الثورة السورية بين إستراتيجيتين.. (القاتل الحالم والراحل المتردد)

تقارير

الخميس 22 أيلول 2016 | 9:6 مساءً بتوقيت دمشق

الثورة السوريةنظام الاسدامريكاروسيا سورياالثوار

  • الثورة السورية بين إستراتيجيتين.. (القاتل الحالم والراحل المتردد)

    بلدي نيوز – (تركي مصطفى)

    المقدمة :
    باتت قضية الشعب السوري الثائر مرتبطة بالصراع الأميركي- الروسي، ودخلت مرحلة التدويل الفعلي، وأضحت ساحة صراع حقيقي, وتصفية حسابات بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة, وروسيا وحلفائها من جهة ثانية, ما جعل مستقبل سورية مرهونا بهذا الصراع المفتوح إيديولوجيا وجيوسياسيا واقتصاديا, في محاولة استعادة الرئيس بوتين أمجاد روسيا القيصرية دون الاكتراث بقتل الأطفال وتدمير مدن وقرى سورية مستغلا استدارة الإدارة الأميركية عن الاهتمام الجدي بسورية  .
    وتكمن أهمية البحث في محاولته رصد الاستراتيجيات الأميركية الروسية وحقيقة علاقاتهما وتداعيات ذلك على الساحة السورية وتجاذباتها وتفاعلاتها بجوانبها السياسيّة، والاقتصاديّة والإستراتيجيّة ونتائج هذا الصراع في رسم خريطة جديدة لسورية استجابة للأهداف المعلنة وغير المعلنة لهذا الصراع.
    والهدف من هذا البحث هو دراسة لعبة الطرفين والنتائج المترتّبة عليها وتداعياتها على مستقبل الشعب السوري الثائر، بالإضافة إلى التركيز على محركات الصراع وآلياته وانعكاس ذلك على مستقبل الثورة السورية .
    إستراتيجيات متعثرة
    مرّت الثورة السورية بمراحل عديدة مختلفة وفق ما اقتضته الظروف والمصالح والأهداف الأميركية-الروسية، وأصبحت في مقدمة الأزمات والمشاكل بينهما تتقاطع في بعض المجالات، وتختلف في مجالات أخرى، لكن القاسم المشترك بينهما أنَّ القوتين حريصتان جدًّا على أن يكون لهما نفوذ قوي في هذه الدولة، ذات الموقع المميّز والإستراتيجي، بهدف تعزيز مركزيهما الإقليميين، وتحويل موازين القوى لصالح كل منهما.
    - روسيا القاتلة الحالمة 
    تعني سوريا بالنسبة إلى روسيا في تدخلها المباشر ورقة ضغط ترفعها في وجه الولايات المتحدة لتسوية قضايا أهمها (أزمة أوكرانيا, ورفع العقوبات التكنولوجية عنها والدرع الصاروخي الأميركي على حدودها علاوة على أحلام الرئيس بوتين في بعث أمجاد روسيا القيصرية). وفي التفاصيل الداخلية السورية تنحصر اهتمامات روسيا في الحفاظ على المنطقة الغربية الحيوية لنظام الأسد (جبال العلويين والساحل), وإحكام سيطرتها على المنافذ البحرية والجوية التي تصل إلى سورية من خلالها. والعمل على ترسيخ سيطرتها عليها, وانتشال قوات نظام الأسد المتقهقرة في عمليات القصف الجوي ضد فصائل الثورة المسلحة المناهضة للأسد ومنها الجيش الحر. كما زودت نظام الأسد بمنظومة صواريخ إس أي 200 , وطائرات قتالية ودبابات تي 90 . 
