معركة حلب: آفاق المواجهة وخيارات الحسم

تقارير

الخميس 6 تشرين الأول 2016 | 9:44 مساءً بتوقيت دمشق

حلبمعركة حلبالجيش الحرالميليشيات الطائفية

  • معركة حلب: آفاق المواجهة وخيارات الحسم

    بلدي نيوز – (تركي مصطفى)

    توطئة:   
    تناقش هذه الورقة الوضع القائم في مدينة حلب بعدما أحكمت قوات نظام الأسد حصارها الكامل على القسم المحرر من المدينة في إطار الحملة العدوانية الروسية المستمرة وتركيزها على استهداف المدنيين والمرافق العامة من مشافٍ وأفران وبنى تحتية, ونستهل هذا النقاش بتحليل معمق للأهمية الإستراتيجية لمدينة حلب في المشهدين العسكري والسياسي ورمزيتها الثورية وأهداف روسيا والميليشيات الشيعية من حصار حلب واحتلالها .
    ثم نقف على تفاصيل المشهد العسكري بدراسة الأطراف المتصارعة, وخططهم، والتفاعلات الدولية الدائرة بين الولايات المتحدة وروسيا ونتائجها.
    مدخل :
    دخلت مدينة حلب بقسمها المحرر حصارا خانقا يترافق مع عمليات عسكرية يومية تشنها قوات نظام الأسد والميليشيات الشيعية المتحالفة بغطاء جوي روسي استخدم كل أنواع الأسلحة المحرمة دوليا باستهدافه المدنيين, وعمليات عسكرية في تمدد مستمر على خريطة القسم المحرر من المدينة، حيث خسرت الفصائل الثورية بعض النقاط في الجبهة الشمالية من المدينة المحاصرة .
    أمام هذا التغير في المشهد الميداني, لا شك أن تحولا طرأ على نمط القتال، وخططه، وإمكانياته، ومواقف الأطراف الدولية إزاء المحرقة وجرائم الحرب التي ترتكبها روسيا، حيث اكتفت بالوقوف عند حدود التنديد والإدانة برغم ما تشكِّله مدينة حلب من قوة دفع لعجلة الحرب، وتأثير مهم في الجهات الأخرى، يجني ثمارها من يحسم نتائجها.
    - الأهمية الإستراتيجية لحلب  
    يمكن وصف حلب، أنها المدينة الأكثر حساسية وتأثيرًا في الثورة السورية ومعادلات الحرب القائمة؛ فهي حاضرة الثورة الكبيرة وثاني أكبر المدن السورية وتشكل امتدادا للحاضنة الشعبية في الريف الثائر, وموقعها المتاخم لتركيا في الجزء الشمالي الغربي للبلاد، عبر منطقتي اعزاز وعفرين أعطاها ميزة للاتصال بتركيا وما وراءها, إضافة لامتدادها الإداري مع محافظة إدلب المحررة, وما يتبع ذلك من قيمة إستراتيجية وجيوستراتيجية. كما أنها تعد العاصمة الاقتصادية لسوريا، حيث تركزت فيها غالبية المعامل والمصانع, ما أعطاها ميزة لها أهميتها في كل الظروف . 
    لذلك، كان من أولويات العملية العسكرية لنظام الأسد وتاليا للميليشيات الشيعية وروسيا السيطرة على كامل المدينة، كما تكمن الأهمية الإستراتيجية لحلب في كونها إحدى أهم الأوراق السياسية الضاغطة على طاولة أية مفاوضات قادمة .
    وتكتسب حلب  أهمية إستراتيجية على الصعيد العسكري في ظروف الحرب القائمة بعد سيطرة الميليشيات الشيعية على جميع طرق الإمداد الواصلة للقسم المحرر من المدينة لاسيما بعد إغلاق طريق الكاستلو والسيطرة مجددا على منفذ الراموسة، وبالمقابل لا تزال فصائل الثورة ترابط في محيط المدينة من طرفيها الجنوبي والغربي الشمالي علاوة على أنها تمتلك فرصا ضاغطة على الميليشيات الشيعية عبر طريق خناصر - حلب والتحكم به والسيطرة عليه ما يسهل فرص النصر في كسر الحصار عن حلب, والتحكم بإمدادات العدو وتحركاتهم, وتهديد تماسكهم، وإرباك قادتهم ومقاتليهم والحد من خياراتهم .

