الحلول التحشيشية للأزمة السورية

الحلول التحشيشية للأزمة السورية
  • الأحد 12 تموز 2015

في عودة خاطفة إلى بدايات التنطع العربي والدولي لحل ما صار يسمى الأزمة السورية التي كانت في الأشهر الأخيرة من عام 2011م.  في تلك الفترة عندما رأيت الحلول المقترحة كتبت: كل الحلول هبل على خبل. وكتبت أن الحلول المقترحة تدل إما على أن هناك تحشيش سياسي أو أنَّ الدول التي تقدم هذه الاقتراحات لا تريد للحل أن يكون. وكتبت كذلك عن الحلول التي يقترحها من يسمون أنفسهم زوراً "أصدقاء الشعب السوري": إذا كان اصدقاء الشعب السوري يقترحون هذه الحلول فماذا يمكن أن تكون الحلول التي سيقترحها أعداء الشعب السوري...

هذه عناوين تعليقات أو مقالات خاطفة للحلول التي كانت تقترح من المجتمع الدولي والإقليمي والجامعة العربية وروسيا وإيران والشهشان وغيرها من البلدان لوضع حد لما سموه الصراع السوري، الأزمة السورية... بعد مؤامرة دنيئة خبيثة ماكرة منذ بدايات الثورة لتغييب الثورة وتظهير الصراع وتصوير الثورة على أنَّها صراع بَيْنَ معارضة ودولة.

لننتبه جيداً إن محض التعامل مع الثورة السورية على هذه الأساس أو على هذه التوصيفات الخاطئة يقتضي أن أيَّ حل سيقترح سيكون خلبيًّا وخادعاً أو مخدوعاً أو ضالاًّ أو مضللاً ولا يمكن أن يكون حلاً سليماً على الإطلاق. إِنَّهُ بناء على وهم، وما يبنى على وهم لا يمكن أن يثبت. كمن يزرع الشوك وينتظر أن يحصد العنب... بل كمن يزرع الحجارة ويريد أن تنبت أشجاراً!!!

من الطبيعي أن من يرى أن ما يحدث في سوريا هو صراع بَيْنَ أحزاب على السلطة أن تكون اقتراحاته للحل سريالية بالنسبة لحقيقة الوضع. هذا على افتراض أنَّ الرؤية مشوهة غباءً أو بلاهة وليست مقصودة تفاهة وقذارة.

دليل أنَّها تقصد التعامي عن الحقيقة وتعمد اقتراح الحلول السريالية أنَّ هذه الحلول المقترحة منذ بداية الثورة لم تقترب أبداً ولا بحال من الأحوال من لمس الجرح، ولا من حل يمكن أن يلقى أدنى قبول، أو يحمل في طياته إمكانية الصمود أو حل الأزمة كما يسمونها. منذ البدايات وحتى الآن والمقترحات بكل تغيراتها ما زالت تدور في فلك الغباء والهبل والخبل والاستعباط... تتعامل مع الشعب السوري وكأنه كومة حجارة: لا إحساس ولا روح ولا دم ولا ألم ولا قلب ولا عقل... وتسوق هبلها عليهم بطريقة استغبائية مستفزة إلى أبعد الحدود.

لا أريد العودة إلى هذه المقترحات الكثيرة على مدار السنوات الأربع الماضية، وهي على أيِّ حالٍ يعاد إنتاجها بطرائق مختلفة بَيْنَ الحين والحين. ألقي الضوء على مشهدين بارزين قديمين وأعود إلى المقترحات الحالية.

ظلت وسائل الإعلام العربية والعالمية والفيسبوكية تروج وتسوق لاقتراح تسليم فراس طلاس السلطة بدلاً من بشار الأسد أو يكون نائبة أو ما شابه ذۤلكَ... ثلاث سنوات وهم يروجون لهذا الاقتراح وكأنه هو الحلم السوري!!!

المشهد الآخر هو الترويج لماهر الأسد على أن يكون البديل لبشار الأسد على اعتبار كما يروجون يداه غير ملطختين، وهو علوي يحقق التوازن وما أدراك من مغريات في مواصفاته الفنية والتعبوية الأخرى... على أساس أن هذا الحل سينهي الصراع في سوريا ويكون ما هر الأسد هو المنقذ!!!

الاثنين 22 حزيران/ يونيو 2015م نشرت صحيفة لوريون لوجور الفرنسية تقريراً يؤكِّد حقيقة لا تحتاج إلى تأكيد وهي أنَّ أيام نظام بشار الأسد باتت معدودة ومنعدمة. أشارت الصحيفة إلى حالة اليأس التي بدأت تستولي على أنصار الأسد ورجال نظامه. ولكنها لم تشر إلى أن أمريكا وإسرائيل والغرب هو الذي يقف سداً منيعاً أمام سقوط الأسد، وفي المقابل أبدت نوعاً ما من وراء السطور المخاوف من تخلي إيران وروسيا عن بشار الأسد، بسبب الأضرار الكبيرة المادية والمعنويَّة التي لحق بنظامه، ولكنها لم تشر إلى أنَّ التورط الإيراني والروسي في دعم الأسد كان طعماً إسرائيليًّا أمريكيَّا فكانت خسائرهما مثل خسائر نظام الأسد وأكثر.

