لماذا استخدمت روسيا صواريخها بعيدة المدى في سوريا.. وما حقيقتها؟

لماذا استخدمت روسيا صواريخها بعيدة المدى في سوريا.. وما حقيقتها؟
  • الثلاثاء 15 كانون الأول 2015

بلدي نيوز - راني جابر (المحلل العسكري لموقع بلدي نيوز)
قبل عدة أسابيع ومع بداية الحملة العسكرية الجوية في روسيا، تحدثت الكثير من التسريبات والتوقعات عن احتمالية استخدام روسيا لقاذفاتها الاستراتيجية في قصف ما تعتبره مواقعاً (للإرهابيين) في سوريا، لتأتي ضربة البارحة التي حولت هذه الأخبار إلى حقيقية.
استخدمت القوات الروسية صواريخها المجنحة (الطوافة) في قصف منطقة معرة النعمان وغيرها من المناطق في إدلب وحلب، حيث نشر تسجيل لطيران أحد هذه الصواريخ على ارتفاع منخفض، وكذلك سجل سقوط صاروخ واحد على الأقل قرب معرة النعمان، ليأتي أخيراً تصريح من وزارة الدفاع الروسية، تتحدث عن استخدامها لصواريخها المجنحة من قاذفاتها لقصف مواقع في حلب وإدلب.
بوارج، غواصات، وقاذفات استراتيجية
استخدمت روسيا في ضربتها الأخيرة أكثر من نوعية صواريخ تطلق من القاذفات الاستراتيجية وليس من السفن الحربية، حيث أعلنت أنها أطلقت 38 صاروخاً من قاذفاتها التي لم يدخل معظمها أي حرب (سوى حرب أفغانستان).
أطلقت روسيا حتى الآن ضربتين صاروخيتين مستخدمة صواريخها المجنحة متعددة الأنواع، سواء من البوارج في الضربة الأولى ثم القاذفات الاستراتيجية في الضربة الثانية، في حركة لا يمكن إعطاء أي تبرير عسكري حقيقي لها.
فهذه الصواريخ عالية الكلفة والتي تعتبر تقنية "متطورة"، لا يبدو أنها فعلياً تستخدم لإحراز أي نتيجة عسكرية على الأرض، بقدر ما تهدف لتحصيل نتيجة تتجاوز الوضع الميداني.
فلا يبدو أن الضربات الروسية من قاذفاتها "الاستراتيجية" أحرزت أي أثر عسكري مهم أو مؤثر مقارنة بضرباتها الجوية المكثفة من قاذفاتها "التكتيكية" المنشورة في اللاذقية، لكنها تعتبر بمثابة ترويج لقدراتها العسكرية وترهيب للفصائل العسكرية التي قد ترفض الحل الروسي للوضع في سوريا.
وهي ذات طابع نفسي أكثر منه عسكري، خاصة أن الأثر التدميري لهذه الصواريخ لا يتجاوز التأثير المتحصل من قنابل زنة 500 كغ، التي تلقي أي طائرة روسية منشورة في سوريا 8 قنابل منها على أقل تقدير.
حيث تلقي الطائرات الروسية أحياناً 8 قنابل دفعة واحدة، ما يعني وجود حاجة لضربات ضخمة بالعشرات من هذه الصواريخ لتحصيل أثر كافي، ولم يسجل إطلاق سوى عدد محدود من هذه الصواريخ تجاه المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، لا تكافئ في أثرها ما ينتج عن يوم واحد من الغارات بقاذفات سوخوي-24 الروسية في مطار حميميم.
القاذفات الروسية الموروثة بمجملها من الاتحاد السوفيتي، لم تستطع جلب الانتصار للقوات السوفيتية في أفغانستان، ولم تعتبر أيضاً عاملاً حاسماً في أي حرب استخدمت فيها من قبل جيوش عدة دول، واسقطت عدة قاذفات منها خلال ثمانينيات القرن الماضي، (يعتقد أن إحداها اسقطت بمدفع مضاد للطائرات).
خصوصاً بسبب عدم وجود أهداف ذات قيمة عسكرية حقيقية لتستخدم هذه القاذفات والصواريخ ضدها في سوريا، فلا يوجد لدى الثوار مطارات أو قواعد عسكرية ضخمة، ولا تحصينات تستدعي ضربها بقنابل كبيرة لتستخدم هذه القاذفات ضدها.
ما يضع الضربة الروسية في خانة أخرى غير خانة الحاجة العسكرية التي تتطلب استخدام أسلحة توصف بأنها "استراتيجية" في الحرب السورية.
فروسيا وبعد أن سحبت أميركا البساط من تحت قدميها تماماً منذ حرب الخليج الثانية، وسيطرت مشاهد مقابر العتاد السوفيتية على سمعة السلاح الروسي، ترغب بإعادة الترويج لقدراتها العسكرية وأسلحتها التي ترغب ببيعها للعديد من الدول، إضافة لاستعادة صورتها كقوى عظمى قادرة على توجيه ضربات من ألاف الكيلومترات ضد العدو، وخصوصاً بعد الضربة  السابقة من بحر قزوين والضربة الحالية التي يعتقد أنها شنت من نفس المنطقة.
إضافة لمحاولة التسبب بحالة من الصدمة والخوف لدى فصائل الثوار، التي سترفض الحل المفصل بالمقاسات الروسية، حيث تعتبر هذه الضربة بمثابة تهديد أكثر من أي شيء أخر، إضافة لدعم الحالة النفسية لمؤيدي الأسد وجيشه.
ماذا تستطيع هذه القاذفات أن تفعل ؟
لم تصمم جميع هذه القاذفات للعمل في بيئة مشابهة لطبيعة العمليات في سوريا، فهي بحاجة لأهداف ضخمة وواضحة وثابتة، مثل المطارات والقواعد العسكرية وتحشدات القوات العسكرية.
حتى الآن استخدمت فقط الصواريخ الطوافة من هذه القاذفات التي فشل واحد منها على الأقل، وانفجر في حقل مفتوح، لا يمكن بأي حال اعتباره هدفاً عسكرياً (عدا عن الصواريخ التي فشلت خلال الضربة الأولى).
لكن السلاح الأساسي لقاذفات القنابل الروسية هو( القنابل) التي تستطيع حمل كمية كبيرة منها، وبأحجام تصل عدة أضعاف ما استخدم لحد الأن في سوريا (بعضها غير تقليدي).
لذلك فاستخدام هذه القاذفات في الحرب السورية لن يكون ذو معنى عسكري حقيقي، بسبب طبيعة وشكل توزع القوى على الأرض، وعدم وجود أهداف تحقق هذه الميزات لتتعرض للقصف من قبل هذه القاذفات.

كذلك لا يمكن استخدامها لتقديم دعم مباشر لقوات النظام وضرب قوات الثوار المدافعة وخطوط انتشارها، لكن قد تستخدمها القوات الروسية لضرب مناطق الثوار البعيدة عن خطوط المعارك.
فالمدن والبلدات التي يسعى النظام للسيطرة عليها بدعم روسي، ستتعرض لضربات من قبل هذه القاذفات، فوفقاً للعقلية الروسية "أينما تسقط قنابلنا فهناك إرهابيون"، لذلك يبدو أن المدن السورية ستعاني كثيراً من هذه الضربات.
فاستخدام هذه القنابل وفقاً للعقلية الروسية سينجم عنه المزيد من الدمار والموت بين المدنيين، ولكنه لن يستطيع إضافة قيمة عسكرية حقيقية للحملة الروسية في سوريا.