قطار الهُدَن ومتاهات السوريين

تقارير

الخميس 15 أيلول 2016 | 9:46 مساءً بتوقيت دمشق

هدنةالفصائل الثوريةنظام الاسدبشار الاسدحماةحمصدمشقداريا

  • قطار الهُدَن ومتاهات السوريين

    بلدي نيوز – (تركي مصطفى)

    مقدمة 
    يناقش هذا الملف الهدن والاتفاقيات بين فصائل المعارضة السورية وقوات نظام الأسد خلال الأعوام الماضية من عمر الثورة بعدما كشفت الوقائع والأحداث التي شهدتها وتشهدها المدن والبلدات الثائرة أن نظام الأسد والميليشيات التابعة لإيران ليسوا وحدهم من يقف وراء كل هذا الخراب السوري  بأحداثه المؤلمة سواء من خلال استخدام القوة المدمرة ضد مناطق نفوذ الثوار أو بسياسة الاحتواء من خلال القوة الناعمة لاحتوائها, وليسوا وحدهم من يقف وراء تفريغ تلك المناطق من مقاتليها وسكانها، بل برعاية الأمم المتحدة وموافقتها في كل ما يدور، وإن كان نظام الأسد، وحده من يشغل واجهة الأحداث المحلية الكبيرة، لكن الواقع غير ذلك، فما هو إلا سلسلة تدور في عجلة عربة كبيرة، هي "عربة الهدن والاتفاقيات" بهدف تصفية الثورة السورية وتفريغها من مضمونها بعد أن تحولت من قضية شعب يطالب بالتحول الديمقراطي إلى مجرد  ملف على طاولة "الكبار"، الهدف منه محاربة الإرهاب المتمثل بكل أطياف الثورة السورية كما ترى موسكو, وبرؤية مماثلة لواشنطن الذي كان الأسد في منظورها إرهابيا قبل وقت ليس بالبعيد  .

