سوريا خالية من الأسلحة الكيماوية... أعياداً سعيدة !

سوريا خالية من الأسلحة الكيماوية... أعياداً سعيدة !
  • الثلاثاء 15 كانون الأول 2015

Foreign Policy - ترجمة بلدي نيوز

فيما يلقي الأسد غاز الكلور من المروحيات، ما تزال واشنطن تصحو من سكرة عيد الشكر، فليس سراً أن إدارة باراك أوباما لا تملك الكثير من الجهود لتظهرها في سورية، فالشيء الوحيد الجيد الذي فعلته هذه الإدارة، هي أنها جعلت الأسد يتخلى عن الأسلحة الكيماوية، بعد المسرحية الكوميدية التي قام بها أوباما، ليتجنب فرض وتطبيق تهديداته عن (تجاوز الخط الأحمر) .

وحول ذلك، وفيما يفكر الأمريكيون باستخدام صلصة التوت بدلاً عن "غاز الخردل" أثناء أعياد الميلاد، صدر الأسبوع الماضي تقرير جديد من شأنه أن يحول بهجة الاعياد إلى قتامة.

ففي وقت سابق من هذا العام، وبعد سلسلة من المزاعم بشأن استمرار استخدام الأسلحة الكيميائية في "الحرب الأهلية السورية"، أوفدت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بعثة لتقصي الحقائق إلى سوريا، ووجد التقرير حقائق لم يسمع  الكثير عنها، تجعلني ارغب بالاحتفال بالعيد!، يقول فيه رافائيل فولي من منظمة حظر الأسلحة الكيماوية: "الحقيقة المحزنة هي أن استخدام الأسلحة الكيميائية أصبح روتينياً في الحرب السورية".

ما وجده التقرير أن اثنين من المزاعم عن استخدام الأسلحة الكيماوية  في سورية كانت حقيقية، وفي حادثتين مختلفتين عن بعضهما البعض، وهو ما يوضح كيف أن استخدام الأسلحة الكيميائية في "النزاع السوري" قد تطور، بدءاً من استخدامها من قبل بشار الأسد في الغوطة الشرقية في آب 2013 .

ولكن هذا لا يعني أن إزالة  1300 طن من المواد الكيميائية المستخدمة لصنع غاز السارين وغاز الخردل كانت من دون طائل، لكنها تؤكد بأبشع الطرق الممكنة على مدى محدودية الإنجازات الدبلوماسية عندما يستمر الصراع بالاستمرار.

الحادثة الأولى وقعت قرب بلدة "مارع" السورية، وقد سبق ذكر تفاصيل فظيعة عن الهجوم في صحيفة نيويورك تايمز من قبل "جي سي تشيفرز"، والذي قدم الكثير الكثير للإبلاغ عن قضايا الأسلحة الكيميائية في العراق وسوريا، فالقذيفة التي أطلقت على منزل وقتلت ثلاثة أفراد من العائلة ورضيع، كانت محملة بغاز خردل الكبريت وعلى ما يبدو أنها أطلقت من قبل مسلحي "الدولة الإسلامية".

ولكن كيف حصل مقاتلو التنظيم على غاز الخردل؟ هناك عدد من الاحتمالات أبسطها هو من الاستيلاء عليها من الحكومة السورية، فبعد كل شيء، لا يمكن أن يعتقد أحد أن الأسد تخلى عن كل مخزونه من الأسلحة الكيماوية، حتى لو كان ذلك ما طلب منه.

وهو ليس بالمفاجأة، فمازال بجعبة الأسد الكثير من الأمور السيئة المخبأة لوقت الحاجة، فالرئيس الليبي معمر القذافي كان قد انضم إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وذلك كجزء من النصر الدبلوماسي الأكبر نعم والوحيد لإدارة جورج دبليو بوش.

ولكن بعد سقوط القذافي، أبلغ الثوار المنظمة أن نظامه ما زال يملك 9.5 طن من خردل الكبريت الغير معلن عنه، على الرغم من وعود العقيد العديدة لرفاقه المحافظين الجدد، ولكن مهلاً، ما أهمية 10 أطنان من غاز الخردل بين الأصدقاء _ فهي ليست بشيء يذكر!

وهناك أدلة كما تتوقعون على أن النظام السوري قد حافظ على بعض عناصر برنامجه الكيماوي، ولم تكن سورية المصدر الوحيد له، فبعض الخبراء كانوا يعتقدون بأن مخزونات الأسلحة الكيميائية قبل عام 1991 في العراق قديمة جداً لتكون فعالة، لكننا تعلمنا منذ ذلك الوقت أن لا نقلل من أهمية مواد أخرى صنعت في العراق، كما أن من الممكن أن تكون مصدر هذه الأسلحة الكيماوية من ليبيا، وهذا الخبر يعطينا شعوراً احتفالياً أكبر!

