فصائل الثورة المسلحة.. أسباب الانحسار وأدوات الانتصار

تقارير

الخميس 27 نيسان 2017 | 11:0 مساءً بتوقيت دمشق

نظام الاسدالاحتلال الروسيالثورة السوريةالجيش الحر

  • فصائل الثورة المسلحة.. أسباب الانحسار وأدوات الانتصار

    بلدي نيوز – (تركي مصطفى)

    يناقش هذا الملف مدى قدرة فصائل الثورة المبادأة في القتال بعد ست سنوات من المعارك الدائرة في سورية, بينها, وبين قوات نظام الأسد والميليشيات الطائفية في إطار الصراع الناشب.
    ونوطىء لهذا الملف باستعراض تحليلي موجز لفصائل الثورة في مقتبل السنة السابعة من الصراع في أبعاده العسكرية المتصلة بنتائج المعارك وأهدافها .
    ثم يتناول الملف بالتحليل كوابح المعارك الأخيرة التي تخوضها فصائل الثورة, خططا وتفاعلات ونتائج, كما نقف على آفاقها المحتملة اعتمادا على توجه عجلة المعارك ومحركاتها والتغييرات الملحوظة في المشهد الميداني.
    مقدمة
    دخلت سورية خط المواجهة المسلحة بين المتظاهرين السلميين من جانب, وقوات نظام الأسد و"الشبيحة" من جانب آخر, واحتدمت المواجهات وتمددت بشكل مستمر على كافة الأرض السورية.
    أمام استمرار المعارك وما رافقها من تحولات سياسية دولية وإقليمية طرأت تغيرات على نمط قتال فصائل الثورة وخططها وإمكانياتها ومواقف الأطراف في التحالفات والتكتلات, وظلت المعارك مثار جدل حول تعثر فصائل الثورة المسلحة في عمل عسكري ناجز كالذي حصل في إدلب في العام 2015م, وما شكل تحريرها من قوة دفع لعجلة الحرب وتأثيرا مهما في الجبهات الأخرى جنت ثمارها الثورة السورية.
    التقدم الميداني الملحوظ الذي أحرزته فصائل الثورة في معارك حماة ودرعا ودمشق وفي مناطق البادية يأتي في إطار استمرار العملية العسكرية بضرب نقاط الارتكاز التي تقوم عليها خطة دفاع الميليشيات الشيعية وقوات الأسد الرديفة الذي شكل اختراقها مدخلاً للتوغل إلى عمق مناطق سيطرة النظام.
    حتى الآن، لا يزال نظام الأسد والميليشيات الإيرانية وبغطاء جوي روسي يتمسكون بخيار القوة والحسم العسكري، لكن مؤهلات الحسم التي حكى عنها نظام الأسد منذ بداية محاولته إجهاض الثورة لم يتحقق, فالظروف الدولية المستجدة تتباين بشكل واضح بعد الضربة الأميركية لمطار الشعيرات والتي جاءت ردا على مجزرة خان شيخون الكيماوية, مما يشي بتحولات إقليمية يقف على رأسها عزم واشنطن على إخراج إيران من سورية, وإعطاء إسرائيل فرصة معاقبة "حزب الله" اللبناني ذراع إيران في المنطقة, هذه التطورات قد تضع المنطقة في أفقٍ جديد، وتحولاتٍ إقليمية تؤشر إلى تفكك حلف الأسد من الداخل والخارج.
    تعتبر آخر المعارك الكبرى التي حققت فصائل الثورة فيها انتصارات استراتيجية تعود للعام 2015م حيث تمت السيطرة على كامل محافظة إدلب, وفي درعا سيطر الثوار على مدينة الشيخ مسكين, واللواء 82 المشاطر لها, وبعد شهرين سيطروا على مدينة بصرى الشام, وفي ريف حلب الجنوبي استعادوا السيطرة على مناطق استراتيجية مهمة مثل خان طومان وتلة العيس, وتوقف الجيش الحر في عملية "درع الفرات" عند مدينة الباب, لتدخل فصائل الثورة في مرحلة كمون عسكري, عدا عن المبادأة بمعارك فردية تفتقر إلى القيادة المركزية, لتأتي معارك دمشق وريف حماة المتعثرة لتضعنا أمام استحقاق البحث في أسباب التراجع على جبهات القتال والتي يمكن إجمالها بالتالي:
    الخلافات الفصائلية
