"الفيتو" الروسي وخيارات المجتمع الدولي في سوريا  

تقارير

الخميس 13 تشرين الأول 2016 | 9:29 مساءً بتوقيت دمشق

فيتوالمجتمع الدوليسورياروسياالولايات المتحدةمجلس الأمن الدولي

  • بلدي نيوز – (تركي مصطفى)

    تمهيد 
    تناقش هذه الورقة استخدام الروس "حق الفيتو" للمرة الخامسة منذ اندلاع الثورة السورية في تعطيل مشاريع دولية من شأنها أن توقف الحرب التي يشنها نظام الأسد والميليشيات الشيعية بغطاء جوي روسي ضد المدنيين, ومنع المجتمع الدولي في خمس مناسبات من إصدار قرارات تدين نظام الأسد, أو تتيح دخول المساعدات الإنسانية، أو إقامة مناطق عازلة.
    وتُوطِّئ لهذا النقاش باستعراض موجز لعدد المناسبات التي استخدم فيها حق الفيتو وانعكاسات ذلك على الثورة السورية واختباء نظام الأسد بكل جرائمه تحت العباءة الدولية الروسية لتغطية جرائمه, ثم سنتناول بالتحليل جوانب استخدام هذا الحق وتفاعلاته الدولية ونقف على نتائج التباين الدولي ومآلاته .
    - مدخل
     "الفيتو" لفظة لاتينية تعني حق الاعتراض على أي قرار يقدم دون إبداء أسباب، ويُمنح للأعضاء الخمسة الدائمي العضوية في مجلس الأمن، وهم روسيا والصين والمملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة.
    ولهم حق إجهاض وعدم تمرير أي قرار أو تشريع مقترح. وقد أجهضت روسيا ومعها الصين أربعة مشاريع تضع حدا للحرب التي يشنها نظام الأسد ضد المدنيين السوريين, بينما تفردت روسيا بإجهاض المشروع الخامس الذي تقدمت به فرنسا وإسبانيا من خلال "حق الاعتراض", وهو في واقع الأمر حق الإجهاض, وليس مجرد اعتراض, إذ يكفي اعتراض أي من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن ليتم رفض القرار وعدم تمريره نهائياً. حتى وإن كان مقبولاً للدول الأربع عشرة الأخرى. لكل عضو من أعضاء المجلس صوت واحد. وتتطلب القرارات المتعلقة بالمسائل الموضوعية تأييد تسعة أصوات، من بينها أصوات كافة الأعضاء الخمسة الدائمين. وهذه القاعدة هي قاعدة "إجماع الدول الكبرى"، التي  تسمى حق "الفيتو". والسبب "الرسمي" في منح هذه الحالة الاستثنائية هو أن عبء مسؤولية حفظ السلام والأمن الدوليين غالبا ما يتحمله هؤلاء الأعضاء الخمس ولذلك كان لهم الكلمة الأخيرة أو حسم التصويت.
    وعندما قدمت فرنسا مشروع إيقاف العدوان الروسي وذاك التابع لنظام الأسد وإصدار قرار يعتبر ما يجري في حلب جرائم حرب ويجبر روسيا على إيقاف عدوانها، فقد استخدمت روسيا حق الفيتو وفشل المشروع المقترح من قبل فرنسا وإسبانيا  .
    المشاريع التي أجهضها الروس باستخدام حق الفيتو
     - الفيتو الأول كان في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر عام 2011، حيث عطّل الفيتو الروسي الصيني مشروعاً دولياً بشأن فرض عقوبات على نظام الأسد، إذا ما استمر في استخدام العنف ضد الشعب السوري. حيث لجأ كل من العضوين الدائمين في مجلس الأمن روسيا والصين إلى استخدام حق النقض (الفيتو) لإفشال تبني مشروع القرار .
    وحظي القرار بتسعة أصوات مؤيدة لكن سفيري روسيا والصين أعلنا معارضة بلديهما للمشروع الذي تقدمت به فرنسا وألمانيا وبريطانيا والبرتغال والذي يدين النظام السوري بسبب قمعه حركة الاحتجاجات، فيما امتنع أربعة أعضاء عن التصويت هم جنوب إفريقيا والهند والبرازيل ولبنان.
     - الفيتو الثاني في الرابع من شباط/فبراير 2012، عندما عطل مشروع حمّل رئيس النظام السوري مسؤولية إراقة الدماء في البلاد. وقتها تذرعت روسيا والصين بمنع الولايات المتحدة المتحدة والغرب من استخدام القرارات الأممية وسيلة للتدخل العسكري في سوريا.