    - في تفاصيل الهدن ومآلاتها 
    في هذا الملف, نسلط الضوء على بعض النماذج التي انتهت إليها مدن وبلدات سورية في عدة محافظات أبرزها دمشق وريفها، نظرًا لخصوصية العاصمة التي نجح الأسد حتى اللحظة بتحييدها فعليًا عن الصراع العسكري سواء من خلال الهدن التي بنتيجتها يعمد إلى تفريغ المدن من مقاتليها وسكانها, أو عن طريق استخدام القوة المتوحشة ضد الثوار الذين ما زالوا يتمترسون في محيطها . 
    وسنختم هذا الملف بمآلات وتداعيات الهدن المحلية والاتفاقات الدولية الهادفة إلى تصفية الثورة السورية تحت يافطة محاربة الإرهاب لتعويم وإعادة إنتاج نظام الأسد . 
    وابتدأت عربة الهدن برعاية أممية فرضها نظام الأسد على فصائل المعارضة المسلحة التي قبلت بها مرغمة حفاظا على ما تبقى من المدنيين بعد استهدافهم بشكل متوحش وحصارهم إلى حد الموت جوعا ومرضا .
    أهم الهدن  :
    - هدن محلية برعاية أممية: اعتمدها نظام الأسد ضد المناطق الثائرة من خلال سياسة الأرض المحروقة وإطباق الحصار عليها لإخضاعها بالقوة، وركز على دمشق وريفها لإنهاء الوجود العسكري المعارض في العاصمة ومحيطها, ابتداءً من "برزة" في شباط 2014 لتتبعها أحياء القابون وتشرين, في شهر أيلول من العام ذاته. وجاءت هدنة برزة  بعد معارك عنيفة شهدها الحي بين مقاتليه وقوات الأسد، لم تستطع الأخيرة التقدم فيه رغم القصف الجوي والبري لتلجأ إلى ما يسميه إعلام نظام الأسد بـ "المصالحة".
    ومن نتائج هذه الهدنة, إغلاق المعبر الرئيسي للحي بشكل متكرر واعتقال شبانه عند الحواجز المنتشرة على أطرافه، وبعض حالات القنص التي أودت بحياة عدد من أهله.
    وأصبحت هذه الجبهة المحاذية للغوطة الشرقية في حالة هدوء شبه تام، يشوبها خروقات من قبل قوات الأسد، إثر استهداف حي القابون  بقذائف الهاون بشكل متكرر .
    وفي جنوب العاصمة وتحديدًا بلدات (بيت سحم ويلدا وببيلا) وقعت فصائل هذه الأحياء على هدنة مفتوحة مع قوات الأسد في شباط 2014، شملت في بنودها تسليم الجيش الحر للسلاح الثقيل واحتفاظه بالسلاح الخفيف، وفي أيار 2014، نجح نظام الأسد أيضًا بتحييد حيي القدم والعسالي عن الصراع العسكري، وفق بنود مماثلة لما حدث في ببيلا ويلدا وبيت سحم، يضاف إليها وقف نظام الأسد عمليات الهدم التي بدأها مع انطلاق الثورة في الجنوب الدمشقي،  وأصبحت منطقة جنوب دمشق آمنة لنظام الأسد بشكل شبه كامل، عدا عن حي التضامن الذي يشهد مواجهات متقطعة بين مقاتليه وقوات الأسد، إضافة إلى حيي الحجر الأسود ومخيم اليرموك الذي شهد اقتتالا بين تنظيم داعش, وجبهة فتح الشام "النصرة سابقا" من جهة،  وفصائل فلسطينية من جهة أخرى، ولم يعد لها تأثير على قوات نظام الأسد. وانتقلت مشاريع هدن الأسد إلى الغوطة الغربية بدءا من مدينة معضمية الشام المجاورة لمدينة داريا, ورفع علم نظام الأسد فوق خزان المياه وسط المدينة بتاريخ 25 كانون الأول 2013 لمدة 72 ساعة كبادرة حسن نية بعد معارك وحصار دام أكثر من عام.
    الاتفاق نص على سحب السلاح الثقيل وتسليمه لنظام الأسد مقابل وقف العمليات العسكرية وفتح ممر إنساني باتجاهها، تعرضت هدنة المعضمية منذ ذلك الحين لعشرات الخروقات من قبل قوات الأسد التي عمدت إلى إغلاق المعبر الشرقي الواصل بينها وبين مدينة دمشق، لتدخلها في حصار اقتصادي ومعيشي ويصبح سكانها والنازحون إليها تحت رحمة هذا المعبر، أيضًا استهدفت المدينة مرات عدة بالقذائف والصواريخ والبراميل رغم الهدنة تحت حجج وذرائع أبرزها اشتراط قوات الأسد إغلاق بوابتها الغربية الواصلة بينها وبين مدينة داريا, وتجري عملية تفريغ المعضمية من مقاتليها وسكانها بعد ما جرى لداريا.
