وفاء وفيروز الغوطة.. ضحيتان لثلاثة قتلة.. الأسد والسرطان والعالم

وفاء وفيروز الغوطة.. ضحيتان لثلاثة قتلة.. الأسد والسرطان والعالم
  • الجمعة 10 تموز 2015

لم تجمعهُما رابطة الدم والأخوّة فقط، وإنما كان لهما النصيب ذاته من المرض والألم، كما حاصرهُما وطفولتهُما نظام الأسد وقواتهِ العسكرية في الغوطة الشرقية.

وفاء وفيروز أختان لأب شهيد، تقاسمتا المرض الذي ورثتهما عن والديهما، كما تقاسمتا لقمة العيش في منزلٍ، لم يكن لينجُ من وبال الحصار والجوع على مدار سنتين، أنهكت الشيخ قبل الطفل، والمعافى قبل المريض.

ولربما كانت مرارة الحياة قد تأصلت بهذا المنزل مع آلام فيروز ووفاء، فوجود شخصين يعانيان من مرض دموي مزمن في أحد منازل الغوطة المحاصرة، تزيد الهم هماً، والبؤس شقاءً.

استشهد والد الأختين مع أعمامهما بيوم واحد، نتيجة لقصف بالهاون منذ أربع سنوات، ليترك لزوجته خمسة أطفال أكبرهما وفاء وفيروز، المريضتان بـ "التلاسيميا الكبرى"، لم تكونا تشعران بقوة المرض وخطورته، إلا مع اشتداد الحصار، حيث توقفتا تدريجياً عن أخذ العلاج، الذي كانتا تتلقاه الطفلتان بشكل مجاني من أحد المراكز الطبية بدمشق.

ومع إحكام قبضة الحصار، لم تعدان قادرتان على الوصول الى دمشق، إضافة لشح الدواء، وانعدام الحال، الذي أصاب العائلة باستشهاد معيلها، مما جعل الأم أمام مسؤولية كبيرة في تأمين العلاج الباهظ الثمن، وخاصة أن مرض "التلاسيميا" مرض مزمن، وبحاجة لعلاج مدى الحياة.

ونتيجة لحقد الأسد على الغوطة، والذي حرمهما كثيراً من حقوقهما "لا نتحدث عن الطعام والشراب والكهرباء والمحروقات ... الخ"، ولكن عن حقوق المرضى كوفاء وفيروز وغيرهم ممن مُنعوا من الخروج خارج الغوطة، لتلقي علاجهم كباقي السوريين الموالين لنظامه، ومُنع العلاج من الوصول لهم، حيث تفرد الأسد بمؤسسات السوريين لتخدم مواليه، ودائرة حكمه الضيقة، ومن على شاكلتهم.

ولم يكتف بذلك، بل استهدف الكثير من قوافل المساعدات الإنسانية، التي دخلت إلى الغوطة، بعد مناشدات طويلة، ليبلغ الحقد ذروته، فمن يقتل السوريين بالجملة، وبمختلف الأسلحة، ليس بعيداً عنه أن يحرمهم من أبسط حقوقهم كالغذاء والدواء.

تقول والدة وفاء وفيروز لـ "شبكة بلدي الإعلامية": "قبل الحصار لم أكن أشعر أن لدي مريضتان في المنزل، حتى مع هذا المرض، فهو بحاجة لنوع معين من الأدوية وبحاجة لنقل الدم والاهتمام بغذاء المريض، وكل ذلك كان متوفر، لكن بوجود الحصار لم أعد قادرة على تأمين الدواء بشكل مجاني، فكليهما بحاجة لأربع إبر يومياً، ثمن كل واحدة 800 ليرة سورية، أي ما يقارب 200 ألف ليرة شهرياً كلفة علاج الأختين".

وتضيف: "ليس هناك مؤسسة طبية تتبنى علاجهم، سوى مركز وحيد فقير، يقوم بتأمين جزء من العلاج لا يكفي سوى ثلاثة أيام، لذلك اضطررت لتخفيف الجرعة الدوائية، مما أثر سلباً على الوضع الصحي لوفاء وفيروز، حتى أصيبت الصغيرة فيروز بذات عظم ونقي، وهي بحاجة لعمل جراحي بأسرع وقت، وإلا ستخسر ساقها".

شبكة "بلدي" زارت المركز الذي يتابع حالة وفاء وفيروز، وأجرت لقاءاً مع الطبيبة المعالجة لهما، والتي تدير المركز حيث قالت: "في البداية كانت فكرة تأسيس المركز لتخديم مرضى الأورام الصلبة ومرضى الدم كحالة وفاء وفيروز المصابتان بمرض التلاسيميا الكبرى، أو ما يعرف بـ (حمى البحر الأبيض المتوسط)، والتي تعد من أشد أنواع التلاسيميا، وتأتي طبيعة هذا المرض الوراثي بوجود ترسبات حديد بكميات كبيرة في الجسم ، لذلك يعطى المريض (ديسفرال) إضافة الى (هيدريا) التي تخفف من هجمات التلاسيميا، ومن ضخامة الطحال، وضخامة الكبد، أو الضخامات الحشوية".

وتتابع الطبيبة حديثها بالقول: "الجدير بالذكر أن مريض التلاسيميا الكبرى بحاجة لنقل كميات دم كبيرة بشكل دوري، وذلك لأن مرضى التلاسيميا لديهم عيب في انتاج الخضاب، وهذا ما يفسر انخفاض الخضاب بشكل كبير لديهم، فالشخص المصاب يجب أن لا ينخفض خضابه عن 8 دل/غ ، ولكن نقل الدم المتكرر يزيد من ترسب الحديد في الدم وتراكمه، الذي له آثار جانبية، ممكن أن تؤدي إلى التهاب مفاصل أو ذات عظم ونقي، كما حدث مع المريضة فيروز، لذلك توجب إجراء عمل جراحي مستعجل لها لتنضير العظم، وإلا ستصاب بصدمة إنتانية، وستخسر ساقها نتيجة لذلك ".

وأوضحت الطبيبة بالقول: "نسعى لتأمين الدواء بشكل دائم لمرضى التلاسيميا والبالغ عددهم في الغوطة 35 مريضاً، لكن ذلك يحتاج لميزانية كبيرة، الأمر المستحيل، وخاصة في ظل غياب الدعم عن المركز، وتجاهله من قبل وزارة الصحة في الحكومة المؤقتة كمركز وحيد يتبنى علاج مرضى الدم والأورام، لذلك قمنا بتأمين جزء من العلاج وبعض أصناف الأدوية مثل الـ "هيدريا " بشكل دائم ومجاني، ولكن ذلك غير كافي، إذ ممكن أن تتدهور صحة المريض، وتزيد أعباء العلاج، كأن يحتاج المريض للتدخلات الجراحية أو نقل وحدات الدم، وهو ما يشكل عبئاً كبيراً علينا كمؤسسات طبية بالكاد تتدبر أمورها في ظل الحصار ".

فيروز وفاء نموذج حي يجسد معاناة 35 مريضاً في الغوطة، حُكم عليهما أن تقيان تحت رحمة حمى المتوسط وحمى حقد الأسد، والتي لم يُكتب للسوريين الشفاء منها، لكتف المجتمع الدولي بإعطائها المسكنات الغير مجدية، تاركاً السوريين أمامها جسد تتقطع أوصاله وتزيد آلامه.