دعاية تدمر: أحدث أساليب التلاعب والاحتيال التي يستخدمها الأسد - It's Over 9000!

دعاية تدمر: أحدث أساليب التلاعب والاحتيال التي يستخدمها الأسد

Middle East Eye – ترجمة بلدي نيوز

تعتمد الأنظمة الوحشية على القدرة والقوة على الإقناع، ففي مصر لديهم الشواطئ والجمال والأهرامات، وفي الصين لديهم حيوانات الباندا، وفي روسيا تجد النساء الجميلات اللاتي يرتدين الفراء، فهذه هي الأمور التي يريد الطغاة أن نراها على شاشات التلفزيون، لتحول تركيزنا عن جرائمهم وآثامهم.

وتدمر هي جزء من آلة الدعاية لبشار الأسد، فقد هندس وصمم بعناية عملية استرداد السيطرة على موقع اليونسكو للتراث العالمي "تدمر"، في نهاية هذا الأسبوع، ليخدعنا للتفكير بأنه يهتم كثيراً بتاريخ سورية.

وقامت الحكومة السورية بترويج ضخم لحملتها في تدمر، حيث الأخبار المتواصلة على قنوات التلفزيون الرسمي عن انتصار الجيش السوري، والإعلانات عن مكالمات التهنئة من وزراء العالم بسبب انتصار قوات الأسد في استرجاع "لؤلؤة الصحراء"!

وقد أظهرت الصور الفوضى التي عاثت خراباً داخل الموقع الأثري، والتي يفترض أنها من فعل تنظيم الدولة الإسلامية، بالإضافة إلى صور القتلى، والتي تشير إلى انتصار الأسد في قتل الأشرار، كما وأفاد أحد المواقع الإخبارية الروسية أن متحف الإرميتاج في سان بطرسبرج سوف يساعد على استعادة تدمر وترميمها، ونقلت الصحيفة عن الأسد نفسه قوله أن تدمر "ستعاد مرة أخرى لكي تبقى تراثاً ثقافياً وكنز للعالم بأسره".

ولذا فإنه يتوجب علينا الآن أن نهلل و نهتف لذلك! جنباً إلى جنب مع شخصيات مثل رئيس بلدية لندن، بوريس جونسون، والمهتم جداً بموضوع تدمر، لسبب وجيه، فقد هنأ الأسد على الانتصار على تنظيم الدولة، لأن الأسد -الرئيس الذي يلبس بدلة وحذاء براقاً- قد انتصر على الرجال الملتحين، المدججين بالسلاح، القادمين من شمال سورية، حيث ينعدم القانون!

ومما لا شك فيه أن بعض موظفي المتاحف في مديرية الآثار السورية يهتمون كثيراً بالتراث الأثري لهذا الهلال الخصيب، فقد تم حفظ أهم مقتنيات المتاحف الغنية في صناديق لحمايتها من قنابل وبراميل الجيش السوري التي يلقيها من السماء على المدينة، وفي قلعة حلب التي تعود للقرن الـ 13، والواقعة تحت سيطرة النظام، تم حماية النقوش البارزة بواسطة أكياس رمل لمنعها من التكسر جراء إطلاق النار.

وعالم الآثار، خالد الأسعد، مات من أجل هذه القضية فقد تم قطع رأسه من قبل تنظيم الدولة عندما رفض الإفصاح عن مكان إخفاء القطع الأثرية في تدمر.

ولكن في الحقيقة، لؤلؤة الصحراء هي بيدق آخر في لعبة الأسد، ولا هو أو جنوده يهتمون لأمرها، فلماذا يقوم نظام الأسد، والذي ساهم بشكل كبير في تدمير مدينة تدمر، بالإضافة إلى مواقع تاريخية أخرى مدرجة على قائمة اليونسكو في سورية؟ حيث قام بقصف الخانات والأسواق والحمامات والبيوت من العصر العثماني، بالحرص على استعادتها إلى ما قبل الصراع؟

فقد وثقت جماعات الآثار أضراراً جسيمة في تدمر قبل أيار 2015، وذلك قبل دخول تنظيم الدولة إليها، كما وأشار تقرير للأمم المتحدة عام 2014 أن النظام قد بنى السواتر العسكرية والطرق في الموقع الأثري، وكدست على الأرض الدبابات والمدفعية الثقيلة لحماية المدينة.

كما أن هناك أدلة كثيرة على أن المتحف والآثار قد نهبت في الوقت التي كانت تحت سيطرة قوات النظام السوري، أي قبل أن يسيطر تنظيم الدولة على المدينة، وقام علماء الآثار والنشطاء المحليون بتوثيق ما سرق من تماثيل، والحجر الأثرية التي أفرغت من مقتنياتها.

وقال أحد علماء الآثار السوريين، هذا الأسبوع، أن تدمر لا تزال في خطر كبير تحت سيطرة النظام السوري، وذلك بفضل النهب الذي يمتهنه عناصر الجيش السوري، كما أن الضرر الذي حل بالمدينة أثناء احتلالهم لها، وفقدان القطع الأثرية والمعلومات كان مساوياً أو أكبر من خسارة معبد "بل" على يد تنظيم "الدولة".

وتجمع على هذا الرأي المعارضة السورية، فقد قال لي سوري من المعارضة اتصلت به هذا الأسبوع: "إن النظام السوري يدمر التراث السوري كداعش، ولكن لا يوجد فيديوهات لتوثيق ذلك، فهو لا يصور نفسه وهو يقوم بذلك كما يفعل تنظيم الدولة"، وفي حلب، واحدة من أقدم المدن في العالم، تسببت الغارات الجوية والقصف والمعارك إلى الدمار الكامل للمعلم التاريخي.