    الهدنة التي جرت في قدسيا, كان من نتائجها إخراج 135 مقاتلا من أبناء المدينة مع عائلاتهم نحو محافظة إدلب شمال سوريا برفقة الهلال الأحمر السوري ولجنة المصالحة في المدينة،  وذلك بتاريخ 30 تشرين الثاني، كشرط رئيسي وضعه نظام الأسد لإعادة فتح الطريق وفك الحصار الكامل المفروض عليها، وتوسعت الهدنة  لتشمل بلدة الهامة التي وافق مسلحوها على ذات البنود وبذلك أصبح طريق قدسيا- دمشق مفتوحا بشكل كامل بعد إغلاق استمر فترة طويلة. وعمد نظام الأسد إلى تنفيذ ذات "الهدن" في بلدات وادي بردى (بسيمة، عين الفيجة، وادي مقرن، كفير الزيت) وصولا إلى منطقة آمنة تمتد من الزبداني فمضايا وصولاً للعاصمة، وبالتالي ضمان الاستقرار الأمني والعسكري لنظام الأسد بعد تأمين طريق إمداده بيروت – دمشق. 
    - تفريغ داريا من المقاتلين والأهالي: شهدت مدينة داريا، الواقعة بريف دمشق، أواخر شهر آب الفائت أكبر حملة لتهجير سكانها بعد إجلاء جميع المدنيين والمقاتلين منها، لتغيير المدينة ديموغرافيًا، وتوطين الميليشيات الداعمة للأسد وعائلاتهم في المدينة التي عانت حصارًا دام لسنوات واستهدفت بالبراميل المتفجرة والنابالم والصواريخ لإجبار أهلها على النزوح، وهي جرائم ترقى إلى التطهير العرقي بحسب القوانين الدولية، ولكنها لم تحرك ساكنًا من قبل المجتمع الدولي والمنظمات الدولية وخاصة الأمم المتحدة التي أشرفت على عملية التهجير .
    هدن المنطقة الوسطى (حمص, حماة):
    - تفريغ حمص من المقاتلين والأهالي: في السابع من أيار 2014، خرج مقاتلو المعارضة السورية من أحياء حمص القديمة متجهين شمالا نحو الريف الخارج عن سيطرة الأسد بعد رزوحهم تحت حصار كامل لمدة عامين في عدد من أحياء المدينة التي عرفت بعاصمة الثورة,  وسط دمار هائل أصاب معظم الأبنية والمرافق العامة، لتعود بعد ذلك إلى نظام الأسد برعاية إيرانية وإشراف أممي.
    ونصت بنود الاتفاقية على خروج مقاتلي المدينة مع الأسر المتبقية، بالسلاح الفردي نحو بلدة الدار الكبيرة في الريف الشمالي، وإيقاف استهداف حي الوعر وفتح ممرات إنسانية إليه والبدء بمفاوضات تفضي إلى هدنة فيه بعد إتمام الاتفاق، ليخرج من المدينة الثائرة 2400 مقاتل ومدني وتحولت منذ ذلك الوقت إلى مدينة خاوية على عروشها في ظل رفض نظام الأسد عودة أهلها المهجرين إليها أو حتى البدء بإعادة ترميمها، وفق اتفاقية رعاها ضابط إيراني رفيع المستوى، إلى جانب اللواء محمد ديب زيتون رئيس شعبة الأمن السياسي، ووزير المصالحة الوطنية، ومحافظ حمص, ولم يلتزم نظام الأسد ببنود الاتفاقية فعمد إلى التشديد على حصار حي الوعر, إضافة إلى استهدافه المتكرر بالمدفعية الثقيلة والطيران الحربي . 
    - هدن ريف حماة الشمالي: لجأت قوات الأسد إلى أسلوب الهدن في حماة، وكانت هدنة بلدة قلعة المضيق في الريف الشمالي الغربي هي الأقدم قبل نحو 4 أعوام، وتعتمد على مبدأ توازن القوى داخل البلدة المتاخمة لمناطق العلويين في سهل الغاب. هذه الهدنة مستمرة حتى اللحظة داخل البلدة، رغم عدة خروقات ومجازر نفذتها قوات الأسد فيها منذ ذلك الحين، ولم تنقطع  غارات الطيران الحربي التابع لقوات الأسد في استهداف أحيائها .
    وانضمت بلدة كفرنبودة المجاورة لبلدة قلعة المضيق إلى عربة الهدن في مطلع شهر آب 2014 واشترط نظام الأسد عودة الأهالي مقابل عدم جعلها مركزًا عسكريًا، ووقف جميع الأعمال العسكرية لمقاتليها، وبالتالي توقف قوات الأسد استهدافها بشكل كامل .
    وفي مطلع تشرين الأول عام 2015 خرقت الهدنة من قبل قوات الأسد، التي خيرت سكانها بين جعلها مركزًا لمرور الأرتال البرية نحو قرى وبلدات ريف إدلب الجنوبي، أو تدميرها تحت وطأة القصف المتنوع، فكان الخيار الثاني ونزح أهلها عنها مجددًا لتصبح ساحة معارك، وحاولت قوات الأسد السيطرة عليها لكنها فشلت كليًا. 
    ثانيا: هدن برعاية إقليمية :
    هدنة الزبداني – الفوعة: 

