معركة حماة ..المواجهة برهانات مُبهمة

تقارير

الخميس 8 أيلول 2016 | 7:2 مساءً بتوقيت دمشق

معركة حماةحماةريف حماة الشمالينظام الاسدميليشيات طائفيةالجيش الحر الثوار

  • معركة حماة ..المواجهة برهانات مُبهمة

    بلدي نيوز – (تركي مصطفى)

    يناقش هذا الملف المعركة الدائرة في ريف حماة الشمالي, بين فصائل المعارضة السورية المسلحة من جهة, وبين قوات نظام الأسد والميليشيات الطائفية من جهة أخرى في إطار المعارك الناشبة في سورية .
    ونوطئ لهذا الملف باستعراض تحليلي موجز لأهمية مدينة حماة في بعدها العسكري المتصل بنتائج المعركة وأهدافها .
    ثم يتناول الملف بالتحليل جوانب هذه المعركة, خططا وتفاعلات ونتائج, كما نقف على آفاقها المحتملة اعتمادا على توجه عجلة المعارك ومحركاتها التي جعلت من الحرب في سورية كما أنها تجري في طريق لا نهاية لها .
    مقدمة
    منذ انطلاقة الثورة السورية عام 2011 م  دخلت مدينة حماة وأغلب ريفها خط المواجهة المسلحة بين الثوار من جانب, وقوات نظام الأسد و"الشبيحة" من جانب آخر, ولا تزال المعارك في تمدد مستمر على خريطة المحافظة في ريفها الشمالي والشرقي والجنوبي.
    أمام استمرار المعارك طرأت تغيرات على نمط القتال وخططه وإمكانياته ومواقف الأطراف في التحالفات والتكتلات, وظلت معركة حماة مثار جدل حول تعثر فصائل الثورة المسلحة في المحافظة, وما يشكل تحريرها من قوة دفع لعجلة الحرب وتأثيرا مهما في الجبهات الأخرى تجني ثمارها الثورة السورية وصولا لهدفها الرئيسي المتمثل في إسقاط نظام الأسد.
    الأهمية الإستراتيجية لمعركة حماة
    يمكن وصف محافظة حماة بأنها الجزء الأكثر حساسية وتأثيرا في قلب سورية باعتبارها بوابة للساحل السوري عبر طريق بيت ياشوط, وفيها منطقة غربي العاصي التي تقطنها أغلبية موالية لنظام الأسد وتقع على تماس مع جبال العلويين, وتعتبر خزانا بشريا ضخما يمد قوات الأسد وميليشياته بالمقاتلين .
    ومنها يمر خط إمداد نظام الأسد الوحيد عبر حماة - السلمية فإثريا إلى حلب, وإلى الجنوب من حماة تقع معاقل المعارضة في ريف حمص الشمالي المحاصرة منذ سنتين. وفي جوار المدينة يقع المطار العسكري الذي تنطلق منه طائرات الأسد لقصف المدن والبلدات الثائرة ضد نظام الأسد .
    ويتبع ذلك قيمة إستراتيجية وجيوإستراتيجية للمحافظة من خلال تنوع تضاريسها بين السهلية والهضبية التي يخترقها نهر العاصي مما أعطاها ميزة اقتصادية لها أهميتها الكبيرة في ظروف السلم والحرب. 
    لذلك كان من أولويات المعركة التي أعلنتها الفصائل المعارضة السيطرة على مدينة حماة وأطلقت عليها تسميات بحسب كل فصيل مشارك.
    فجند الأقصى سماها: "غزوة الشيخ مروان حديد" في حين أطلق عليها جيش النصر اسم "حمم الغضب نصرة لحلب", وسماها جيش العزة: "في سبيل الله نمضي". 
    والشيخ مروان حديد, مؤسس الطليعة المقاتلة التي خاضت حربا ضد نظام الأسد الأب في سبعينات وثمانينات القرن الماضي, وأعدمه الأسد في سجن المزة العسكري عام 1976 م . 
    وتكمن أهمية مدينة حماة في كونها أهم نقطة وصل وفصل جغرافي بين جنوب وشمال سورية وهو ما يضعها في خريطة من يسعى لتحقيق نصر عسكري ضامن لوحدة سورية أو تقسيمها.
    عسكريا, تكتسب طريق "حماة, إثريا, حلب" أهمية إستراتيجية بعد قطع فصائل المعارضة الطريق الدولي حماة - حلب قبل ثلاثة أعوام . 