وخلص تقرير للأمم المتحدة أن خمس مواقع تراثية في سورية قد دمرت، كما توضح لقطات جوية، كما وأظهرت اللقطات تدمير النظام لحمامات تاريخية تعود لقرون مضت، بالإضافة إلى تحطيم مساجد إلى أنقاض، وكثير من اللوم يقع على دبابات النظام التي دمرت مئذنة "الجامع الكبير" في المدينة والتي انهارت خلال معركة عام 2013.

وبعض الأضرار التي لحقت بالتراث هي حتماً بسبب الجماعات الثورية، فلا يوجد جانب بريء في الحرب، وفي حلب يضع المراقبون اللوم على الجانبين في الضرر الذي حل بالمدينة، ولكن ذلك لا يلغي دور الأسد الكبير، فمزاعمه بنصرة التراث السوري تنهار تماماً مع مدينة حلب التي دمرت لأنقاض وقتل شعبها وأصيب الكثيرين بسبب قصف جيشه.

ولا يملك نظام حزب البعث السوري أي تاريخ بالحفاظ أو صيانة الآثار التاريخية، على الرغم من الجهود الجبارة التي تبذلها إدارة المتاحف والآثار، لأن أموال وزارة السياحة لم تنفق يوماً على تحسين البنية التحتية للمواقع الأثرية، بل على وسائل للتحايل، كعروض رقص في معارض ترويجية فقط.

وقال العديد من السوريين لي سراً، أنه لم يكن لعائلة الأسد أي اهتمام بتاريخ سورية، ولم يوجد يوماً أي صيانة أو وترميم للمناطق الأثرية حتى تكون موضع جذب للسياح، يقول أحد الصحفيين السوريين المطلعين: "النظام لم يهتم يوماً لتاريخ سورية".

لذلك ما يقوم به الأسد هو استغلال الاحترام والاهتمام العالمي المفترض لمدينة تدمر القديمة، لدعم حملته العسكرية، وليقنع الغرب بأنه الوسيلة الوحيدة للقضاء على تنظيم الدولة، وفي الواقع، عند إعلانه عن نصره على التنظيم، تطرق الأسد للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، و"عدم جديته في مكافحة الإرهاب".

و لكن دعونا لا ننسى دور نظام حزب البعث في نهوض تنظيم الدولة:

يقول الكاتب والصحفي "مايكل فايس" و"حسن حسن " في كتابه "داخل جيش الإرهاب - تنظيم الدولة"، وهو كتاب يوثق الروابط بين النظام السوري وتنظيم الدولة، وكيف قام النظام بإطلاق سراح قادة المستقبل في المنظمة الإرهابية من سجن "صيدنايا" في الأيام الأولى من الثورة الشعبية، وجعل الأمر يبدو وكأن المراهقين والأطفال والعجائز والرجال الذين خرجوا  إلى الشوارع للمطالبة  بالحرية والديمقراطية هم في الواقع جزء من التمرد الاسلامي الذي يحتاج إلى الضرب والتعذيب الجسدي وإطلاق النار حتى يتم خضوعهم!

وليس ذلك فحسب، ففي الأسبوع الماضي، قامت محكمة أمريكية بإصدار حكم ضد النظام السوري لأنه ساعد في صعود تنظيم القاعدة في العراق، وكان له دور في ثلاث تفجيرات في فنادق في عاصمة الأردن، عمان، عام 2005 والتي قتل فيها 57 شخصاً، كما وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على رجل الأعمال جورج حصواني، المتهم بأنه وسيط لصفقات النفط بين نظام دمشق وتنظيم الدولة.

وبشكل مثير للريبة، وطوال الصراع الذي استمر لمدة خمس سنوات، لم يقم النظام السوري أو حلفائه بأية ضربات جوية ضد تنظيم الدولة، وتُرك التنظيم طوال تلك الفترة، ولذلك فإن السيد الرئيس لا يعمل على إنقاذ سورية ومواقعها التاريخية، بل يدمرها ببطء ويأجج من وجود تنظيم الدولة الإسلامية في سورية.

ربما تكون تدمر بحال أفضل الآن تحت سيطرة النظام، على الأقل لأن علماء الآثار سيعودون للحفاظ عليها، ولكن علينا أن نكون حذرين من استخدام هذا التطور باعتباره علامة على أن الأسد يريد إنقاذ المواقع الأثرية في سورية، فهو يعتمد على روسيا في الأسلحة والطائرات، أما التراث؟ فقد كان مفيداً للأسد في تغيير الرأي العام تجاهه، مثل الباندا والأهرامات: فالطاغية يحاول استخدام الدعاية والترويج لصرف النظر عن جرائمه بحق الشعب السوري والبلد.

 

مقالات ذات صلة

لافروف يضع شرطا لمناقشة "الوضع الإنساني" في سوريا مع الأوروبيين

تحتاج لـ 1.5 مليون طن.. موسم الجفاف يطيح بحملة "عام القمح" التي أطلقها النظام

حفل "ناصيف زيتون" يثير غضب السوريين في إسطنبول

"منسقو استجابة سوريا": 37 شهيدا خلال حزيران جراء تصعيد النظام وروسيا

إعادة تأهيل معمل الفوسفات في حمص والمستفيد روسيا

الصين تقدم مساعدات لنظام الأسد