القوى العالمية تسعى لهدنة في سورية ... ولكن الطريق شاق

القوى العالمية تسعى لهدنة في سورية ... ولكن الطريق شاق
  • الثلاثاء 15 كانون الأول 2015

The New York Times – ترجمة بلدي نيوز

الأمم المتحدة - في الوقت الذي نفذ فيه "تنظيم الدولة الإسلامية" هجمات إرهابية في ثلاث قارات خلال ثلاثة أسابيع، تزدحم سماء سورية بالطائرات الحربية الأجنبية، ويعيش عشرات الآلاف من المدنيين في حالة فرار دائم.

وقد وعدت القوى العالمية والتي لها حصة كبيرة في الصراع الدموي المستمر منذ أربعة أعوام في سورية، وللمرة الأولى، بأنها ستضع جدولاً زمنياً بحيث تضغط على حلفائها في ساحة المعركة  لوضع أسلحتهم  وبدء المحادثات  مع بداية العام الجديد.

لكن كيف سينتقلون من الصراع إلى المحادثات وماذا يتطلب الوصول إلى هدنة ؟

يقول الدبلوماسيون، أن المسار إلى أي محادثات سياسية لوقف إطلاق النار طويل ومحفوف بالخطر وعدم اليقين، على الأقل بالنسبة للأمم المتحدة والتي يجب أن تقوم الكثير من المناورات السياسية .

فوفقاً لتعهدات طموحة قطعها قادة العالم في نهاية الأسبوع الماضي في فيينا، من المفترض على الأمم المتحدة عقد محادثات بين ممثلي الحكومة وممثلي المعارضة بحلول كانون الثاني، وأن تعطي الأذن لبعثة جديدة لمراقبة (وقف إطلاق النار)، مع أن الغموض يكتنف من سيشترك بهذه المهمة.

هذا ويبدو أن الأمم المتحدة ليست على عجلة لتسمح بإرسال بعثة، حتى يكون هناك إيقاف لإطلاق النار، ومن المقرر أن يلتقي مبعوثو الدول المتنافسة (إيران والسعودية) في منتصف كانون الثاني، ومن جهته عبر وسيط الأمم المتحدة دي مستورا عن أمله بأن يختار الطرفان اللقاء في باريس ووصف يوم الخميس "الهدنة" بأنها ليست أكيدة ولكن احتمال نجاحها أكثر من قبل".

الحصول على هدنة ولو جزئية، أمل قد تلاشى في سورية ساعات قليلة قبل تصريح دي مستورا، فقد جاءت في وقت متأخر يوم الاربعاء تقارير تفيد بأن عدة فصائل ثورية رئيسية، بما في ذلك جماعة جيش الإسلام المدعوم من المملكة العربية السعودية، تحاول التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة 15 يوماً مع الحكومة السورية في (الغوطة الشرقية) المحيطة بالعاصمة دمشق والمنقطعة عنها تماماً بسبب الصراع، والتي حوصرت وقصفت لفترة طويلة من الزمن.

الهدنة المقترحة ستفتح جميع نقاط التفتيش في الغوطة الشرقية وتسمح للمساعدات الإنسانية من الوصول إليها وللمدنيين بالخروج، ولكن ووفقاَ لعدد من الناشطين المناهضين للحكومة، بحلول يوم الخميس، لم يتوصل الطرفان لاتفاق واتهم كل منهما الآخر برفض الصفقة.

إلا أن هناك هدنات قصيرة الأجل قد تمت من قبل، وأحد الأمثلة التي طرحها ستيفان دي مستورا وسيط الأمم المتحدة على ذلك، كانت الاتفاقية التي تمت بين أحرار الشام، بدعم من قطر، والمسؤولين الإيرانيين الذين يدعمون الحكومة، والتي انطوت على تبادل الاراضي في جزأين مختلفين من البلاد وتبادل السكان، اعتماداً على كونهم سنة أو شيعة، الأمر الذي بشأنه أن يزيد الخوف من تهجير السكان قسراً بناءً على طائفتهم.

من جهته أشار دي ميستورا إلى أن أي اتفاق لإيقاف النار، يتطلب من البلاد التي تعهدت في فيينا وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وإيران، المتنافستان ورعاة الحرب "أن يجتمعا مرة أخرى في المكان نفسه".

 وكانت أحد التطورات الملموسة التي رآها الدبلوماسيين، هو اجتماع كل الدول المتورطة بالصراع على طاولة واحدة، علاوة على أن هجمات باريس قد أدت إلى تقارب متردد للمصالح بين روسيا وفرنسا، فالبلدان قليلاً ما يتفقان بالنسبة لمستقبل سورية ومع ذلك نفذا هذا الاسبوع غارات جوية ضد معقل "تنظيم الدولة الإسلامية" في الرقة.

ويبدو أن هناك بصيص من التوافق الدبلوماسي، فقد اقترحت فرنسا، يوم الخميس، مشروع قرار لمجلس الأمن يدعو دول العالم إلى "اتخاذ جميع التدابير الضرورية" لتدمير "الملاذ الآمن لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية"، وأشارت روسيا إلى موافقتها على دعم هذه الفكرة .