    ويعتبر التحكم بطرق إمدادات قوات نظام الأسد وميليشياته وتحركاتهم, تهديدا لتماسكهم والتأثير على أفكار قادتهم ومقاتيلهم, ويربك حساباتهم, ويحد من خياراتهم, وحجم التأثير يتوقف على طبيعة التحكم بها وطرق توظيفها. كما أن تعطيل مطار حماة العسكري, ووصل المناطق المحررة في ريف حمص الشمالي أهدافا معلنة للمعارضة المسلحة.
    هنا تجدر الإشارة إلى أن من بين ما ركز عليه نظام الأسد, إحكام قبضته على حماة المدينة وريفها الغربي والشرقي وسعيه لإخضاع كامل المحافظة بوصفها ثقلاً جغرافياً وسكانياً, ومركزاً للحراك الثوري على امتداد التاريخ السوري المعاصر, ولا أدل على ذلك من أحداث العام 1964م, وانتفاضة حماة عام 1982م, والثورة السورية عام 2011م .
    في ظل هذه المعطيات, يمكن تفسير التعامل المبكر مع حماة من قبل نظام الأسد حيث هاجمها مع شبيحته في العام 2011 م, وهي خطوة عسكرية قطعت الطريق مبكرا أمام أية محاولة لجعل حماة مركزا للثورة السورية. 
    المشهد الميداني القائم  
    تكشف المعارك الجارية في ريف حماة الشمالي عن وجود تنسيق عسكري عالي المستوى على الأرض بين فصائل المعارضة بمختلف تياراتها, قدمت خططا تكتيكية أبهرت نتائجها المراقبين بكسر القوس الدفاعي الاستراتيجي الذي أنشأه نظام الأسد والممتد من قرية معان في ريف حماة الشرقي مرورا بصوران والبويضة ومعركبة والزلاقيات وزلين إلى شليوط غربا وامتدادا إلى ريف حماة الغربي وصولا لمدينة كرناز . 
    ولا بد من رصد سير المعارك وتفاعلاتها المهمة من خلال معرفة طرفي القتال .
    أولا: فصائل المعارضة المسلحة  
    - الجيش الحر: يدخل غمار هذه المعركة بفصيلين أساسيين هما جيشا "النصر والعزة", يملكان سلاحا خفيفا ومتوسطا وثقيلا اغتنموه أثناء المواجهات مع نظام الأسد, و يرأسهما عدد من القادة من بينهم ضباط أبرزهم "المقدم جميل الصالح قائد لواء جيش العزة, والرائد محمد منصور قائد جيش النصر". وتدعمهما مجموعات من الجيش الحر ذات مهام قتالية ولوجستية كحركة بيان التي تختص بقصف غرفة عمليات الميليشيات الإيرانية في المعهد البيطري للأبحاث وفي رحبة خطاب. وغيرها من مجموعات الجيش الحر التي تمتلك صواريخ الـ "تاو" .
    - جند الأقصى: تشكيل قتالي, مستقل القيادة, ينسق بينه وبين الفصائل الأخرى أثناء خوض المعارك المشتركة, يتألف من مجموعة مقاتلين اكتسبوا قدرات قتالية عالية المستوى .
    - جيش حماة: أعلنت عدة فصائل وهيئات مدنية، الأحد 4 أيلول، عن تأسيس "الهيئة العليا لإدارة مدينة حماة"، لينبثق عنها جسم عسكري بمسمى "جيش حماة". وضمت الهيئة كلاً من: "جيش الإيمان" التابع لحركة أحرار الشام الإسلامية، وأربعة ألوية مقاتلة ضمن "فيلق الشام"، و"سرايا المرابطون" التابعة لـ "الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام"، و"لواء أهل البيت" التابع لـ "جيش الإسلام"، وكتائب "جند الشام"، ولواء "بلاد الشام".
    إلى جانب الهيئات التالية: الهيئة الشرعية في حماة، مركز حماة الإعلامي، المنظومة الطبية لمدينة حماة، هيئة أنصار الشام، وتجمع أهل الشام، وفي بيان نصي حصلت بلدي نيوز على نسخة منه، أوضح القائمون على الهيئة أنها تهدف إلى "إدارة المدينة وفق إستراتيجية واضحة الرؤى والمعالم، تشمل كافة المناحي العسكرية والمدنيّة، من خدمات وإدارة وتعليم وقضاء مستقل، لإقامة دولة العدل والقانون". 
    ثانيا: قوات نظام الأسد وميليشيا الشبيحة والميليشيات الشيعية: تمثل هذه التشكيلات الطرف المواجه لفصائل المعارضة المسلحة, وهي: 