    وقّعت في أيلول عام 2014، ونصت على وقف إطلاق نار وفتح ممرات إنسانية إلى بلدات مضايا وبقين والزبداني، مقابل شروط مماثلة تسري على مدينة إدلب وعدة قرى مجاورة من بينها بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين .
    وجاءت بعد ثلاثة أشهر من المعارك الطاحنة على تخوم مدينة الزبداني، دون تمكن حزب الله اللبناني والميليشيات الشيعية الأخرى من إتمام السيطرة الكاملة عليها، وسط صمود كبير لمقاتلي المدينة .
    رعت الهدنة طهران وأنقرة، ووقّعت في إسطنبول بمشاركة ممثلين عن غرفة عمليات جيش الفتح، ولا تزال مضايا وبقين ترزحان تحت حصار كامل، عدا عن مساعدات الأمم المتحدة الفاسدة ومنها إصابة  200  مدني في مضايا بحالات تسمم ناتجة عن تناول بسكويت منتهي الصلاحية أدخلتها الأمم المتحدة الأحد 18 تشرين الأول 2015 ، في وقت تستمر فيه قوات حزب الله بتجريف الأراضي الزراعية والأشجار المثمرة في سهل الزبداني إضافة لزرع آلاف الألغام في محيطها, واستمرار عمليات القنص والقصف, الأمر الذي تبعه رد من قبل جيش الفتح على كفريا والفوعة.
    ثالثا: اتفاق كيري – لافروف: 
    التطوّر الجديد في مشهد الأحداث الدائرة في سورية، إعلان واشنطن وموسكو في التاسع من هذا الشهر عن اتفاق لإدارة الصراع في سورية  بصورةٍ تحالفية فيما بينهما، والذي كان أحد منتجاته المبكرة البحث عن مخرج للأسد عندما قتل آلاف السوريين بسلاح كيماوي محرم دوليا.
    يأتي هذا الاتفاق بحسب (كيري - لافروف) مدخلا لحل "الأزمة السورية" ابتداء بوقف الأعمال الحربية, وعدم تنفيذ طيران الأسد طلعات جوية حربية في مناطق محددة خاضعة لسيطرة فصائل المعارضة المسلحة. وعبر نظام الأسد عن علمه ببنود الاتفاق قبل إعلانه, وعن استعداده لتنفيذ بنود الاتفاقية الروسية الأميركية.
    مآلات الهدن وتداعياتها
    يبدو أنّ عربة الاتفاقيات والهدن التي طحنت بنتائجها المناطق المحررة خلال ست سنوات من عمر الثورة، أغرت الأسد باقتفاء أثرها، للتعامل مع المعارضة المسلحة, ليصب الاتفاق الروسي الأميركي في اتجاه عربة الهدن, معيدا إلى لذاكرة حدثاً قريب الشبه مرت به سورية في شباط الماضي الذي تكاد ظروفه ووقائعه تتطابق مع الوقت الراهن مع تحول جذري في موقف أطراف الصراع, قدرة ودورا وموقعا. في عملية استبدال كامل المجموعة الدولية لدعم سورية (ISSG) بمجموعة التنفيذ المشتركة (JIG)، ما يعني إخراج الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وباقي الدول المشاركة في بيان ميونيخ بشكل كامل، وحصر الملف بيد كل من روسيا وأميركا, مع أفضلية علنية لروسيا بسبب نأي الإدارة الأميركية بنفسها عن جوهر القضية السورية وتسليم الملف برمته لموسكو لمعالجته وفق ما يريد بوتين  . 
    وعلى الرغم من ضآلة دور الأسد في معارك الحصار وفرض الهدن التي تتقنها الميليشيات الشيعية وبالأخص حزب الله اللبناني في مناطق وادي بردى والقلمون الغربي والغوطة الغربية التي أفرغت غالبية تلك المناطق من مقاتليها وسكانها, جاء الإعلان عن الاتفاق الروسي الأميركي ليشرعن وجود المليشيات الأجنبية التي تقاتل إلى جانب نظام الأسد، إذ أن الاتفاق في أي من بنوده لم يتعرض لطريقة التعامل مع المليشيات الإيرانية والعراقية واللبنانية والأفغانية، والتي بمعظمها تعمل بمعزل عن نظام الأسد .
    وهذا الاتفاق يحاكي هدن الأسد السابقة وإن كان بصيغة دولية, لتبقى إستراتيجية "الاحتواء الناعم" أقل كلفة لمسعى للأسد في إخضاع المناطق الثائرة ضده بعد تفريغها من المعارضة المسلحة وتهجير أهلها  للدخول في مفاوضات تكميلية متعرجة المسار برعاية أممية يحتوي بموجبها باقي المدن والبلدات الثائرة بالطريقة ذاتها التي اتبعها مع الفصائل التي غادرت مناطقها قسرا نتيجة للهدن, وتتيح الاتفاقية الأخيرة استمراره في سياسة الحصار والتجويع
    للمدن والبلدات الثائرة. والأخطر من ذلك إشراك قوات الأسد بشكل رسمي في الأعمال القتالية والتنسيق معه، وعدم التعرض لطيرانه ودفاعاته الجوية .
    ولا يعير الأسد أدنى اهتمام لفشل الاتفاق الروسي – الأميركي، فالبديل الإستراتيجي "الاحتواء الخشن"، في  شن حربٍ تدميرية طاحنة ضد المناطق الثائرة هو مسعى روسيا  في توسيع دائرة الصراع، وتنويع أدوات المواجهة، وزعزعة الأمن والاستقرار في المناطق المحررة كما أنّ حلفاء هذه الاستراتيجية، التي قضت على الآلاف من السوريين قتلا أو جوعا، ليست لديهم نية في التراجع عنها، خصوصاً الميليشيات الشيعية "الحرس الإيراني, والميليشيات العراقية والأفغانية وحزب  الله اللبناني" الذين يعتبرون الحرب الدائرة في سورية حرب معتقد ووجود، وقد عبّر قادة الميليشيات الشيعية عن ذلك مرات عدة وفي أكثر من مناسبة وشرعن لهم الاتفاق الجديد متابعة نهجهم في سياسة الحصار والتجويع لدفع هذه المناطق للهدن الجزئية دون إطار العملية التفاوضية، أو تهجير أهلها لاستكمال عملية التغيير الديمغرافي التي عبرت عنها بشكل صارخ مظاهرة شيعية في العاصمة دمشق تطالب بتهجير أهلها وإحلال الشيعة في محاكاة لطريقة المنظمات الصهيونية، وبذلك أسدلت هذه الاتفاقية الستار على القرار الأممي 2254 بعدما ضرب اتفاق كيري - لافروف به عرض الحائط .

    هدنةالفصائل الثوريةنظام الاسدبشار الاسدحماةحمصدمشقداريا