    وأسهم بوتين صديق إسرائيل الكبير - بحسب وصف أرييل شارون -  بإرساء العلاقات بين نظام الأسد وإسرائيل التي اعتبرت بوتين لاعبا مهما بصفته القوة المؤثرة على حدودها, ما نتج عن ذلك تفاهم روسي - إسرائيلي بعدم البحث في مصير الأسد أو التخوف من إيران عبر ذراعها "حزب الله" اللبناني الغارق في المستنقع السوري حيث بات خارج أولويات إسرائيل مع احتفاظها بحق دفع المخاطر عنها من خلال قصف المواقع العسكرية بين الفينة والأخرى يستغلها محور الأسد "الممانع" على أنه مستهدف من إسرائيل  .
    وتوافقت ايران وروسيا على القيام بعمليات عسكرية تهدف إلى إسقاط الشمال السوري ووأد الحراك الثوري وتعويم نظام الأسد استغلالا لتركيز واشنطن على ضرب تنظيم "داعش" . 
    بموازاة الأعمال العسكرية المتوحشة التي تجيدها من خلال قتل المدنيين بدم بارد, وتدمير المشافي والمدارس والمخابز وقصف قوافل مساعدات الإغاثة الأممية بلا تردد دون أن تهزها اتهامات جرائم حرب, وتتقدم في المحافل الدولية لتقديم حل سياسي يتضمن إصرارها على بقاء الأسد وتسويقه في عرضه على الآخرين في غياب أي صيغة مقبولة لحل سياسي متوازن.. فتارة يعرضونه لقاء محاربة الإرهاب, وأخرى لقاء هدنة, أو إطلاق المفاوضات في ظل تردد السوق السياسية قبول رئيس مهان على مدى ست سنوات  .
    - واشنطن المتخبطة
    الولايات المتحدة الأميركية, قبل أن تدخل غيبوبة الانتخابات الرئاسية في خريف إدارة أوباما الأخير لم تتوصل إلى ما تنشده روسيا من تنسيق مع واشنطن, لا عسكريا, ولا سياسيا, أو حتى أمنيا, وجل ما فعلته في غيبوبتها ظهورها القوي في إنذار الأسد بوقف هجمات طيرانه ضد حزب الـ "بي كي كي" المصنف إرهابيا في الحسكة, وكانت تعتبر قبل وقت ليس ببعيد نظام الأسد إرهابيا, ولا تخلو أدبيات الإدارة الأوبامية من مصطلح رحيل الأسد، وهددت بتوجيه ضربة عسكريّة ضده على خلفية استخدامه الكيماوي في معضميّة الشّام والغوطة في آب/أغسطس ٢٠١٣. فاقترح الروس على الطرف الأميركي أن يقوم الأسد بالتخلّي عن سلاحه الكيميائي وذلك لإنقاذ  الرئيس الأميركي من الحرج الذي وقع فيه، بعد أن هدد بقصف قوات نظام الأسد. مكتفية بتدمير الجزء الأكبر من الترسانة الكيماوية بعد تدخل إيران وروسيا وإقناع الولايات المتحدة أنها لن تقع في أيدي فصائل المعارضة, ولا تهدد أمن إسرائيل, وبذلك ظن أوباما أن ما يفعله الروس من تأمين مظلة لحماية الأسد سيعفيه من وصمة العجز والتردد أمام المشهد الكارثي السوري في استسلام فاضح لإرادة اللوبي الصهيوني الذي يصر على إبادة جيل كامل ثار ضد الاستبداد المتمثل بالعرب المحيطين بإسرائيل الذين عايشوا ديمقراطيتها بسلام عدا المتاجرة بالصمود والمقاومة والتي يقابلها ركوع وخنوع الشعب .
    - أوباما المتردد