    ظهرت الخلافات بين فصائل الجيش الحر والفصائل الإسلامية في الشمال السوري كنتيجة للتطورات السياسية التي شهدها الحراك الدولي بعد تفاهمات (روسية -تركية) أفضت إلى مؤتمر الآستانة, الذي انتقدته فتح الشام "النصرة" سابقا في بيان صادر عنها, اعتبرته جاء برعاية "المحتل الروسي" و أرغمت الفصائل على حضوره، ووقعت على قتال "فتح الشام" التي شنت هجوما على مقرات جيش المجاهدين والجبهة الشامية وأحرار الشام, وبالمقابل وصفت فصائل الحر هذا الهجوم بالباغي والظالم والمخطط له. وشهد الصراع الفصائلي في الشمال السوري أطوارا متباينة أفضت إلى اندماج "فتح الشام" مع فصائل أخرى تحت مسمى "هيئة تحرير الشام", فيما انضوت بقايا فصائل الجيش الحر المستهدفة في حركة أحرار الشام, وفي جانب متصل شنت "هيئة تحرير الشام" حملة واسعة ضد فصيل "جند الأقصى" القريب من تنظيم "الدولة", وبعد جولات دامية انتهت بالتخلص من الجند, وشهد الجنوب السوري في مطلع العام 2015 سجالات دامية بين الفصائل بعد إعلان "لواء شهداء اليرموك" في منطقة حوض اليرموك، بيعته لتنظيم "الدولة", وبرز ما يُسمى جيش الجهاد في ريف القنيطرة وهو مبايع للتنظيم أيضًا .
    واستمرت المعركة ضد اللواء المبايع للتنظيم لسنة كاملة؛ حيث أطلق جيش فتح الجنوب العمليات ضده في شهر تموز/يوليو من عام 2015، وشارك في العمليات جيش الإسلام وجيش اليرموك وهو أكبر فصائل الجيش الحر بالمنطقة، وازدادت وتيرة الصراع الفصائلي بعد دخول "حركة المثنى" المعترك ومبايعته "لواء شهداء اليرموك", الذين يسيطرون على بلدات الشجرة وعين ذكر ونافعة وجملة والقصير وتسيل، في حين تمكنت فصائل أحرار الشام وجيش الإسلام وجيش اليرموك من إنهاء جيش الجهاد في شهر أيار/مايو من عام2015, هذا التناحر الفصائلي الدامي, ترك آثارا سلبية على المسارات العسكرية مما أتاح لنظام الأسد والميليشيات الشيعية المزيد من الوقت للتحضير لمعارك في مناطق النزاع الفصائلي.
    الخلل في خطط المواجهة وتكتيك المعركة
    تجري المعارك التي تخوضها فصائل الثورة وفق خطط تفرضها الأحداث العسكرية مناطقيا, فالتكتيك المتبع في المواجهات العسكرية يتباين بين وضعية الدفاع والهجوم وتطويره مما مهد عمليا لتحرير الفصائل لمنطقة واسعة بعد أن كسرت خطوط دفاع قوات الأسد والميليشيات الشيعية كما حدث في معارك دمشق الشرقية, وريف حماة الشمالي. لتتهاوى الجبهات فجأة كنتيجة للخطط العسكرية الفردية بغية التقدم دون حسابات تكتيكية ناجزة لإتمام العمل، ولعل معارك ريف حماة الشمالي تعكس مدى نجاح التعاون الفصائلي الذي حصل في معركتي صوران ومعردس, ونتائج الانفراد العسكري في جبهة قمحانة التي اقتربت منها "هيئة تحرير الشام" منفردة مما أدى إلى تراجعها بعد ثلاث محاولات اقتحام فاشلة لتأخذ المعركة مسارا آخر يتمثل بهجوم معاكس لقوات نظام الأسد والميليشيات الشيعية.
    وانفردت حركة أحرار الشام, وفصائل أخرى منها "فيلق الشام" و"أجناد الشام" في معركة صدى الشام على محور مدينة كرناز والبلدات المحيطة بها في الريف الشمالي الغربي من مدينة حماة, ولكن المعركة باءت بالفشل لتنتقل إلى محور آخر بين محردة والسقيلبية, ولم تنجح في التقدم, هذا التشتت الفصائلي المتمثل في تعدد الغرف العسكرية (صدى الشام, وقل اعملوا, وفي سبيل الله نمضي). ارتبط بالقرارات المفاجئة لبعض الفصائل في توقف العمليات العسكرية, كقرار فيلق الرحمن بوقف