"درع الفرات".. لمنطقة آمنة مشرفة على المستقبل

تقارير

الخميس 29 أيلول 2016 | 7:50 مساءً بتوقيت دمشق

درع الفراتالمنطقة الآمنةالجيش الحرتركيا

  • بلدي نيوز – (تركي مصطفى)

    يناقش هذا الملف "معركة درع الفرات" الدائرة بريف حلب الشمالي الشرقي, بين الجيش السوري الحر وفصائل إسلامية بدعم الجيش التركي مع غطاء جوي من جهة، وبين تنظيم "الدولة" (داعش) من جهة أخرى، في إطار الحرب الناشبة في سورية منذ أكثر من خمس سنوات، ونمهد لهذا النقاش باستعراض تحليلي موجز للأبعاد الإستراتيجية للمعركة عسكريا وسياسيا وصلته بنتائج المعركة وأهدافها على كافة الصعد  .
    ثم نستعرض بالتحليل، جوانب هذه المعركة، ميدانيا وأطرافًا، وخططًا عسكرية, ونتائج على رأسها المنطقة الآمنة, ونقف على فتاوى الحرب وانقسام العلماء ككوابح لدرع الفرات, وآفاقها المحتملة .
    مدخل:
    ستة وثلاثون يوما مضت على انطلاق معركة درع الفرات وتحرير الجيش السوري الحر لمدينة جرابلس وريفها التي دخلت خط المواجهة المسلحة ضد تنظيم "داعش" ولا تزال المعارك في تمدد مستمر على خريطة المنطقة الشمالية الشرقية لمحافظة حلب، حقَّق فيها الجيش السوري الحر بالتنسيق مع الجيش التركي نتائج معتبرة؛ حيث تحررت كامل مدينة جرابلس الإستراتيجية - التي حظيت ببعد رمزي له علاقة بمسقط رأس العقيد يوسف الجادر أبو فرات الذي استشهد بعد قيادته معركة السيطرة على مدرسة المشاة في حلب -, وخسر التنظيم العديد من المناطق التي كانت تحت سيطرته في المنطقة المحاذية للشريط الحدودي مع تركيا .
    التي ظلت مثار جدل حول تعثر التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي, وقوات سورية الديمقراطية "قسد"، وأسباب تراخي التحالف بشأن هذه المنطقة الحيوية؛ حيث توقفت عمليات التحالف عند الحدود الإدارية لمنطقة جرابلس برغم ما يشكِّله تحرير هذه المنطقة من قوة دفع، وتأثير مهم في الجهات الأخرى، جنى ثمارها الجيش السوري الحر والحليف التركي، على طريق المعركة الكبرى والهدف الأول للثورة السورية، وهو تحرير كامل المنطقة المعنية بالمعركة بداية, ثم الاستمرار نحو محافظة حلب لتحريرها من كل الاحتلالات المركبة "تنظيم داعش, وحزب الاتحاد الديمقراطي, وميليشيات الأسد المتعددة الجنسيات". 
    الأبعاد الإستراتيجية لمعركة درع الفرات
    يمكن وصف المنطقة المحاذية للحدود مع تركيا من جرابلس شرقا ولغاية إعزاز غربا, وإلى منبج وأطراف مدينة حلب جنوبا، بأنها الجزء الأكثر حساسية وتأثيرًا في الخاصرة الطبيعية لتركيا؛ فموقعها المحاذي للشريط الحدودي, ووجود مدن منبج والباب وإخترين والراعي, وموقعها المتوسط بين منطقتي عفرين وعين العرب "كوباني"، أعطاها أهمية كبيرة في وأد حلم الأكراد الانفصاليين, وما يتبع ذلك من قيمة إستراتيجية وجيواستراتيجية. كما أن نهر الفرات وسهوله الخصبة, ووجود أكثر من نهر يعبر المنطقة كالساجور وقويق إضافة لخصوبة التربة, أعطاها ميزة اقتصادية في ظروف الحرب الدائرة .
    لذلك، كان من أولويات درع الفرات تحرير المنطقة بالسيطرة على كامل الشريط الحدودي  منعًا لخطورة وجود داعش في المنطقة الحدودية وتهديد تركيا باستهداف منطقتي كركميش وكلس المتكرر  .
    كما تكمن الأهمية الإستراتيجية للمنطقة، في كونها إحدى أهم نقاط الوصل والفصل الجغرافي بين ما يسمى بمنطقتي غرب وشرق الفرات بفضل موقع المنطقة الذي يمتد من عفرين غربًا إلى جرابلس شرقا، وهو ما يضعها ضمن خريطة من يسعى لتحقيق نصر عسكري ضامن للوحدة السورية كما هو هدف الجيش السوري الحر أو ضدها كما يحلم الفصيل الكردي.. 