     - الفيتو الثالث كان في الـ19 من تموز/يوليو 2012، حيث منع صدور قرار آخر في مجلس الأمن يقضي بفرض عقوبات على نظام الأسد، وذلك لمنع الغرب من التدخل في سوريا، وفق موسكو.
     - الفيتو الرابع، أوقفت روسيا في الـ22 من أيار/مايو 2014 مشروع قرار يقضي بإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم حرب. وحينها دافعت روسيا عن موقفها بأن هذا المشروع من شأنه أن يضعف فرص الحل السلمي للأزمة السورية.
    - الفيتو الخامس, في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر الحالي، أجهضت روسيا مشروع القرار الفرنسي الإسباني، والمتعلق بوقف إطلاق النار في حلب، بعد أن صوت لصالحه 11 بلداً، فيما عارضه بلدان اثنان وامتنع مثلهما عن التصويت.
    وبخلاف الفيتو، لعبت موسكو دوراً حاسماً في حماية النظام السوري الذي ترنح في مناسبات عديدة من عمر الأزمة، إلا أنها في كل مرة وقفت تدافع عنه حتى عندما اتهم باستخدام الأسلحة الكيمياوية .
    الفيتو الروسي وهزالة المجتمع الدولي
    إن عدم صدور قرار مجلس أمن بشأن سوريا أفضل من صدور قرار هزيل بكلمات حذرة وضعيفة تفقده من مضمونه وقيمته لإرضاء الطرف الروسي. 
    فقد اعتبر المندوب البريطاني لدى مجلس الأمن أن "الفيتو" الروسي يكشف عدم قيام السلطات الروسية بمسؤولياتها, مشيرا إلى أن روسيا تعاونت مع النظام بتدمير سورية .
    كما طالب المندوب البريطاني مجلس الأمن بإنهاء "المهزلة" التي تشهدها سوريا. ومثله كانت مواقف غالبية أعضاء مجلس الأمن عدا روسيا التي دافعت عن جرائمها, والصين التي امتنعت للمرة الأولى عن التصويت, وبالتالي فإدانة الدول الغربية الفاعلة في مجلس الأمن دون اتخاذ خطوات عملية تكبح جماح الجرائم الروسية وتضع حدا لجرائم الأسد, كالمضغ بلا أسنان .
    تحييد حق الفيتو
    لا تريد الإدارة الأميركية ومعها حلفاؤها الأوربيون وضع حد للمأساة الإنسانية المستمرة في سوريا، فهناك سبل قانونية يمكن اللجوء إليها لإنقاذ الشعب السوري من مجازر نظام الأسد. يذكر الخبراء في القانون الدولي أن قرار مجلس الأمن 377 للالتفاف حول الفيتو والمعروف باسمه القانوني الرسمي "التوحد من أجل السلام" أو "التحالف من أجل السلم" Uniting for Peace  إذا تم اللجوء لهذا القرار سوف لا يكون هناك حاجة للتصويت على قرار مجلس الأمن الذي قد يتم إسقاطه باستعمال حق الفيتو. وخلفية قرار 377 يعود لعام 1950 عندما رفضت كوريا الشمالية الانسحاب من كوريا الجنوبية التي تجاهلت قرارات مجلس أمن سابقة وأثناء تلك الأزمة في حزيران عام 1950 قررت روسيا مقاطعة جلسات الأمم المتحدة احتجاجا وللتعبير عن دعمها لكوريا الشمالية. وتم تمرير قرار 377 لتحييد الفيتو الروسي المنتظر، وينص هذا الإجراء على أنه "في حالة فشل مجلس الأمن في الحفاظ على السلم الدولي يتعين على الجمعية العامة تبني القضية المطروحة واتخاذ الإجراءات اللازمة". وتم استعمال هذا الإجراء  أيضا عام 1956 لإجبار بريطانيا وفرنسا على الانسحاب من منطقة قناة السويس. في ذلك الوقت دعت الولايات المتحدة لجلسة "توحد من أجل السلام" (التحالف من أجل السلم). وتم تمرير القرار بأغلبية الأعضاء. ورغم المعارضة الروسية هناك حالات استثنائية تسمح للتدخل الدولي بدون قرار مجلس الأمن. وتدخل الناتو بقيادة أميركية في يوغوسلافيا عام 1999 رغم المعارضة الروسية، وتم إنقاذ كوسوفو من مذابح مؤكدة علي يد الصربيين. وفي العام 2003 شنت الولايات المتحدة حربا ضد العراق وقدمت نفسها كقوة احتلال دون الرجوع إلى مجلس الأمن.

