
ومن ثم تتالت الأحداث، فقام تنظيم الدولة بحرق الطيار الأردني "معاذ الكساسبة" حياً، وأحرقت المليشيات "الطائفية" التابعة لإيران وهي قوى الدفاع الوطني، عائلات بأكملها وهم على قيد الحياة وفي منازلهم، وكان هذا قبل أن يبدأ النظام حربه العشوائية بالمدفعية والبراميل المتفجرة، والغارات الجوية لتدمير المدن القديمة، وأسلحة الدمار الشامل الكيميائية والمواد الحارقة التي تهدف للقتل الجماعي وتشريد ما تبقى من الناجين.
هذه المعلومات ليست بسرية أو غير معروفة للجميع، ولذلك لا عذر لساكس حين كتب في إشارة إلى الأسد وربما عن إعادة احتلال مدينة حلب: "الناس في حلب قد شهدت أخيراً بصيصاً من الأمل"!
ولا عذر أيضاً له حين كتب: "إن روسيا تستخدم محادثات وقف إطلاق النار لتغطية تقدمها في الخطوط الأمامية في مدينة حلب، ولتحقيق مكاسب من العدوان، كل ذلك ليقر العالم أن سياسة الولايات المتحدة منذ عام 2009 وحتى 2013 كانت دائماً تغيير النظام أولاً ومن ثم وقف إطلاق النا".
تحويل اللوم
ولأن كلا من ساكس وكينزر يقدمون الأسد للعالم على أنه الضحية وليس الجاني والجلاد في الكارثة السورية، فإن النتيجة الطبيعية هي أن اللوم سيقع في مكان آخر، وتماشياً مع دعاية النظام، هذا العبء يقع بشكل كبير على الولايات المتحدة.
وليقنع ساكس العالم بأن الأسد هو المظلوم، فهو يلقي اللوم على الولايات المتحدة لانهيار وقف إطلاق النار في نيسان 2012، حيث يقول: "غرقت جهود السلام لأن كوفي عنان كان مصراً على أن تغيير النظام يجب أن يسبق أو على الأقل يتزامن مع وقف إطلاق النار".
كما كتب كينزر نفس الشيء: "في عام 2012 قام كل من وزيرة الخارجية الأمريكية كلينتون وتركيا والمملكة العربية السعودية وإسرائيل بمحاولة ناجحة لقتل خطة سلام كوفي عنان ،لأن ذلك سيؤدي إلى احتواء إيران وإبقاء الأسد في السلطة مؤقتاً".
وقد حثت الولايات المتحدة المعارضة السورية بعدم استخدام العنف لفترة طويلة بعد أن أصبح واضحاً أنهم إما أن يدافعوا عن أنفسهم بقوة أو يواجهوا الموت، وأسوأ من ذلك جنباً إلى جنب مع أسرهم.
وكان نظام الأسد من خرق وقف اطلاق النار في كانون الثاني عام 2012، عندما قصف الأسد الزبداني وحولها لركام، كما لم يدخل وقف إطلاق النار في 4 نيسان حيز التنفيذ، بسبب ارتكاب قوات الأسد وميليشاته لمجزرة طائفية متعمدة في منطقة "الحولة" في 25 أيار، والتي قتل فيها أكثر من 100 مدني.
كما من الضروري للصحفي والأكاديمي ساكس وكينزر تشويه سمعة الثوار، فكتب ساكس: "إن الثورة السورية تقودها وكالة المخابرات الأمريكية، حيث أرسلوا المرتزقة لإسقاط الأسد وهم أنفسهم جهاديون متطرفين". 
بل إن كلاهما يتهمان وسائل الإعلام الغربية بالتستر على حقيقة ما يحدث في سورية، ويسأل ساكس: "أين هي وسائل الإعلام الغربية من هذه الكارثة؟ فالكثير من الصحافة الأمريكية والتقارير تنشر عكس ما يحدث في الواقع"، وكتب كينزر: "هناك مراسلون شجعان في منطقة الحرب في سورية، ولكن أصواتهم تضيع في خضم النشاز والكذب الذي تسيطر عليه واشنطن".
إن كينرز يحاول إثبات قضيته من خلال تخوين أولئك الذين تتعارض وجهات نظرهم معه، فمع صحفيين مثل: ماري كولفين، أوستن تايس، جيمس فولي، وسام داغر، مايك جيجليو، رانيا أبو زيد، ديفيد إندرز، فإنه من الصعب التفكير في أي شخص كان داخل سوريا ودعم قصص النظام وتلفيقاته التي يروجها ساكس وكينزر.
الكذب والوهم
كما كتب كينزر: "ليس لدينا تقريباً أي معلومات حقيقية عن المقاتلين"، مرة أخرى، هذا ليس بصحيح! فلقد أوضح سفير الولايات المتحدة في سورية عام 2014، أن أمريكا تعرف من هم الثوار منذ سنوات بالإضافة إلى الفروق الأيديولوجية والاتصالات بين الجماعات المختلفة.
كما يزعم كينزر أن الأسد وحلفاءه فقط هم من يقاتلون تنظيم الدولة، وهي كذبة وقحة، فالنظام السوري ومعه روسيا قد تركا تنظيم الدولة وشأنه، وركزا على القضاء على الثوار الوطنيين والذين هم من كان يحارب تنظيم الدولة بالفعل، كما أن كينرز تجاهل استخدام إيران للجهاديين بما في ذلك ثلاث منظمات إرهابية: فيلق القدس وحزب الله اللبناني، وكتائب حزب الله.
الخاتمة
لقد عانت سوريا القصور في التغطية الإعلامية، وهذا نتيجة جهد مشترك من الأسد وتنظيم الدولة لتقديم سورية كخيار ثنائي بينهما، وأدى ذلك إلى حملة رهيبة ضد الإعلام المستقل الذي يتعارض مع وجهات نظرهم، وحين انسحب النظام السوري من شمال سورية وحل التنظيم مكانه، أول ما قاما به هو خطف الصحفيين، جاعلين من سورية أخطر مكان في العالم بالنسبة للصحفيين، حتي يبقى كل شيء طي الكتمان، واحتكر النظام وإيران وروسيا التغطية الإعلامية، وفيما المعارضة مشغولة في خوض حرب مع ثلاثة أطراف: مع قوات الأسد، حزب العمال الكردستاني، وتنظيم الدولة الإسلامية، يقوم مثل هؤلاء الصحفيين والأكاديميين (كينزر وساكس) بتبيض جرائم الأسد وداعميه.

مقالات ذات صلة

نائب رئيس الوزراء الروسي يلتقي بشار الأسد.. تهاني واستنزاف ما تبقى من اقتصاد

تحتاج لـ 1.5 مليون طن.. موسم الجفاف يطيح بحملة "عام القمح" التي أطلقها النظام

حفل "ناصيف زيتون" يثير غضب السوريين في إسطنبول

الصين تقدم مساعدات لنظام الأسد

بشار الأسد يهنئ "إبراهيم رئيسي" بفوزه في انتخابات الرئاسة الإيرانية خلفا لروحاني

صحيفة: بشار الأسد لم يتوقف عن مغازلة تل أبيب