    كما يعزِّز هذا الموقع سيطرة الجيش السوري الحر على شبكة من الطرق البرية، الواصلة بين المناطق المترامية الأطراف .
    عسكريًّا: تكتسب المنطقة أهمية إستراتيجية في ظروف الصراع المركب لاسيما بعد تحرير غالبية المنطقة والتحكم بالمنافذ الحدودية مع تركيا "جرابلس - باب السلامة - باب الهوى" وطرد "داعش" من المنطقة الحدودية, بالإضافة إلى السيطرة على طرق إمداد الكيان الكردي الحالم بالانفصال إلا أن حجم ذلك التأثير يتوقف على طبيعة التحكم وطرق توظيفه .
    سياسيا: الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، أصدر بياناً ثمن فيه إنجازات أبطال الجيش السوري الحر بتحرير مدينة جرابلس من تنظيم "داعش".  
    وبالمقابل فالغالبية العظمى من الأكراد ترى في حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي PYD، ذي التوجهات الإيدولوجية الشيوعية الماركسية لحزب العمال الكردستاني بفروعه وتوابعه، وممارسته للقتل والإرهاب، مما يتنافى مع طبيعة الشعب الكردي مما يجعل الكيان الكردي المنشود كياناً وظيفياً، أشبه ما يكون بالكيان الإسرائيلي المنبوذ من جواره, إضافة لتسلطه واستبداده وقمعه ومصادرة الحريات العامة . 
    لذلك فإن الأحزاب والقوى السياسية الكردية، تؤيد ضمنا حملة درع الفرات التي لا تستهدف الأكراد، إنما تستهدف تنظيمي "داعش" وحزب pyd مصدر الإرهاب في المنطقة.
    كما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) من جانبها عن مشاركة الطيران الأمريكي ضمن قوات التحالف الدولي في دعم حملة درع الفرات.
    في الوقت الذي أعربت فيه وزارة الخارجية الروسية عن انزعاجها "بشدة" من تصاعد التوتر على الحدود التركية السورية، وتنظر بحذر إلى التطورات الميدانية في حملة درع الفرات .
    هنا، تجدر الإشارة إلى أن من بين المسائل التي ركز عليها الأكراد الانفصاليون و"داعش"، استماتتهم في إحكام القبضة على المنطقة، والسعي لإخضاعها كاملة، بوصفها مركز ثقل جغرافي مثلما أنها مركز ثقل سكاني, ومركزًا للحراك الثوري، ومصدرا داعما للثورة .
    في ظل هذه المعطيات، يمكن تفسير التعامل المبكر مع هذه المنطقة من قبل داعش وأكراد صالح مسلم, لتأتي عملية درع الفرات كخطوة عسكرية ذكية قطعت الطريق مبكرًا أمام أية محاولة لجعل المنطقة عائقًا دون وصول قوات صالح مسلم إلى غايتها في الربط بين كانتون عين العرب وكانتون عفرين, أو "داعش" التي فقدت أي منفذ حدودي لها .
    - الوضع الميداني القائم لحملة درع الفرات
    بدأت العملية العسكرية بقصف من المدفعية وراجمات الصواريخ التركية استهدفت تنظيم "الدولة" في جرابلس، تلى ذلك غارات مركزة من سلاح الجو التركي مع إسناد جوي من التحالف الدولي، في حين اشتبك مسلحو المعارضة مع مقاتلي تنظيم "الدولة" في محيط المدينة.
    وعقب انتهاء القصف المدفعي والجوي بدأت فصائل الثورة تنفيذ عمليات هجوم برية ضد أهداف محددة داخل مدينة جرابلس استهدفت تجمعات للتنظيم، ودعمتها في ذلك الدبابات التركية المنتشرة على الحدود. مما أدى إلى انسحاب مقاتلي التنظيم بشكل سريع من المدينة لتنتهي  المرحلة الأولى من عملية درع الفرات بتحرير مدينة جرابلس, وبدأت المرحلة الثانية بوصل مدينة جرابلس المحررة مع بلدة الراعي, وذلك في مساحة تقدر بنحو 400 كم مربع . وفي المرحلة الثالثة تهدف عملية درع الفرات للسيطرة على مسافة تمتد إلى 80 كيلومترًا على طول الحدود مع تركيا, وعمق حوالي 25 كيلومترًا وصولًا إلى مدينة مارع، على أن تضم المنطقة كلًا من مدينتي منبج، التي تسيطر عليها “سوريا الديمقراطية”، والباب التي تخضع لسيطرة تنظيم الدولة "داعش"  لتكون أساسًا لمنطقة آمنة تسعى تركيا لإنشائها منذ أكثر من عامين.
    - فرقاء عملية درع الفرات
    في منطقة عمليات درع الفرات, تيارات متباينة بين أطراف الصراع من جهة, وكثير من عوامل التباعد داخل الطرف الواحد.. وسنقف أمام مشهد الفرقاء بالقدر الذي يرصد تفاعلات الصراع .
    أولا: فصائل المعارضة السورية المسلحة
    تتكون من كتائب عسكرية تابعة لفصائل المعارضة السورية وخاصة الجيش الحر، ومن هذه الكتائب "فيلق الشام" و"لواء السلطان مراد" و"الفرقة 13" و"أسود الشرقية" وحركة "أحرار الشام الإسلامية" وغيرها من الكتائب والألوية. وتتلقى قوات المعارضة السورية إسنادا بريا وجويا كبيرا من قوة المهام الخاصة المشتركة في القوات المسلحة التركية، ومن القوات الجوية التركية وتلك التابعة للتحالف الدولي.
    ثانيا: قوات سوريا الديمقراطية