الحادثة الثانية في تقرير المنظمة، هي في الواقع سلسلة من الهجمات التي شنتها الحكومة السورية على مدى الأشهر الماضية، فبعد أن فقد مخزونه من غاز السارين والخردل، لجأ النظام السوري إلى ملء البراميل بغاز الكلور، وخلق الأسلحة الكيميائية المرتجلة التي يمكن إسقاطها من طائرة هليكوبتر.

وقامت بعثة تقصي الحقائق  بتوثيق ما يسمى هجمات "البراميل المتفجرة" على محافظة إدلب في الفترة ما بين نيسان وأيار 2015، كما وثقت أيضاً العديد من الاستخدامات الأخرى لهذه البراميل منذ مطلع 2014.

الخبر الجيد، هو أن النظام السوري لم يعد لديه الحق للوصول إلى مخزونات كبيرة من غاز السارين الأكثر فتكاً وبالتالي لن تقع في أيدي "الدولة الإسلامية"، ولكن الخبر السيء هو أن انضمام سورية إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ما هو سوى البداية نحو التعامل مع مشكلة الأسلحة الكيميائية في "الحرب الأهلية السورية".

وإن كانت الحكومة السورية ترتجل أم لا فهي لا زالت تستخدم الأسلحة الكيميائية المحظورة على الرغم من فعاليتها القليلة، وأياً كانت الكارثة المراد تفاديها بانضمام سورية إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في اتفاق بعد الغوطة، فلا يزال هناك أزمة  جارية في سورية.

ورغم أن إزالة معظم مخزونات الأسلحة الكيميائية كان أمراً جيداً، ولكنه بعيد كل البعد عن أن يكون كافياً، فأحد الأمور الأساسية هي أن الولايات المتحدة وشركائها لم يفعلوا شيئاً واحداً لردع الأسد بعد تخطيه الصارخ والفاضح "للخط الأحمر"، وبذلك جعلنا الأسد يتخلى عن الأشياء السيئة ولم نحاسب الوحدات العسكرية التي قامت بهذه الفظائع، الدرس المستقى من ذلك، هو الاكتفاء باستخدام الأسلحة الكيماوية بشكل معتدل، فيما يشيح أوباما نظره عن الأمر وكأن لا شيء يحدث.

وإن لم يكن الرئيس الأمريكي باراك أوباما مستعداً لبذل المزيد من الجهد لصالح المعارضة في سورية، فعلى الأقل يجب أن يقدم حجة أخلاقية على تردده، فهو ليس مستعداً لتنحية الأسد ولكن على الأقل يجب أن يعرف كل قائد في "الجيش السوري" أنه ستتم مساءلته لاستخدام الأسلحة الكيميائية.

وأنا أدرك، بالطبع، أن استهداف الوحدات العسكرية المسؤولة عن استخدام الأسلحة الكيميائية هو في أحسن الأحوال، هو فقط نصف إجراء، فالنظام سيجد طرقاً أخرى ربما أقل كفاءة لقتل أعداد كبيرة من الناس.

الحل الحقيقي لإيقاف استخدام الأسلحة الكيماوية في "الحرب السورية"، هو بوقف الحرب ولكن يبدو ذلك من غير المحتمل، فالأسد لن يهرب إلى منفى، ولن يستطيع الفوز، وروسيا لن تسمح له بالسقوط، كما يبدو أن إدارة أوباما غير راغبة أو غير قادرة على فعل شيء.

وهكذا تستمر الحرب الطاحنة، مع جماعات معارضة معلقة بين الأسد و"الدولة الإسلامية"، وكلاهما سعداء لاستخدام كل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الأسلحة الكيميائية لإدماء بعضهم البعض، ولا عجب أن ملايين السوريين  فروا من منازلهم.

وكثيرا ما أسمع الناس يتساءلون ما هي الفائدة من حظر الأسلحة الكيميائية، عندما تحدث الكثير من الفظائع في سورية فهي شيء عشوائي أمام طرق القتل الأخرى التي يرتكبها نظام الأسد والآن "الدولة الإسلامية".

ربما قد تحدث أمور جيدة الآن، بعد اعتراف الحكومة الامريكية بالاستخدام المستمر للأسلحة المحظورة، خصوصاً بعد أن حذر الرئيس الأمريكي سابقاً من العواقب إن استمر الأسد باستخدامها، ولكن بعد مرور سنتين على ذلك التهديد، الآن مسؤول امريكي يصف استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا بأنها روتينية ولا يؤخر ذلك أبداً من بهجة الأعياد أو من العفو عن الديك الرومي في عيد الشكر.