ومع ذلك، لا تبدو أن هناك آفاق وقف إطلاق النار أو محادثات سياسية حقيقية في أي وقت قريب. وكما قال أحد دبلوماسيي الأمم المتحدة: "هناك الكثير من الأمور التي يمكن أن تسلك الاتجاه الخطأ."

فأولاً: من سيكون مشمولاً بوقف إطلاق النار؟

فحتى الآن تم الاتفاق فقط بالنسبة لحظر "تنظيم الدولة وقريبته جبهة النصرة" من الانضمام للهدنة كونهم على قائمة الأمم المتحدة للمنظمات الارهابية المحظورة، ولكن القائمة ستزداد بالتأكيد، فروسيا استهدفت هذا الاسبوع عدة قوات ثورية أخرى، كما أن وزير خارجيتها سيرغي لافروف، قال بشكل قاطع أن "بلاده ستقضي على كل من يمارس الوعظ والفكر الإرهابي".

ومن المتوقع أن تستضيف الأردن اجتماعاً للخبراء العسكريين والمخابرات للتوصل إلى قائمة كاملة والتي قد تشمل الجماعات الإسلامية المتشددة، التي تدعمها دول الخليج العربي ومن المؤكد أن تكون هذه نقطة خلاف كبيرة.

وفي هذا السياق، قال دبلوماسيون أن السعودية تعتزم استضافة اجتماع منفصل لجماعات المعارضة السورية في منتصف كانون الأول.

ثانياً: كيف ستقوم بعثة المراقبة بوقف إطلاق النار ؟

يبدو أن أصحاب القبعات الزرقاء في الأمم المتحدة، ليسوا متحمسين للقدوم لسورية، فقد حاولوا ذلك في عام 2012 وسرعان ما تخلوا عن الفكرة، وأحد الاحتمالات هو أن الدول الإقليمية والتي لها حصة في مستقبل سورية، ستشترك في هذه الهدنة، والاحتمال الآخر هو أن الاطراف على الأرض هم من سيراقبون الهدنة بأنفسهم، وسيبلغون عن أي انتهاكات لهيئة تقرها الأمم المتحدة.

لقد أقر بيان فيينا بمحدوديته في معالجة الامور، فالجماعات الإرهابية ستبقى لعبة سياسية و"بعثة مراقبة وقف إطلاق النار"، أياً كان الشكل الذي ستتخذه، سوف تعمل فقط "في مناطق من البلاد حيث لن يتعرض المراقبين لتهديد الهجمات الإرهابية."

وماذا عن السؤال الذي اتفق الجميع على التهرب منه.. ما هو مستقبل الأسد؟

فإيران الداعم الرئيسي للأسد في ساحة المعركة، تصر على السماح له بخوض الانتخابات الرئاسية المستقبلية المتوقع إجراءها عام 2017، فيما تصر القوى الغربية على أن لا مكان للأسد في مستقبل سورية على المدى الطويل، رغم عدم إصرارهم الآن على تنحيه قبل البدء بعملية انتقال سياسية .

يقول جان ماري جينو رئيس مجموعة الأزمات الدولية التي تتخذ من بروكسل مقراً لها: "لا يمكن أن يكون هناك سلام طويل الأمد مع الأسد وفي ذات الوقت لن يكون هناك عملية سلام تنص على أن الاسد يجب أن يرحل"، ويضيف: "كيف يمكننا حل هذه المشكلة المستعصية فتنفيذها كان مستحيلاً وما زال".

في الوقت الراهن، وافقت كل من الولايات المتحدة وروسيا على ترك هذا الموضوع جانباً، ولكن لا يمكن تركه لوقت طويل، فالضربات الجوية الموجهة على "تنظيم الدولة الإسلامية" من شأنها أن تعزز موقف الرئيس الأسد عسكرياً، وبالتالي سيؤدي لتصلب مواقفه على طاولة المفاوضات - هذا ويحذر الدبلوماسيون والمحللون من ردود فعل سلبية على ذلك: "إن عقد أي صفقة مع الأسد على حساب الغالبية العظمى السنية من السوريين، سيكون نصراً استراتيجيا للدولة الإسلامية"، يضبف السيد جينو.

وفي الوقت الذي يتجادل ويتناقش قادة العالم فيه، يزداد بؤس الشعب السوري بشكل كبير، وقد تحدث رئيس جهود الإغاثة التابعة للأمم المتحدة، ستيفن أوبراين، يوم الاثنين، في هذا الشأن واصفاً مقياساً واحداً من معاناة السوريين: "بالكاد تم تحصين ثلثي الأطفال السوريين ضد أمراض الطفولة، التي يمكن الوقاية منها في عام 2015؛ مقارنة مع خمس سنوات سبقت حيث تم تحصين كل اطفال سوريا تقريباً، إن 13.5 مليون سوري بحاجة ماسة للمساعدات الإنسانية ولا يوجد التمويل الكافي لذلك".

وكما يقول الدبلوماسيون، إن معاناة السوريين حتماً بازدياد فالمعارك بين أطراف الصراع السوري تحتدم بشكل متصاعد وذلك "رغبة في تعزيز وضعهم التفاوضي".