    تشكيل قتالي قيادته كردية, تضم تحالفا من المقاتلين الأكراد وأقلية من العرب، وتحظى بدعم الولايات المتحدة، سيطرت على منبج غربي نهر الفرات وتعمل على وصل منطقتي عفرين وعين العرب عبر مناطق جرابلس ومنبج والباب, قبل أن تجهض عملية درع الفرات  مشروعها الانفصالي, وسبق للقوات الكردية أن قاتلت إلى جانب قوات نظام الأسد ضد الجيش السوري الحر. 
    ثالثا: تنظيم الدولة "داعش"

    سيطر في العام 2014 م على مدن وقرى منطقة الشريط الحدودي المحررة المحاذية لتركيا "جرابلس, منبج, الباب" بعد طرد الجيش السوري الحر منها, وتوالت هزائم التنظيم بشكل متسارع مع بدء معركة درع الفرات .
    ثانيًا: الخطط العسكرية
    تجري المعارك في منطقة عمليات درع الفرات وفق خطط ظرفية، يفرضها تدافع الأحداث السياسية والعسكرية على كل طرف، كما لا يمكن فصل القتال فيها عن ما يجري في حلب المحاصرة, مع تصعيد الجيش الحر لوتيرة المعارك واستماتته للتشبث بالأرض، وهذا ما يبرر بطء العمليات العسكرية باتجاه مدينة الباب .
    ولعل المواجهات الدائرة في ذات المنطقة تجعلنا نميز بين إستراتيجيتين, إستراتيجية إراقة الدماء التي اعتمدها تنظيم الدولة وحزب pyd الانفصالي والتحالف المساند له في منطقة منبج مما أدخلهما في مواجهة مفتوحة دفع السكان ثمنا باهظا إثر عمليات قصف التحالف الجوي بتضليل القوات الكردية لطيران التحالف, كما فقد الطرفان المتحاربان المئات في معركة السيطرة على منبج فأصبح الطرفان منهكين, وهذا ما أتاح لفصائل درع الفرات تفوقا على تنظيم "داعش" في معركة جرابلس وما تلاها .
    أمَّا في جانب التكتيك المتبع، فالملاحظ أن الجيش السوري الحر بالتنسيق مع الجانب التركي طور آلية هجومه باستثمار ضربات الطيران التركي في شلِّ قدرات التنظيم لمنع أية محاولة للتجمع بقصد شن هجوم مضاد، إضافة إلى تكثيف الهجوم على المواقع المنهكة أو التي انسحب منها التنظيم، وضاعفت الطائرات التركية غاراتها الجوية على مواقع التنظيم لإعاقة موقفه، وتعزيز موقف فصائل المعارضة في المواقع المحيطة ببلدة الراعي مما مهد لتحرير العديد من القرى، وباتت تصرفات تنظيم "داعش" ردود أفعال محدودة الأثر بعد انزوائه في مدينة الباب.