معركة محور جوبر وتراجعه عن القتال دون تنسيق مع الفصائل المقاتلة في جبهات ريف حماة أو درعا, يضاف إلى ذلك جمود الجبهات في الساحل وريف حلب الجنوبي مما أتاح لنظام الأسد والميليشيات الشيعية دعم وإسناد قواتهما المتقهقرة في ريف حماة بالعناصر وبتكثيف الضربات الجوية, حيث استدعى نظام الأسد معظم الميليشيات العاملة في الشمال والجنوب السوري إلى معركة حماة، لوقف هجوم فصائل الثورة التي شارفت على الوصول إلى المدينة ومطارها العسكري, وأبرز تلك الميليشيات "درع القلمون, وفوج الجولان" من الجنوب, وأخرى من الشمال وهي "قوات النمر" من ريف حلب الشرقي, "حركة النجباء" الشيعية العراقية من ريف حلب الجنوبي, ومن منطقة تدمر استقدم "حراس الفجر ونسور الزوبعة", علاوة على مشاركة ميليشيا "الحرس الثوري" الإيراني المتواجد في اللواء 47 في ريف حماة الجنوبي, وميليشيا "حزب الله" اللبناني المتواجدة في مطار حماة العسكري.
    ويأتي على رأس الانكسار الفصائلي ضعف التنسيق بين غرف العمليات المركزية والفصائل والسرايا المتواجدة على الجبهات نتيجة توزعها العشوائي مما يضطرها للتنسيق البيني مع الفصائل المشاطرة لها جغرافيا, وهذا يدخل في إضعاف العمل العسكري وتشتت التكتيك المتبع إضافة إلى عدم مشاركة فصائل كبرى في المعارك الناشبة كجيش الإسلام الذي لم يشارك في معركة دمشق, كما لم تتحرك جبهات أخرى مؤثرة مثل جبهة الساحل وريف حلب الجنوبي, وعدم الاستفادة من تجارب ميدانية سابقة والوقوع في ذات الأخطاء التكتيكية أدى إلى التراجع الميداني, كالتوغل في رأس المثلث القاتل بين قمحانة وآرزة, أي خط نهر العاصي وهو ذات الخطأ الذي تكرر بذات المنطقة في معارك سابقة لعدم توسيع خطوط المواجهة في قرى الريف الشرقي (كوكب, معان, الكبارية, كراح) وغيرها ما أتاح للطيران الحربي الروسي استهداف مثلث ضيق بالقنابل العنقودية والنابالم والفوسفور الحارق, حيث لا يمكن للمقاتل أن يستمر في البقاء في ظل إمكانيات محدودة من التجهيز الهندسي ومن التحصين لذا اضطر المقاتلون للانسحاب.
     تصاعد القصف الروسي واستخدام الغازات المحرمة
    اعتمدت قوات الأسد والميليشيات الشيعية في هجومها المعاكس على تكثيف الغارات الجوية الروسية مستهدفة خط النار الملتهب بأحدث الصواريخ والقنابل الفراغية والفوسفورية, بينما قام الطيران التابع للأسد باستخدام الغازات السامة المحرمة دوليا.
    تركز القصف بالمواد السامة على ريف حماة في الفترة الممتدة من 25  آذار, وحتى  4 نيسان الجاري وخصوصًا على مدينتي اللطامنة وكفرزيتا والمناطق المحيطة بهما، وتسبب استخدام المواد السامة بحالات اختناق كثيرة بين المدنيين والعسكريين, وازدياد موجات النزوح إثر انتهاج سياسية الأرض المحروقة، لإيقاف تقدم فصائل المعارضة، حيث تعرضت منطقة الزوار وبلدة كفرزيتا للقصف بصواريخ تحمل غاز الكلور، في حين تعرضت مدينة اللطامنة لقصف بمادة الفوسفور العضوي, التي قضى فيها الطبيب الجراح علي الدرويش, حين استهدف مشفى اللطامنة الجراحي إضافة إلى إصابة الكادر الطبي في مشفى كفرزيتا واللطامنة خلال الهجمات بالأسلحة الكيميائية. وكانت أعنف الهجمات بالسلاح الكيماوي تلك المجزرة التي تعرضت لها مدينة خان شيخون في الرابع من شهر نيسان, وعجز مجلس الأمن عن إقرار مشروع لمعاقبة نظام الأسد على استخدامه الأسلحة الكيماوية في سوريا، بسبب استخدام روسيا لحق النقض.