    أخذت  إدارة أوباما المعارضة السورية إلى المجهول نتيجة تخبط رؤيتها في التعامل مع فصائل الثورة المعتدلة بين تيار يدعو إلى تقليص الالتزامات الأمنية والعسكرية, وآخر ينظر بقلق إلى ترسيخ النفوذ الروسي في سوريا ويطالب بإستراتيجية الحضور الأميركي بقوة في المشهد السوري واصفا اتفاق (كيري - لافروف) الأخير بالخديعة ( pivot ) ما جعل البنتاغون يرى في الاتفاق انتصارا للشروط الروسية فجاءت ضربة البنتاغون الجوية لمواقع قوات الأسد وميليشيات إيران في دير الزور بمثابة إعدام للاتفاق وانتصارا لرؤية البنتاغون في قراءتها للاتفاق المذل مع الروس, وهو فرصة للثورة السورية في إبعاد تبعات الرئيس المغادر في ارتكابه حماقات مقصودة يمكن أن تكبل سياسات الرئيس المقبل وخياراته والذي اعتلى قبل أيام  وللمرة الأخيرة في حياته الرئاسية منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة دون اهتمام ولا حماس لخطابه بعد عبثه في الملف السوري مكررا أن لا حسما عسكريا في سوريا، واكتفى بالحث على تكثيف الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة السورية, وتغنى باستقبال بلادة 10آلاف لاجئ سوري, وملاحقة تنظيم "داعش" في الوقت الذي كانت قاذفات روسيا تدمر قافلة إغاثة للمنكوبين بحصار حلب الإرهابي الذي وافق عليه أوباما شخصيا, بينما لاقى وزير خارجيته جون كيري انتقادا لاذعا من البنتاغون كونه مثل دورا ساذجا في اتفاقه الأخير مع نظيره الروسي سيرجي لافروف, ما حدا بالمؤسسة العسكرية إلى إبطال الاتفاق وبالتالي انهيار الهدنة التي قامت بالأساس على خداع تخلله حفلة "الفودكا" الممزوجة بشلال الدماء السورية .
    - إصرار بوتين 
    الرئيس بوتين الذي لم يقدم أي تنازل منذ أن صارت قواته على الأرض وفي السماء السورية وتزايد دعمه بجرعات أكبر في المحافل الدوليّة بالتعاون مع الصين، من خلال استخدام حق النقض "الفيتو", وفي المحافل الإقليميّة بالتعاون مع إيران وتنسيق العمل العسكري لوأد الثورة السورية من خلال اختباره لأسلحته الجديدة في تدمير المدن تمهيدا لعقود بيع الأسلحة المجربة على رعشات الأطفال الناجين من محرقته, وتنصيب حليفه المجرم ورعايته بمظلة الحماية .
    ذريعة محاربة الإرهاب 
    كان العنوان الأبرز للتدخل الأميركي في سوريا محاربة تنظيم الدولة "داعش" معتمدة على حزب "بي كي كي" الكردي حليف الأسد في قمع الثورة السورية والحالم بكيان انفصالي على الحدود الجنوبية لتركيا، ما آثار مخاوف الحليف التركي التقليدي الذي نجا من حركة العسكر الانقلابية ليعيد النظر في إستراتيجيته الدولية برمتها, وعلى رأسها إنهاء حالة التوتر مع روسيا وتفاهمه مع الإيرانيين حول الطموح الكردي الذي يثير هو الأخر حفيظة إيران, و في هذا السياق الإستراتيجي تدخلت روسيا لمحاربة "داعش", ولكنها ركزت على قصف كل الفصائل المعارضة لنظام الأسد, وحاولت شرعنة استهدافها لجبهة "فتح الشام" الذراع الأقوى للمعارضة المسلحة التي فكت ارتباطها بتنظيم "القاعدة" وغيرت اسمها, ليس لمحاربة الإرهاب, إنما كي تضعف معارضي الأسد, وانحصرت إستراتيجيتها في بقاء الأسد على رأس نظامه من خلال غطائها الجوي "للميليشيا العلوية قوات صقور الصحراء والحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية المستوردة بالإضافة لميليشيا الشبيحة وبقايا قوات الأسد", بينما إدارة أوباما أدخلت الثورة في نفق مظلم بهدف تحويل الأراضي السورية إلى ساحة معارك استنزاف لجميع القوى المتحاربة لتصفية بعضها البعض, وتركيزها على محاربة "داعش" وتخليها التدريجي عن البحث في مصير الأسد أو عملية الانتقال السياسي, وأصبح ضحايا القصف الروسي والأميركي مجرد أرقام على هامش معركة "الإرهاب" .