    هنا، تجدر الإشارة إلى أن من بين المسائل التي ركز عليها الروس والأسد وميليشياته، وفقًا للتحول الطارئ استماتتهم في إحكام القبضة على حلب, والسعي لإخضاعها كاملة .
    في ظل هذه المعطيات، يمكن تفسير الهجمة العدوانية المشتركة على مدينة حلب حيث هوجمت بطريقة وحشية من خلال العقلية الروسية في تدمير كل شيء, مع شحن طائفي شيعي هدفه الظاهر الدفاع عن الأسد أو المراقد الشيعية, والهدف الباطن ترسيخ النفوذ الإيراني في سوريا .
    - أطراف الصراع (فصائل الثورة والميليشيات المتعددة الجنسية)

    تكشف المعارك الدائرة في حلب عن الحشد الشيعي الكبير المتعدد الجنسيات  للزج بهم في المعركة, وبالمقابل استنفار فصائل الثورة المسلحة المتواجدة في مدينة حلب وتلك المرابطة على تخومها في صورة لمعركة بدت تتوضح ملامح خططها والتكتيك المتبع فيها وسنقف على هذه الصورة بكل تفاصيلها ورصد تفاعلاتها . 
    أولا: فصائل الثورة المسلحة 
    جيش الفتح: تأسس 24 آذار عام 2015، ويضم أهم الفصائل العسكرية في الشمال السوري وهي "حركة أحرار الشام الإسلامية, جبهة فتح الشام, فيلق الشام, الحزب الإسلامي التركستاني, لواء الحق, جيش السنة, أجناد الشام". من أهم إنجازاته العسكرية تحرير مدينة إدلب ومعسكري القرميد والمسطومة, إضافة لتحرير مناطق واسعة من سهل الغاب. وفي النصف الأول من العام 2016 م تمكن من تحرير أهم المناطق الإستراتيجية في ريف حلب الجنوبي ( تلة العيس وخلصة وخان طومان). يشارك مع غرفة عمليات فتح حلب في معركة تحرير حلب .
    غرفة فتح حلب: على غرار "جيش الفتح"، أعلنت عدّة فصائل عسكرية معارضة عن تشكيل غرفة عمليات جديدة، تهدف إلى السيطرة على مدينة حلب وريفها، وطرد قوات النظام السوري منها.
    وفي تسجيلٍ مصوّر، نشر على مواقع التواصل الاجتماعي، أعلن كل من فصائل، "الجبهة الشامية"، و"أحرار الشام"، و"ثوّار الشام"، و"جيش الإسلام"، و"فيلق الشام"، و"كتائب فجر الخلافة"، وتجمّع "فاستقم كما أمرت"، عن تشكيل "غرفة عمليات فتح حلب"، داعيةً جميع الأطراف العسكرية في حلب لـ"الانضمام إليها".
    و"الهدف من تشكيل الغرفة الجديدة، هو طرد قوات النظام من مدينة حلب وريفها، على غرار ما قام به "جيش الفتح"، الذي سيطر مؤخراً على مدينتي إدلب وجسر الشغور ومعسكر القرميد"، مشيراً إلى أنّ "فصائل الغرفة ستركّز جلّ اهتمامها بدايةً، على خطوط إمداد قوات النظام والمطارات العسكرية في حلب.
    ثانيا : قوات نظام الأسد وميليشيا الشبيحة والميليشيات الشيعية والكردية