    -آفاق المواجهة عسكريا
    ستكشف الأيام المقبلة، مدى قدرة فصائل الثورة على المبادرة في شن معارك كبيرة في مختلف الجبهات, فالمعارك الكبيرة تحتاج إلى مراجعة نقدية وقرارات على مستوى الحدث, ففصائل الثورة على مدار العامين الماضيين، لم تقدم نجاحات ميدانية واسعة, إذ لا تزال المعارك ضمن المناطق المحررة مع تراجع جغرافي ملحوظ راكمه طابع النفعية الخاصة، والولاء الضيق للقادة أو الفصيل أو الجغرافيا المكانية, خصوصاً بعد ابتلاع بعض الفصائل لبعضها, وتشتيت عناصرها. والعبث في إدارة المناطق المحررة دون الالتفات إلى حاضنة الثورة التي تعتبر أحد أقوى عوامل ثبات المواجهة والنصر. وعدم إدراج الخطط العسكرية, تهديد طرق الإمداد وخاصة طريق خناصر الشريان الوحيد لنظام الأسد والميليشيات الشيعية الرابط بين شمال وجنوب سورية, فالسيطرة عليه تعطي فصائل الثورة ميزة استراتيجية للمعارك المحتملة إن حاولوا التمدد باتجاه حماة والتي وصلوا إلى تخومها في المعركة الجارية,أو فيما لو فتحوا جبهة مماثلة عبر مدينة درعا، أو أي منطقة محررة, وأهملت فصائل الثورة تحييد بعض المطارات والقواعد العسكرية مثل مطار حماة العسكري وقاعدة جبل زين العابدين ومحردة وجورين, أو مطار الضمير ضمن منطقة عمل جيش الإسلام وبعض الفصائل الأخرى على الرغم من حجم وتسليح وموقع فصائل الثورة حيث ترابط في إطار منطقة عسكرية تمتد من بيانون شمالي حلب حتى ريفي حماة واللاذقية بالإضافة إلى مناطق الجنوب السوري, وتضم عشرات الآلاف من المقاتلين المدربين على خوض المعارك, وهم بحاجة لقيادة مركزية تنبثق عنها غرفة عمليات واحدة تقود العمل العسكري, فعندما فتحت جبهتا دمشق وريف حماة في وقت متزامن أربكت قوات الأسد والميليشيات الشيعية وشتتت القوى الجوية, وتمكنت من تحقيق تقدم لا بأس به, ولو استمر الضغط دون الالتفات للناحية السياسية لتغيرت موازين القوى, ولكن القرارات الموجهة من الدول الإقليمية الداعمة أوقفت الأعمال العسكرية.
    وفي ظل التطورات الميدانية الجارية, فإن فصائل الثورة المسلحة مطالبة بشن هجوم يومي على قواعد نظام الأسد العسكرية والميليشيات الشيعية على كافة الجبهات المشتعلة, والتشبث بالأرض التي حررتها وتأمينها وتحصينها, خاصة أن عددا من الاعتبارات المهمة تدفع الطرف الآخر للقتال باستماتة في محاولة استعادة ما خسره, وفي خطوة في الاتجاه الصحيح شكلت غرفة عمليات موحدة لقيادة العمليات القتالية في ريف حماة الشمالي لوضع خطط آنية لمواجهة محاولات تقدم الميليشيات الشيعية وقوات الأسد, والقيام بعمليات هجومية لدفعها إلى الوراء كالهجوم على محور المصاصنة.
    وبالخلاصة فإن القدرة على إطلاق معارك عسكرية كبرى يتوقف على التفاهم البيني لفصائل الثورة المسلحة التي يفترض بها نقل المعارك إلى مناطق الخزان البشري الطائفي الداعم للأسد والذي أسهم في تدمير المدن والبلدات السورية, وامتلاك الإرادة السياسية التي عليها التخلص من ارتهانها الخارجي وحساباتها الضيقة, وبذلك تكون المواجهات العسكرية المحتملة ناجزة وستتحرك عجلة النصر, وإن ظلت الأوضاع قائمة كما هي, فإننا أمام كوارث ميدانية ربما يوقفها حل سياسي, لكنه قطعا لا يرقى إلى طموحات أهداف الثورة التي انطلقت لأجلها .

    نظام الاسدالاحتلال الروسيالثورة السوريةالجيش الحر