    وبانت عجلة المعسكر الروسي فور انتهاء الهدنة بقصف متوحش على حلب وريفها, وانتقمت من إدارة أوباما في قصف قافلة المساعدات الإغاثية, وكثفت من استهدافها المستشفيات والمدارس والمخابز والجوامع  لإضعاف صمود المحاصرين داخل مدينة حلب المحررة باتباعها سياسة الأرض المحروقة, والالتفات في مرحلة تالية إلى مدينة إدلب المعقل الأكبر للمعارضة السورية وتدميرها على شاكلة "غروزني" الشيشانية ما دامت تجد هامشا زمنيا واسعا للمناورة وإمعانها في القتل  ..
    المعارضة السورية بين إستراتيجيتين 
    أمام هذه الإستراتيجيات تبدو خيارات المعارضة السورية أقل ضيقا مما كانت عليه مع فشل اتفاق كيري - لافروف, وباتت روسيا المستعجلة لسحق المعارضة بعيدة المنال عن هذه الغاية, فهناك مناورات تشير إلى مساع حثيثة لبلورة خطة مقابلة للتصور الروسي في إعطاء الدعم الكافي للمعارضة المعتدلة كي تتجنب المحرقة الروسية في الشهور القليلة المتبقية من إدارة أوباما مع زيادة الانسجام بين المعارضة السياسية والمسلحة, وهنا تطرح إمكانية تزويد فصائل الثورة بأسلحة تمكنها من الصمود, وسط دعوات وضغوط ملحة لإيجاد صيغة توحيدية لفصائل الثورة والالتفاف حول مشروع وطني واحد, لتجد الإدارة الأميركية معارضة لديها رؤية سياسية عبرت عنها الهيئة العليا للمفاوضات من خلال ورقة لندن. وبات لزاما عليها اختيار معارك يتجنبها نظام الأسد, كالبدء بمعركة سهل الغاب حاضنة الأسد, والمحاولات الدؤوبة لفك الحصار عن حلب, وإشعال معارك متسارعة على أطراف العاصمة دمشق, والتركيز على خطوط إمداد نظام الأسد سواء الواصلة إلى حلب, أو تلك الواصلة إلى العاصمة دمشق .
    خلاصة

    مع أفول إدارة أوباما تستعجل روسيا في إنهاء الصراع من زاوية مصالحها, واستمرار فصائل الثورة في الصمود سيستنزفها اقتصاديا، فالكلفة العسكرية لتواجدها العسكري سترهقها مع زيادة وتيرة هجماتها خشية القادم للبيت الأبيض, ولعدم تحقيق أي من غاياتها إثر تدخلها العسكري المباشر إلى جانب الأسد فلم تحصل في مساومتها على جديد في قضايا أوكرانيا, ولا رفعت العقوبات التكنولوجية, ولم تكن مناكفة لنشر الدرع الصاروخي في الدول المجاورة لها, ولم تعد تملك الوقت الكافي لتحقيق كل هذا, بينما لدى الولايات المتحدة المزيد من الوقت للانتظار, لذلك تسعى روسيا لارتكاب المزيد من الجرائم لتقبض ثمن ذلك من واشنطن التي رحلت الملف السوري برمته إلى الإدارة الجديدة مع استمرار متابعتها لنكسات التدخل الروسي في الميدان تزامنا مع الحفاظ على بقاء فصائل الثورة السورية المسلحة .

    الثورة السوريةنظام الاسدامريكاروسيا سورياالثوار