في أغوار الطائفية والعرقية والهوية الثقافية السورية

في أغوار الطائفية والعرقية والهوية الثقافية السورية
  • الأحد 12 تموز 2015

قدّم الفيلسوف السوري (صادق جلال العظم) باختصار مقولة العلوية السياسية (السيطرة على كافة مقدرات السلطة سيما الجيش والأمن والقرار السياسي والاقتصادي والإعلامي) وخروج المظاهرات من المساجد (مكان تجمع السنة للصلاة للتعبير عن الضيم والظلم) ضد سلطة آل الأسد في بداية ثورة الشعب السوري كخير دليل على فهم عميق لأغوار هوية الثورة، في الوقت الذي أعرب غالبية كتاب ومثقفي سوريا عن ضرورة تجنب الكتابة في الطائفية والعرقية وعدم تأجيج البنى المجتمعية ضد بعضها البعض.

شخصيا، أعربت عن وجهة نظر مخالفة للكتاب السوريين واقترحت وجوب طرح الموضوع ومناقشته علميا كي نتجنب ما حصل في إيران بعد ثورة الخميني الذي تحالف مع جميع مكونات المجتمع وبعد استلامه السلطة استفرد بها وقتل رفاقه وأقصاهم وأرسى نظاما عرقيا طائفيا مقيتا مستوحى من عصور الجاهلية بأنه ولى الله ونائبه بانتظار خروج مهدي منتظر وحوّل شعبه الى قطيع من البهائم لا قيمة فكر أو بشر لديهم. 

يحضرني هنا اهتمامي الأول بالموضوع حين نشرت كتابي الاول عام 1993 حول الفروق الثقافية بين الأمم في ادارة الأعمال ، واستعصى علي تعريب مصطلح Ethnocentrisme )) إلى أن وجدته بكتاب ترجمه الأستاذ المرحوم (الياس بديوي) والترجمة الرائعة (التمحور حول وحدة حضارية) وقلت وجدتها، وكنت تأثّرت بأستاذي في جامعة ستراسبورغ الفرنسية الذي نشر بحثا مزلزلا في ثمانينات القرن الماضي حول تحكّم البرجوازية الألزاسية في قطاعي المساعدة الاجتماعية والطبابة من قبل نسائهم ليتعرفوا على مشكلات مجتمع الالزاس والسيطرة عليه، وكرّرت التجربة بدراسة في مركز الدراسات والبحوث العلمية بدمشق لمعرفة مجموعات الضغط في قيادات المركز وتوصّلت إلى نتائج أنها تتوزّع اقليميا وطائفيا قاتلا للمركز ووافق مدير المركز آنذاك على إعادة تشكيل البنى البشرية للمركز عبر تعييني مدير للاستخدام والتوظيف وتحقّق ذلك عبر عدة سنوات إلى أن رحل ورحلت وعادت الأمور أسوأ مما كانت عليه. وأكملت دراساتي في هذا الاتجاه بجامعة دمشق مركّزا على تحليل البرمجة الثقافية للشعوب التي توصّلها إلى التمحور حول ثقافاتها الفرعية (طائفة، عرق، دين، ..) وكنت أعرض على طلابي كيف أنهم يجتمعون ويتوزعون من اليوم الأول لتواجدهم بالجامعة حسب هوياتهم الثقافية الفرعية (السنة، العلويون، المسيحيون، الدروز، الدمشقيون، الحلبيون،..) لأنهم يشعرون بارتياح حين تجمعهم المشترك ويتحاشون مخاطر المختلفون عنهم عبر توحدهم معا، وكان بعض طلابي ينصحوني بالابتعاد عن هكذا موضوعات خوفا علي لكنني كنت أقول لهم ستكتشفون العكس حين أحّلل لكم الظواهر وستتفقون معي تماما في نهاية المقررات، وهذا ما حصل.

تتشكّل وتتعزز البرمجة العقلية للفرد من طفولته وأسرته ومدرسته ورفاقه والمنظمات التي ينتسب إليها وبيئات عمله ووسطه في العيش وغير ذلك وهذه حقيقة، وكرست تلك البرمجة سلطة آل الأسد عبر خلق مستوطنات سكانية دعمتها بالخفاء لتوطين كل طائفة أو دين أو عرق في تجمعات توطّد البرمجة الثقافية الطائفية وهوية الاختلاف: في دمشق مثلا (عش الورور، مساكن العرين، الديماس، المزة 86، السومرية وغيرها الكثير للعلويين، وجرمانا وصحنايا للدروز، وجديدة المعضمية والطبالة للمسيحيين،  ..) بغية خلق بنى مجتمعية تكره بعضها بعضا وتنفجر في أي لحظة وتكون سلطة آل الأسد هي المنقذ والحكم على الجميع.

قدّم التحليل النفسي حلولا رائعة لهكذا ظواهر مرضية عبر كشف خفايا العقد النفسية (ظواهر التمحور الهوياتي والقوقعة المجتمعية) وحللها ذلك العلم وأعلنها لأصحابها وحين معرفتهم بأسباب أمراضهم النفسية تم شفائهم كليا. نعم صراع الهويات (العرقية والطائفية والدينية والإقليمية و...) هو أمراض نفسية خلقتها في سوريا عصابة سلطة آل الأسد وحزب البعث قبلها لتفكيك بنى المجتمع وتخريبه وتدمير انسانية السوريين لتسهيل السيطرة عليهم، ويكفي اندلاع أي خلاف في وجهات النظر لتسهّل ظهور كل خفايا التمايز والاختلاف وتحوّلها إلى حرب كلامية في البداية وعقائدية لاحقا وحرب وجود في النهاية وهذا ما حققّته سلطة آل الأسد بتأليب طائفتها ضد الغالبية السنية وتأليب المسيحيين ضد المسلمين وتأليب الدروز ضد السنة وتأليب الأكراد ضد العرب والأرمن والشراكس ضد العرب.

و... هنا، أقول بكل صراحة، لم يؤد المثقفون السوريون دورا رياديا في هذه القضية الاشكالية لأنهم تربّوا في ظل تفكير طوائفي قاتل وعادوا في أول مواجهة مع الغير إلى ما عّبر عنه الفيلسوف العظم (مرحلة ما قبل الثقافة) ردا اعلى ادونيس في اعلان طائفيته ضد ثورة الشعب لأنه وإن عاش عقود في الغرب إلا أنه لم يستدخل إلى بنى فكره البناء المجتمعي ومكوناته للحكم والسلطة في الدولة.

وللأسف لاحظت أشخاصا من كافة مكونات المجتمع السوري عاشوا عقودا في دول غربية تحكمها الأكثرية الشعبية ووقفوا ضد سلطة الأكثرية ويروجون لدوام حكم الأقليات كونهم لم يتخلوا عن بنى تفكيرهم الأقلوي (الطائفي، العرقي، المناطقي ..). 

إنها مأساة الشعب السوري عندما يسيطر الرعاع والمجرمون ورجال المافيات وأصحاب الثقافة الطوائفية في كافة المستويات ومن شتى مكونات الشعب السوري على مصير ومستقبل سوريا، وتذكّروا أنها ثورة شعب وشباب رائد ضد سلطة طغيان وفساد وجريمة منظمة ستجتاحكم أنتم وطوائفكم وأعراقكم وأقاليمكم في المستقبل، وإن غدا لناظره قريب ...