    - الميليشيات الإيرانية: مجموعة من المقاتلين الطائفيين زجت بهم إيران في الحرب السورية لمواجهة الشعب السوري الثائر مقابل مبالغ مالية وتجييش طائفي لقتال أهل السنة, يطلق على تشكيلاتها أسماء إيديولوجية مثل (حزب الله اللبناني, وكتائب أبي الفضل العباس العراقي ولواء فاطميون الأفغاني) إضافة لمجاميع الحرس الثوري الإيراني، وتمتلك إيران قاعدة عسكرية في مركز البحوث البيطرية الواقعة على مفرق خطاب, فيها غرفة عمليات عسكرية مشتركة مع الروس, ومهبطا للطائرات الحوامة, وقاعدة في جبل زين العابدين المطل على مدينة حماة من الطرف الشرقي, واستولت على اللواء 47 دبابات واتخذته مركزا لتدريب الميليشيات الطائفية. ولقي الجنرال في الحرس الثوري الإيراني، ويدعى داريوش درستي، مصرعه خلال اشتباكات مع الجيش السوري الحر في معارك تل الناصرية، في ريف حماة الشمالي الغربي.
    - قوات نظام الأسد: تتكون من بقايا الجيش وتمتلك عدة قواعد عسكرية في محافظة حماة أهمها مطار حماة العسكري, واللواء 87  الواقع على طريق الحمرا بالقرب من قرية معرشحور الموالية وقرية كفراع بريف حماة الشرقي أصبح الآن تحت إمرة ضباط وخبراء روس عسكريين.
    - ميليشيا الشبيحة: وهي جماعة مسلحة شكلها أمن نظام الأسد لقمع المتظاهرين من أصحاب السوابق الجنائية التي أفرج عنهم الأسد في بداية الثورة يرفعون شعار "شبيحة للأبد كرمى لعيونك يا أسد". يتخذون من قرية قمحانة وبلدة صوران مركزا لهم في ريف حماة الشمالي.
    - خطط المواجهة وتكتيك المعركة
    تجري معارك ريف حماة الشمالي وفق خطط تفرضها الأحداث العسكرية على كل طرف, ولا يمكن فصلها عن ما يجري في حلب, بمعنى أن الصورة هنا وهناك تصعيد عسكري واستماتة لكسب مزيد من الأرض يقابله تصعيد واستماتة للتشبث بالأرض واستردادها, وفي جانب التكتيك المتبع في معارك ريف حماة الشمالي, فالملاحظ أن فصائل المعارضة تحولت من وضعية الدفاع إلى الهجوم وتطويره مما مهد عمليا تحرير منطقة واسعة بعد أن كسرت في المرحلة الأولى من المعارك خطوط دفاع قوات الأسد والميليشيات المساندة لها في المصاصنة ومعركبة والبويضة وحاجزي زلين والزلاقيات, وفي المرحلة الثانية سيطرت المعارضة على مدينة حلفايا وقرية الناصرية وتلتها الإستراتيجية, وطيبة الإمام, وفي المرحلة الثالثة تمت السيطرة على مدينة صوران وتل بزام, وتحرير عدة نقاط في محيط القاعدة الإيرانية في رحبة خطاب, وتمكن جند الأقصى من السيطرة على كتيبة الصواريخ الروسية شمال شرقي معردس, ليتم السيطرة على قرية معردس بعد معارك عنيفة مع قوات نظام الأسد التي انسحبت بدورها إلى جبل زين العابدين.
    - تفاعلات معركة حماة ونتائجها
    عملت فصائل المعارضة المسلحة بالتنسيق والتعاون فيما بينها على زيادة رصيدها, فتمكنت منذ انطلاقة المعركة في 29 أغسطس/آب الماضي من تحرير مناطق إدارية مهمة (حلفايا - طيبة الإمام - صوران), محققة نتائج كبيرة يمكن رصدها من خلال امتلاك الفصائل المبادرة والمبادأة, وباتت قوات الأسد وميليشياته تعتمد بشكل رئيسي على سلاح الطيران الروسي, بعد أن عطلت جزئيا صواريخ المعارضة الطلعات المكثفة لمطار حماة العسكري, كما سيطرت على الطريق الدولي الواصل بين معردس وبوابة مدينة حلب . 
