كيف سترد روسيا على إسقاط طائرتها ؟

كيف سترد روسيا على إسقاط طائرتها ؟
  • الثلاثاء 15 كانون الأول 2015

بلدي نيوز - راني جابر (المحلل العسكري لموقع بلدي نيوز)

البيان الروسي المقتضب حول إسقاط الطائرة القاذفة الروسية، اليوم الثلاثاء، لم يحمل الكثير وأظهر مستوى التخبط الذي واجهته القيادة الروسية، وربما عدم استعدادها لمثل هذه الأخبار.

فالبيان الصادر لم يُحمّل تركيا التي اعترفت بإسقاطها الطائرة أي مسؤولية صراحة، وتحدث عن إسقاط الطائرة بنيران أرضية.

حال التخبط الروسية لا تخفي محاولة روسيا بشكل أو بآخر امتصاص نتائج هذه الحادثة، وهذا واضح جداً في لهجة البيان وخلوه من أي تحميل لتركيا لمسؤولية الحادثة.

ليأتي تصريح بوتين والذي لم يحمل الكثير، سوى قوله أن العلاقات التركية الروسية ستتأثر جداً بحادثة الاسقاط ووصفها "بالجريمة" والطعنة في الظهر.

قائلاً أن تركيا أسقطت الطائرة الروسية بصاروخ "جو – جو" على ارتفاع ستة كيلومترات، ما ينفي تصريح القيادة الروسية السابق، والذي يتحدث عن إسقاط الطائرة بنيران أرضية، متهماً تركيا بدعمها واستفادتها من "الإرهاب" ومحاولتها استخدام الناتو لخدمته.

فعلى الرغم من انكار روسيا لاختراق المجال الجوي التركي، لكن الجيش التركي أثبت أن الطائرة الروسية اخترقت المجال الجوي، عبر نشره لخط طيران الطائرة والذي يظهر بوضوح فيه اختراقها للمجال الجوي التركي.

بموجب اتفاق أضنة، ليس من الضروري أن تدخل الطائرات الروسية لداخل الأراضي التركية، بل يكفي أن تصل إلى مسافة خمسة كيلومترات من الحدود التركية السورية، لتصبح هدفاً للطائرات التركية بناء على الاتفاقية.

حيث لم تسقط الطائرات التركية الطائرة الروسية فوراً، بل تلقت عدة تحذيرات قبل أن تطلق عليها النار.

مشهد مكرر

مشهد إسقاط الطائرة الروسية لا يختلف كثيراً عن إسقاط طائرة للنظام قبل عامين، ولا يكاد يختلف كثيراً عنه، ربما حتى بالسلاح المستخدم لأسقاط الطائرة.

فالقاذفة لم تتمزق في الهواء، بل سقطت كتلة واحدة ما يعني أنها قد أصيبت بصاروخ صغير نسبياً، فقد استخدمت الطائرات التركية سابقاً صاروخ "سايدوايندر" لإسقاط طائرة للنظام، سقطت بطريقة مشابهة جداً.

رسائل متعددة

يحمل إسقاط الطائرة الروسية من قبل تركيا عدة رسائل، أولها لحلف الناتو الذي سحب معظم وحدات الباتريوت التي نشرها قبلاً في جنوبي تركيا، والتي سُحبت قبيل نشر الطائرات الروسية في سوريا.

والثانية رسالة لروسيا أن طائراتها لا تستطيع أن تحتكر الأجواء، كما فعلت في العراق ولبنان، وليست عصية على الإسقاط إذا تجاوزت الحدود المرسومة لها.

وأن القوى الجوية والدفاع الجوي التركي جاهزان، ولن تعتمد على حلف الناتو كثيراً، فهي دولة ذات سيادة وقادرة على اتخاذ قراراتها بناء على مصالحها وأمنها.

يبدو كذلك أن الحكومة التركية تحاول إرسال رسالة قوية للداخل التركي، الذي أعطى لحزب العدالة والتنمية الحاكم الثقة مرة أخرى لتكوين حكومة، أن تركيا هي فعلاً قوة كبرى في المنطقة وأنها لن تتخلى عن من تعتبرهم من شعبها وتربطها بهم وشائج الدم والقربى.

 فالطائرة الروسية كانت تحلق وتقصف مناطق جبل التركمان وجبل الأكراد، اللذين يتواجد فيها نسبة كبيرة من التركمان، الذين احتجت تركياً مسبقاً على قصف مناطقهم المدنية من قبل الطائرات الروسية.