    تمثل هذه التشكيلات الطرف المواجه لفصائل المعارضة المسلحة, وهي: 
    أولاً: الميليشيات الإيرانية: ميليشيات عسكرية من المقاتلين الطائفيين زجت بهم إيران في الحرب السورية لمواجهة الشعب السوري الثائر مقابل مبالغ مالية وتجييش طائفي لقتال أهل السنة, يطلق على تشكيلاتها أسماء إيديولوجية مثل (الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني, وحركة النجباء العراقية, وكتائب أبي الفضل العباس العراقي ولواء فاطميون الأفغاني) وأهم هذه الميليشيات: 
    -  الحرس الثوري الإيراني: يتمثل في اللواء 65 الذي زجّ به  النظام الإيراني في سوريا للقتال مع مليشيات قوات التعبئة (الباسيج) للوصول إلى بلدتي كفريا والفوعة في ريف إدلب انطلاقاً من قاعدة الحرس الثوري الإيراني الأشهر جنوب حلب، وهي جبل عزان. ويُعرف أيضاً باسم "القبعات الخضر"، قتل من ضباطه وعناصره المئات في ريف حلب الجنوبي في المعارك الأخيرة، ويتبعه مباشرة لواء فاطميون الأفغاني وهو ميليشيا أفغانية شيعية تشكلت في عام 2014 لقتال الشعب السوري الثائر  .
    - حزب الله اللبناني: ميليشيا عسكرية لبنانية شيعية تأتمر بأمر بالقيادة الإيرانية متجسدة بولاية الفقيه الإيديولوجية والسياسية، استخدمته إيران كورقة ضغط على إسرائيل, جاء تدخله في سورية بأوامر إيرانية لمساعدة بشار الأسد لقمع الثورة السورية, ارتكب جرائم متعددة في كل أنحاء سورية, يتخذ من منطقة حريبل جنوب حلب مركزا لعملياته, يشارك في حصار مدينة حلب .
    - حركة النجباء العراقية: ميليشيا شيعية عراقية, انبثقت عن ميليشيا عصائب أهل الحق الشيعية, تتلقى أسلحتها وأوامر تحركها من إيران, وتتبع إيديولوجيا ولاية الفقيه الإيراني, تتخذ من بلاس في ريف حلب الجنوبي مركزا لها .
    ثانياً: قوات نظام الأسد: تتكون من بقايا الجيش المنهك على مدار سني الحرب, وتمتلك  قاعدة جمعية الزهراء العسكرية في الطرف الغربي من المدينة, وتعتبر الأكاديمية العسكرية مركزا لعملياته العسكرية بالإضافة لمطار النيرب العسكري المشترك مع الإيرانيين والروس .
    ثالثاً: ميليشيا الشبيحة: وهي جماعة مسلحة شكلها أمن نظام الأسد لقمع المتظاهرين من أصحاب السوابق الجنائية التي أفرج عنهم الأسد في بداية الثورة، يرفعون شعار "شبيحة للأبد كرمى لعيونك يا أسد", ومنهم لواء القدس الفلسطيني ومركز عملياته مخيم النيرب جنوب شرق مدينة حلب, ويتعاون مع هذه الميليشيا حزب pyd الكردي الذي يسيطر على الشيخ مقصود والسكن الشبابي وشارك في تقدم قوات الأسد في السيطرة على طريق الكاستلو .
    رابعاً: المرتزقة الروس: ميليشيا شبه عسكرية زج بهم الروس مؤخرا في معركة حلب, يتخذون من منطقة حريبل جنوب مدينة حلب مركزا لهم .
    الوضع الميداني الراهن في حلب
    بدأت العملية العسكرية التي شنتها الميليشيات الشيعية في حلب مع التدخل الروسي قبل سنة بقطع طريق عينتاب - حلب والوصول إلى بلدتي نبل والزهراء, كما شنت هجوما آخر على ريف حلب الجنوبي, وقبل شهرين قطعت طريق إمداد الثوار الواصل إلى القسم المحرر من المدينة  بالسيطرة على طريق الكاستلو بغطاء جوي روسي كثيف وتمكنت فصائل الثورة من فتح ثغرة الراموسة التي أغلقت بعد شهر على كسر الحصار, ولا يزال طريق إمداد نظام الأسد عبر طريق الراموسة مغلقا أمام طرفي الصراع . 
    ومع القصف المدفعي والجوي بدأت الميليشيات المتعددة الجنسيات تنفيذ عمليات هجوم برية ضد أهداف محددة على أطراف مدينة حلب وسيطرت على نقاط ضعيفة لا تشكل ضغطا مباشرا على المدينة المحررة كمخيم حندرات ومشفى الكندي، وهي مناطق معزولة عن الكتل السكنية, كما شنت هجوما من أكثر من منطقة داخل مدينة حلب دون تغيير في الخارطة العسكرية نتيجة المقاومة التي تبديها فصائل الثورة، ما أسفر عن مقتل عدد كبير من المهاجمين وهذا يشكل عملية استنزاف للميليشيات مكلفة ومرهقة على الأمد الطويل لمسار المعركة التي تصر روسيا على حسمها بشكل سريع وفق عقيدتها العسكرية في التدمير الشامل من خلال طيرانها وذاك التابع لنظام الأسد باستهدافها للمدنيين والمرافق الخدمية كالمشافي والمدارس والمساجد ومصادر المياه كعقوبة جماعية للمدينة الثائرة .
    - التفاعلات الدولية وتداعياتها حول حلب  