    وبعد التحاق فصائل مهمة من المعارضة السورية إلى المعركة تحت مسمى جيش حماة, ستتسع المعركة يمينا وشمالا ما يعني دخول مناطق أخرى ضمن دوائر المعركة مثل مصياف والسلمية واقتراب المعارضة المسلحة من مناطق غرب نهر العاصي حيث توجد أكبر التجمعات العسكرية في سهل الغاب متل معسكر جورين آخر خطوط الدفاع عن القرى المؤيدة في منطقة السهل, ما يضطر نظام الأسد لاستقدام أعدادا كبيرة من التعزيزات عدا عن تشتت سلاح الطيران, وبالتالي نقل المعركة إلى حاضنة نظام الأسد.
    علاوة على اشتداد المواجهة إلى منطقة حربنفسة جنوب غرب حماة التي شهدت في الشهر الماضي معارك كبيرة, وتفاعلات منطقة الرستن وتلبيسة في ريف حمص الشمالي مع معارك حماة, لذلك يستميت نظام الأسد والميليشيات المساندة له درءا لمثل هذا المصير, حيث يعتبر الوصول إلى ريف حمص الشمالي المحرر توسيعا للمنطقة المحررة وتحولها لمعسكرات داعمة للثورة بالمقاتلين ومؤن الحرب, وسيخسر نظام الأسد منفذه البري الوحيد نحو حلب. لذلك فإن فصائل المعارضة المسلحة تشن هجوما بشكل يومي على قواعد نظام الأسد العسكرية والميليشيات سواء في رحبة خطاب أو جبل زين العابدين ومطار حماة العسكري الذي بات على مرمى صواريخ الغراد. وتعمل على التشبث بالأرض التي حررتها وتأمينها وتحصينها, خاصة أن عددا من الاعتبارات المهمة تدفع الطرف الآخر للقتال باستماتة في محاولة استعادة ما خسره. غير أن اتساع المساحات المحررة من حلفايا غربا ولغاية معردس شرقا, يضخم حجم الحاجات، من جنود إلى خطوط إمداد وشبكة اتصالات ونفقات لتأمين أكبر ضد ضربات  الطيران الروسي وذاك التابع للأسد، فاتساع المساحات الجغرافية في ظل حرب طويلة يدخل في رهانات مبهمة تدخل في حسابات الخطط العسكرية للتركيز على الميدان الجغرافي المهدد الفعلي لمناطق سيطرة نظام الأسد المتمثل في المنطقة الواقعة غربي نهر العاصي "مصياف" مع الحفاظ على التقدم باتجاه قواعد قوات الأسد العسكرية في جبل زين العابدين والمطار العسكري وكلية البيطرة.
    وفي تفاعلات المعركة في جانبها السياسي يفتقد ائتلاف قوى الثورة الإرادة السياسية لوقوعه تحت تأثير حسابات ومصالح دولية متضاربة, كما أن بعض الدول الداعمة تنظر إلى نتائج معركة حماة, ومن سيحكم المدينة, وكثير من القوى الإقليمية والدولية ترفض استئثار التيارات الإسلامية بالسلطة أو تكون الطرف الأكثر فاعلية فيها. 
    ويتوقف استثمار معركة حماة على مدى التفاهم البيني لفصائل المعارضة المسلحة, والإرادة السياسية التي عليها التخلص من ارتهانها الخارجي وحساباتها الضيقة, وبذلك تكون معركة حماة ناجزة وستتحرك عجلة النصر, وإن ظلت على حالها, فإن معارك أخرى في انتظار المدينة وريفها, وتستمر حالة الكر والفر حتى يوقفها حل سياسي . 
    واللاعب الدولي يسعى لتثبيت الطائفة العلوية في موقف قوة داخلية بوصفهم أقلية دينية يجني استثمارهم في خدمة مصالحه، ولذلك لا يمكن استكمال تحرير حماة دون نقل المعارك إلى مناطق الخزان البشري الطائفي الداعم للأسد والذي أسهم في تدمير المدن والبلدات السورية, 
    ولعل المصالح المتضاربة في سياق مصالح الدول الكبرى التي تحرك وتراقب ما يجري في سورية تعمل على وقف واستئناف المعارك إلى أن تتوافق مختلف القوى الإقليمية والدولية إلى حد أدنى من التفاهم على شكل الصيغة السياسية للنظام الجديد في سوريا, والذي لا يرقى إلى طموحات أهداف الثورة التي انطلقت لأجلها.

    معركة حماةحماةريف حماة الشمالينظام الاسدميليشيات طائفيةالجيش الحر الثوار