صدمة كبيرة

عادة ما تحلق الطائرات القاذفة الروسية مرفقة بطائرات مقاتلة مسلحة بصواريخ "جو – جو" لحماية هذه الطائرات من المقاتلات التركية، لكن يبدو أن المقاتلات الروسية لم تتدخل لأسباب غير معروفة، قد تكون بعدها أو عدم وجود الأوامر أو كونها مشغولة بعمليات قصف أرضي.

إضافة لوجود الطائرات التركية ضمن مدى الصواريخ المضادة للطائرات بعيدة المدى، التي نشرتها روسيا في مطار حميميم والتي لم تستخدم أيضاً، ما يؤكد فعلياً غياب الأوامر حيال مثل هذه الحوادث، وأن الاشتباك ضد الطائرات التركية غير وارد ضمن خططها، ما جعل إسقاط الطائرة بمثابة صدمة كبيرة للقوات الروسية في سوريا.

كيف سترد روسيا؟

تلقت القوى الجوية الروسية خلال العقود الماضية كماً كبيراً من الخسائر، بداية بأفغانستان التي خسرت فيه قرابة خمسمائة طائرة وخسائر الحرب الشيشانية.

إضافة لما خسرته خلال حرب أوكرانيا، عدا عن أكثر من عشرين طائرة خسرتها خلال حرب جورجيا 2008، ومع ذلك لم تتجاوز الحدود المعتادة للتصرف في مثل هذه الحوادث.

فعلى الرغم من التحذير الصريح لرئيس الوزراء التركي، الذي هدد بتطبيق قواعد الاشتباك ضد الطائرات التي تخترق مجالها الجوي، لكن حالة الصدمة الكبيرة التي تظهر واضحة في جميع ما رشح من ردود روسية رسمية تشير إلى عدم توقع مثل هذا التصرف.

و(في حال قررت الرد)، فهي تمتلك عدة وسائل قد يكون آخرها العمل العسكري، لعدة أسباب لا يستثنى منها اعتبار تركيا أحد الأعضاء البارزين في حلف الناتو، (الذي يسقط للمرة الأولى في تاريخه طائرة روسية)، عدا عن الأسباب الاقتصادية.

فوجود قاعدة روسية في سوريا واحتوائها قوة عسكرية يعتد بها، لكنها فعلياً تحت رحمة القوات التركية، يعقد الوضع العسكري ويجعل الرد العسكري بعيداً جداً.

فروسيا لن تحاول الدخول في مغامرة ضد تركيا، لأنها تعرف أنها ستعزل بشكل كبير عن العالم الخارجي في حال أغلقت تركيا في وجهها مضيقي البوسوفور والدردنيل، وسيحبس قسم كبير من أسطولها في البحر الأسود، وما السماح لأحدى قطع البحرية الروسية للمرور من المضيقين اليوم، بعد إسقاط الطائرة إلا إشارة لقدرة تركيا على مضايقة روسيا بحرياً لحد كبير، ورسالة أنها تمر بإذن تركيا.

توجد عدة احتمالات لرد (عسكري محدود) تتمثل بإسقاط طائرة تركية، وبخاصة في المنطقة التي أسقطت فيها طائرة تركية سابقاً من قبل الدفاعات الجوية التابعة لنظام الأسد، وهو أيضا احتمال ضعيف لكنه مطروح بناء على فكرة التعويض والعين بالعين.

لكن العمل ذو الصفة العسكرية الأكثر احتمالاً هو دعم موسكو للجماعات الانفصالية الكردية التي تعمل ضد تركيا، وبخاصة المنتشرة في شمالي العراق وشمالي سوريا كحزب العمال الكردستاني PKK وأفرعه المنتشرة في سوريا والعراق.

إضافة لدفع نظام الأسد للتسبب بأحداث وتفجيرات في المناطق الحدودية في تركيا بغية زعزعة الوضع الداخلي التركي.

لكن مجمل الظروف الدولية والداخلية في روسيا وتورطها في أوكرانيا وسوريا، وقدرة تركيا على فتح أبواب الجحيم على القوات الروسية في سوريا بعدة طرق،  يدفع للشك بنية روسيا بالرد بشكل حقيقي على اللطمة التركية.