    أوقفت الولايات المتحدة محادثاتها مع روسيا بشأن ملف حلب بعد الاتفاق الذي جرى بينهما في شهر أيلول المنصرم، واعتبرت واشنطن أن روسيا قد خدعتها في الاتفاق الذي توصلا إليه بعدم حصار حلب من قبل أي طرف، وأن وعودا أعطاها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري ببقاء طريق الكاستيلو مفتوحا للمعارضة. لكن روسيا سرعان ما قامت بالإيعاز للنظام بالبدء بعملية السيطرة على الطريق وقامت بالتغطية الجوية لتقدم قوات نظام الأسد والمليشيات الشيعية, وتعتبر واشنطن أن ما سيجبر الروس على الالتزام 
    بوقف الأعمال القتالية والالتزام بالهدنة هو كسر الحصار عن حلب ولديها خيارات للتعامل مع الملف السوري, وهناك حملة دولية سياسية تدين الهجمة الروسية المتوحشة ومشاريع مختلفة لإيقاف هذه الهجمة, يمكن لفصائل الثورة استثمارها في كسر الحصار عن حلب .
    الخطط العسكرية وآفاق المواجهة 
    تجري المعارك وفق خطط ظرفية، يفرضها تدافع الأحداث السياسية والعسكرية على كل طرف، مع تصعيد الميليشيات لوتيرة المعارك واستماتة فصائل الثورة للتشبث بالأرض، وهذا ما يبرر بطء العمليات العسكرية البرية باتجاه المدينة. 
    ولعل المواجهات الدائرة تجعلنا نركز على إستراتيجية إراقة الدماء التي اعتمدها الروس والميليشيات مما أدخلهما في مواجهة مفتوحة مع السكان المدنيين يتحمل وزر دمائها الجانب الروسي إثر عمليات القصف الوحشي, كما فقدت الميليشيات الشيعية المئات من عناصرها في معارك سابقة فأصبحت منهكة, يتضح ذلك من خلال الزيارة الأخيرة لكل من قاسم سليماني قائد لواء القدس الإيراني, وأكرم الكعبي قائد ميليشيا حركة النجباء الشيعية العراقية .
    أمَّا في جانب التكتيك المتبع من فصائل الثورة المرابطة في محيط المدينة لم يتبق أمامها سوى تطوير هجومها وذلك من خلال شن هجوم ضد الخصم، مع أولوية التشبث بالأرض وتأمينها؛ فما الذي أعدته فصائل الثورة لتغيير الوضع العسكري القائم خاصة أن عدداً من الاعتبارات المهمة تدفعها للقتال باستماتة لفك الحصار عن 300  ألف مدني في القسم المحرر من المدينة؟ 
    الإجابة على السؤال، متوقفة على الإرادة السياسية التي كانت سببًا في تقدم الميليشيات الشيعية, ولعل هناك ما يدفع الفصائل الثورية خلال أيام وجيزة للإعلان عن انضوائها في إطار غرفة عمليات عسكرية واحدة, وجاءت الخطوة الأولى من حركة نور الدين زنكي كبرى فصائل الجيش الحر في الشمال السوري باندماجها في غرفة جيش الفتح .
    كما أن الخلافات الناشبة بين موسكو وواشنطن تعطي دفعا آخر لعجلة المعركة وعلى الفصائل استثمارها من خلال توظيفها لمصلحتهم .
    ومع اقتراب المعركة من نهاياتها في جانبها السياسي والعسكري, فهناك عوامل رئيسية تضغط على فصائل الثورة لحشد جميع قواها، فهناك أكثر من عشرة آلاف من عناصرها ترابط حول المدينة, وبإمكانها إعداد مئات من الانغماسيين وعشرات السيارات المفخخة لتدمير دفاعات الميليشيات وقواعده العسكرية .وذلك عبر محورين رئيسين: 
    -  محور جبل عزان, وهو أضعف نقاط الميليشيات رغم تمركز مقرات الميليشيات الشيعية في محيط الجبل الذي يبعد عن مدينة حلب 10 كم , وتحتوي على مراكز تدريب ومنصات إطلاق صواريخ, بينما قوات النخبة الشيعية تتموضع على أطراف حلب الجنوبية ولعل ضغط فصائل الثورة على هذا المحور يدفع لسحب أعداد كبيرة من الميليشيات لصد الهجوم من ناحية جبل عزان, مما يعطي فرصة لفصائل المعارضة من الداخل في الضغط على الميليشيات التي تشن هجوما يوميا على جبهة الشيخ سعيد وينقلها من حالة الدفاع إلى الهجوم .
    - تجديد العمل على محور الكليات العسكرية في منطقة الراموسة, وتوسيع نطاق الهجوم شمالا وجنوبا عبر قرية الوضيحي ومنطقة 3000 شقة, بالتزامن مع الضغط على محور الكاستيلو وحلب الجديدة لتشتيت الميليشيات التي لا تملك أعدادا كبيرة تغطي مسرح العمليات العسكرية .
    خلاصة 
    إن الحصار الخانق لحلب وآثاره النفسية والإنسانية، وضراوة القصف الجوي الروسي المتوحش, وانعدام جميع الخيارات الأخرى بالنسبة لفصائل الثورة في الداخل باستثناء القتال حتى النصر أو الموت, في الوقت الذي تملك فيه الفصائل المرابطة في محيط مدينة حلب فرص تطوير هجومها في ظل وضع دولي متشنج لا بد من استغلاله, وعجلة روسية تدفع لحسم المعركة بزج الميليشيات المنهكة التي لا تملك أعدادا كبيرة تغطي مسرح العمليات العسكرية تعطي فرصة لفصائل الثورة في تغيير موازين القوى وكسر الحصار عن مدينة حلب.

    حلبمعركة حلبالجيش الحرالميليشيات الطائفية