على أي حال، كل المعالجة كانت انطلاقاً من الفهم المغلوط المقصود الذي صنع وفبرك حول الثورة السورية. وتنتهي الصحيفة إلى الحقيقة الأكيدة وهي، بمعنى من المعاني، أنَّ الأسد ينظر الآن إلى أنَّ مصيره يقترب من مصير القذافي، وهو يعيش أيامه الأخيرة... لم تشر أيضاً إلى أنَّهُ يريد الرحيل والهروب حتى لا يلقى مصير القذافي ولكن أمريكا هي التي تغريه وتفرض عليه البقاء، وتطعمه بإمكانية الانتصار على الثورة...

لم تشر الصحيفة إلى حقيقة أن هذا الضغط الأمريكي على الأسد كي يصمد هو بحثاً عن البديل عن نظام الأسد. أشارت صحيفة لوريون لوجور إلى أنَّ «الولايات المتحدة لن تقبل بأن يترك مجال الوصول إلى السلطة مفتوحا أمام جبهة النصرة، أو تنظيم الدولة». وهذه هي بؤرة الغباء الأمريكي والعربي بالتحديد. هي توقعت منذ البداية وصول الإسلاميين فحاربت الثورة كي لا يصلوا إلى السلطة فجعلت الإسلاميين الطرف الأقوى في معادلة الصراع. والوجه الثاني للغباء الأمريكي هي إيمانها الوثوقي الغبي بأنها ستفرض من تريد على سوريا أو تمنع من لا تريد عن سوريا. ولذلك هي تمطمط الصراع على أمل الوصول إلى هذا الشخص البديل.

لا يوجد بديل. ولا يمكن لأمريكا أن تفرض من تريد. تستطيع أمريكا من خلال عملائها المطمطة والإطالة وتغيير قواعد اللعب والصراع... ولكن الأمر لن يستمر كذلك أبداً. ولذلك أمريكا عن طريق روسيا أو عن طريق عملائها العرب أو الفيسبوكيين تلقي بالونات الاختبار بَيْنَ الحين والحين. وتقترح الحلول الغبية المعتادة التي توحي بأنها تعيش في المريخ ولا تدري ما يدور في الأرض.

على هذا الأساس رمت الصحيفة المشروع الأمريكي في المطمطة هذا. قالت «إنَّ عامل الوقت هو وحده الكفيل بأن يجمع بَيْنَ العوامل المؤدية إلى حتمية استبدال بشار الأسد على اعتبار أنَّ حصول إيران وروسيا على حد أدنى من الضمانات بشأن من سيخلفه؛ كفيل بدفعهما للتخلي عن حليفهما الاستراتيجي».

حسناً، لنتفق على أنَّ هذا المشروع جيِّد في صورته العامة التي تبدو عليها. ولكن ما البديل؟ ومن البديل؟
تخيلوا أن أعداء سوريا التاريخيين وأبرز أعداء الثورة السورية يريدون نظام حكم يضمن لهم مصالحهم ومطالبهم!!!
أريد أن أضحك ولكن الضحك يضنيني في ظل هذه المعطيات السريالية الهستيرية. فهذا وحده كفيل بمحاربة الثورة وعدم السماح لها بالانتصار لأنه لا يمكن أن يكون نظام في سوريا يضمن هذه التناقضات التي لا تجتمع في سلة واحدة.

هنا يبرز الاقتراح الروسي الإيراني الذي تشجعه أمريكا والغرب وإسرائيل والدول العربية الماجنة والمتمثل بالحفاظ على المؤسسات القديمة ذاتها في سوريا. هكذا تكون العقدة قد انحلت والمعضلة قد فك تعضيلها. ولكن هذا حسبهم جميعاً «يتطلب (حتماً) استبدال بشار الأسد بجنرال علوي، أو بشخصية سنية بعثيَّة».

هؤلاء المسايل يخافون من أمر واحدٍ أن يعيق هذا الحل وهو الاعتراض السعودي والتركي. يعني كل دول الجن والإنس موافقة والسعودية هي التي ستعترض!!!

أمَّا الشَّعب السُّوري والثوار والثورة السورية فلا قيمة لموافقتهم. لا أعرف من أين أتوا بهذه الوثوقية الغبية!!! صحيح أنهم باتوا يتحكمون بأكثر قيادات الجيش الحر، ويحسبون أنهم من خلال هذا التحكم قادرون على فرض ما يريدون على الثورة. نقطة الغباء ذاتها التي انطلقوا منها تغييب الثورة والنظر فقط إلى أطراف يرونها هم ولا يرون غيرها.


لا أريد العودة إلى أنَّهُ لم يبق مؤسسات دولة كي تتم المحافظة عليها إلا المؤسسة الأمنية التي بسببها ثار الشعب ولا يرد تحطيم غيرها. ولكن لا يمكن إلا أن أتساءل: هل هذه هي المؤسسة التي تريدون المحافظة عليها؟

وهل فعلاً أنتم مقتنعون بأن استبدال بشار الأسد بجنرال علوي هو الذي سيحل المشكلة وتنتهي الأمور ويا دار ما دخلك شر؟

هل الأمور فعلاً بهذه السطحية والبساطة والسهولة؟

ثَمَّة حل طرح مرات قبل الانتخابات الرئاسية ويعاد طرحه الآن وهو بقاء الأسد إلى نهاية فترته الرئاسية أي ست سنوات أخرى، وبعدها تحدث انتخابات رئاسية وقد يكون الأسد أحد المرشحين. وكما يقول الأسد وأنصار الأسد وإعلام الأسد لا مساس بقدسية الرئيس ومؤسسات الأمن والجيش... ولكن يمكن أن يفوض المعارضة أو المواطنين أنفسهم أو حتى الشياطين الزرق بوزارات الإعمار والتموين والصحة والمشردين والري والزراعة والطرق والمواصلات وهيك شغلات... وسلامات ومامات.