    فيتو روسيا إنقاذا لنظام الأسد وتبريرا لاحتلالها   
    إن نظام الأسد مسنودا بالطيران الروسي والميليشيات الشيعية التي تقودها إيران, يمضي في مسلسل جرائمه ضد الشعب السوري الثائر, وأتاحت مساعي السلام والمشاريع التي تقدمت بها الدول الفاعلة وواجهتها روسيا بالفيتو فرصة من الوقت لنظام الأسد، لتعزيز نفوذه في السلطة, ورفد قدراته العسكرية بالمقاتلين والأسلحة والذخائر والإمدادات اللوجستية، والتوّسع في مناطق لم تكن خاضعةً له، وشهد التاريخ المعاصر وقوف ومساندة روسيا للأنظمة الديكتاتورية بموافقة دول الغرب لإبقاء الأنظمة تدور في فلك المصالح, ومنع الشعوب من تداول السلطة, ففي عام 1999 استعملت روسيا حق الفيتو في مجلس الأمن لمنع التدخل في يوغوسلافيا. وفي عام 2003 لجأت روسيا لنفس التكتيكات لإحباط قرار من مجلس الأمن يسمح بالتدخل العسكري في العراق. وفي بداية عام 2007 قامت روسيا والصين معا باستخدام حق الفيتو لصالح النظام العسكري الحاكم في بورما (مينمار) وفي تموز 2008 رفضت روسيا والصين فرض عقوبات ضد نظام روبرت موغابي في زيمبابوي. وفي مارس آذار 2011 امتنعت روسيا عن التصويت على قرار مجلس الأمن لفرض مناطق حظر جوي في ليبيا لحماية المدنيين من قوات القذافي. وفي الثورة السورية استخدمت روسيا والصين حق الفيتو ضد قرار مجلس الأمن لإدانة نظام الأسد لاستعماله العنف المفرط ضد المدنيين بما في ذلك الأسلحة الكيماوية خمس مرات متتالية. ووقفت مع نظام الأسد ومع الحل العسكري ضد الشعب السوري الثائر. ومع تدخلها العسكري المباشر في أيلول من العام الماضي شاركت في المجازر من خلال طيرانها الذي استهدف المدنيين والبنى التحتية وشجعت نظام الأسد على الاستمرار في القتل الجماعي وقصف المدن وقطع الماء والكهرباء عن السكان. وفي النهاية رفضت روسيا كل الحلول المطروحة وانحازت إلى معسكر إرهاب الدولة ضد الشعب, وأضحت قوة احتلال تفرض ما تريد على نظام بائس وسط صمت دولي لا يريد أن يفعل شيئا حيال جرائم الحرب الفاضحة .
    الصراع الدولي حول سوريا في مجلس الأمن ومآلاته
    تؤكّد شواهد الحراك السياسي لأكثر من خمس سنوات من عمر الثورة السورية أن كل رعاة السلام مع الحلول الدبلوماسية التي تقدموا بها لم يسجلوا نجاحا في هذا الإطار وأن خيار الحسم العسكري الذي تدعمه روسيا هو الفيصل لتعزيز قبضة الأسد على السلطة واسترداد ما خسره  في الأعوام الماضية واستخدام روسيا للفيتو بشكل متكرر وهزالة مواقف أعضاء مجلس الأمن دائمي العضوية في ظل مراهنات على تعديل موقف أميركا في أيامها الأخيرة لوضع حد لمأساة الشعب السوري, وهو ما لم تفعله إدارة أوباما, فالمساعي الدبلوماسية المصحوبة باحتجاجات دولية ضد التصعيد العسكري الروسي, والحراك الدبلوماسي الدولي في جنيف ولوزان, لا يتجاوز الحفاظ على ملف الصراع في سوريا مفتوحاً بانتظار الإدارة الأميركية الجديدة، وما تقرره بما يتوافق ومصالحها, لذلك تتمسك الإدارة الأميركية بما يخص سوريا بالشرعية الدولية وتدخل في مساومات مع الروس في الوقت الذي تدخلت في ليبيا عسكريا من دون الالتفات إلى الشرعية الدولية، وفعلت مثل ذلك في مناسبات متعددة, والأدهى من ذلك أن الولايات المتحدة ومعها الفريق الدولي ما زالا يعترفان بنظام الأسد كجهة شرعية، في الوقت الذي يعتبران فيه فصائل الثورة السورية "متمردين"، لذلك فإن روسيا باستخدامها الفيتو في أكثر من مناسبة ضد المشاريع المقترحة لوضع حد لمعاناة السوريين, كشفت استحالة الوصول إلى حل عبر الأمم المتحدة سواء لصالح قوى الثورة أو نظام الأسد, ويمكن تفسير التهديد الأميركي في ضرب مواقع معينة لنظام الأسد أنها تأتي خارج سياق الأمم المتحدة أو المصلحة الشعبية الثورية, إنما رسائل تحذيرية لموسكو لمنعها من مواصلة تدخلها بالانتخابات الأميركية سواء عبر تصريحات الرئيس فلاديمير بوتين أو عبر تسريبات ويكليكس حول المرشحة الديمقراطية هيلاري كلنتون. ووفق التطورات الجارية فالمصالح الدولية هي التي تتحكم في المسار السوري بصرف النظر عن الجرائم المرتكبة يوميا ضد المدنيين في سوريا, ولم يبق أمام الشعب السوري الثائر من خيار سوى مواصلة طريقه في التصدي للعدوان الروسي بوصفه قوة احتلال بعد فشل الإرادة الدولية عبر الأمم المتحدة في التوصل إلى حل استنادا للقرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة .

    فيتوالمجتمع الدوليسورياروسياالولايات المتحدةمجلس الأمن الدولي