    المنطقة الآمنة وإمكانية استثمارها

    تشترك فصائل المعارضة مع الجانب التركي  في أهداف عملية درع الفرات للسيطرة على مسافة تمتد إلى 80 كيلومترًا على طول حدودها، وعمق حوالي 25 كيلومترًا وصولًا إلى مدينة مارع، على أن تضم المنطقة كلًا من مدينتي منبج، التي تسيطر عليها "سوريا الديمقراطية"، والباب، التي تخضع لسيطرة تنظيم "الدولة" لتكون أساسًا لمنطقة آمنة تسعى تركيا لإنشائها منذ أكثر من عامين.
    ويرى مراقبون أن درع الفرات هي بداية الطريق لإنشاء منطقة آمنة داخل سوريا يمكن الانطلاق منها مستقبلا في عدة اتجاهات ووفق عدة سيناريوهات، وتصل جنوبا إلى تخوم مدينة حلب وتمتد على المسافة الواقعة ضمن محافظة حلب بين إعزاز غربا وجرابلس شرقا . ومن الأهداف للعملية, منع حدوث موجة نزوح جديدة، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى المدنيين بالمنطقة، وتطهير الحدود من "المنظمات الإرهابية" بما فيها حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردية، والمساهمة في زيادة أمن الحدود  .
    - فتاوى الحرب وانقسام العلماء في معركة درع الفرات

    ساد جدل شرعي متباين أفضى إلى فتاوى شرعية بخصوص معركة درع الفرات, من أبرزها: 
     - فتوى جبهة فتح الشام وتجمع أهل العلم: تقضي بتحريم القتال في درع الفرات في ظل الدعم التركي البري، والدعم الجوي الأمريكي الذي يقود التحالف الدولي في وسوريا ضد تنظيم "داعش"، واتهمت ثلاثة فصائل منضوية في درع الفرات بأنها تابعة للبنتاغون الأمريكي وهي لواء المعتصم وفرقة الحمزة واللواء 51 .
    - فتوى حركة أحرار الشام الإسلامية: سبق الفتاوى التي أصدرها كل من جبهة فتح الشام وتجمع أهل العلم بساعات، بيان لحركة أحرار الشام الإسلامية تجيز فيه القتال في ريف حلب الشمالي بدعم تركي ضد تنظيم الدولة "داعش" لتحرير مناطق شمال حلب من سيطرة التنظيم.
     -  المجلس الإسلامي السوري: رد في فتوى له على بيان تحريم القتال في غرفة عمليات درع الفرات بأن القتال مع القوات التركية في عملية درع الفرات في الشمال السوري جائز شرعا،  وأوضح المجلس في بيانه أن قتال تنظيم "الدولة" وميليشيا "ب ي د" مشروع ﻷنهما صائلان معتديان، والاستعانة على قتالهم ورد صيالهم مشروع مع العجز عن رد صيالهم الذي لا يزال مستمرا.
    بالطبع ترك هذا الجدل وتلك الفتاوى الشرعية أثراً سلبياً على سير المعركة التي كانت تخطو بخطى واثقة نحو أهدافها في الشمال والشرق الحلبي، وتضع نصب أعينها مدينة الباب الإستراتيجية التي يسيطر عليها التنظيم، وعلقت عدد من الفصائل العسكرية أعمالها لعدة أيام، احتجاجاً على فتاوى تجمع أهل العلم، وجبهة فتح الشام .
    لكنها لم تؤثر على قرار فصائل الجيش الحر في استمرارهم في قتال تنظيم "الدولة"، والمضي قدماً في معركة درع الفرات حتى تحقيق أهدافها البعيدة على الأرض، برغم كل الصعاب التي تواجهها، والفتاوى والآراء المختلفة كحوافز وكوابح لسير الحملة .
    خاتمة

    إن حملة درع الفرات تسير بخطى وئيدة نحو تحقيق أهدافها في طرد تنظيم "الدولة" من منطقة الشريط الحدودي واستمرار الحملة نحو مناطق أوسع باتجاه مدينتي الباب ومنبج, ولم تؤثر الفتاوى المتباينة في سير خط المعركة العام, ويبدو أن الروس لم يوافقوا على المنطقة الآمنة, ولا الولايات المتحدة مستعدة لضمان حمايتها, وبالتالي تنتظر أنقرة الظروف الدولية المتاحة, فيما تبقى فصائل المعارضة المسلحة جادة في طرد تنظيم "داعش" وحزب pyd من هذه المنطقة الإستراتيجية رغم كل الكوابح التي تعترض نجاحها.

    درع الفراتالمنطقة الآمنةالجيش الحرتركيا