إيران وروسيا: شراكة غير سهلة وتاريخ مرير

إيران وروسيا: شراكة غير سهلة وتاريخ مرير
  • الثلاثاء 15 كانون الأول 2015

Middle East Eye – ترجمة بلدي نيوز
أثارت زيارة الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" إلى طهران الأسبوع الماضي، والاجتماع الفوري مع الزعيم الإيراني "آية الله علي خامنئي" موجةً من التحليلات حول توسع العلاقات بين طهران وموسكو.
وقد تم وصف اجتماع بوتين مع الخامنئي _ بأنه (كسرٌ للقواعد الدبلوماسية والبروتوكول)، فقد كان من المفترض أن يجتمع بوتين أولاً مع الرئيس الايراني "حسن روحاني"، وبالتالي ذلك يحمل الكثير من الرمزية ، مثيراً تكهنات عن بداية حقيقية لعلاقات إيرانية روسية "استراتيجية".
وإذا وضعناً جانباً التعريف الدقيق لـ"الاستراتيجية"، فزيارة بوتين من غير المرجح أن تبشر بمسار يؤدي إلى تعزيز نوعي للعلاقات الروسية الإيرانية، لأن هناك مجموعة متنوعة من العوامل الأساسية والاستراتيجية والتكتيكية التي تعمل ضد طهران ولكنها إلى حد كبير لصالح موسكو، ورغم هذا يتمتع البلدين بعلاقات قوية لما يخص مجموعة واسعة من القضايا الإقليمية والدولية.
ولكن من الناحية التاريخية، لم تكن إيران وروسيا حليفين طبيعيين يوماً، فالحرب الروسية الفارسية في القرنين الـ18 والـ 19 بلغت ذروتها في المعاهدة المذلة (تركمان جاي)، بعد هزائم مُنِيَت بها إيران أمام روسيا عام 1826، أجبرت على إثرها على التنازل عن أجزاء كبيرة من القوقاز وتركمانستان إلى الإمبراطورية الروسية ـ وكان لذلك تأثير دائم على الوعي القومي الإيراني.
في القرن العشرين، كان الغزو الأنجلو سوفييتي لإيران في عام 1941 (على الرغم من الحياد الإيراني في الحرب العالمية الثانية) ومحاولة الاتحاد السوفييتي وقتها ضم أذربيجان الإيرانية، تذكيرٌ جديد لرغبات الروس بتفكيك الأمة الإيرانية.
وفي العقود اللاحقة، وُجه التدخل السوفييتي في الشؤون الإيرانية، من خلال حزب إيراني موالي لموسكو وهو حزب (توده الشيوعي)، وقد أدى ذلك إلى رعاية اميركية قوية للملك "الشاه محمد رضا بهلوي".
ورغم اعتماده على واشنطن، قام الشاه بهلوي في السنوات الأخيرة من حكمه بالعمل على خلق مزيد من التوازن في سياسته الخارجية_ من خلال تبني علاقات سياسية واقتصادية مع الاتحاد السوفييتي السابق، وفي أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979، شرع النظام الجديد في طهران إلى نبذ السياسة الخارجية الجديدة بشكل جذري من خلال رفض كل القوى العظمى، كما يقول شعار الثورة الشعبية  "لا الشرق ولا الغرب".
ولكن في الواقع، حافظت الجمهورية الإسلامية على علاقات هامشية مع الاتحاد السوفييتي السابق (على الرغم من الدعم السوفييتي القوي للعراق في السنوات الأولى من الحرب بين إيران والعراق)، ولكنها في الوقت نفسه قضت بشكل حاسم على النفوذ السوفييتي في السياسة الإيرانية من خلال تدمير حزب "توده" الشيوعي.
وكانت العلاقة المحدودة مع الاتحاد السوفييتي السابق، تتم في ضوء قطيعة ثورية كاملة مع  الولايات المتحدة، وشكل هذا التطور الغريب أساس السياسة الخارجية بعد الثورة تجاه الاتحاد السوفييتي ومن ثم  تجاه الاتحاد الروسي بعد انهيار السابق عام 1991.
وأصبحت العلاقات على أسس أكثر صلابة في نهاية الحرب بين إيران والعراق في عام 1988، وبعد توقيع صفقات الأسلحة الهامة في العام التالي، وأعقب ذلك التوسع المطرد للعلاقات في تسعينيات القرن بين البلدين، إلى تحركات واشنطن المتعددة الطبقات لعزل إيران على المستويين الإقليمي والدولي وتوفير الزخم اللازم لهذا المسار.
باختصار موقف إيران من روسيا يضم تاريخاً صعب نسيانه بين القوتين، ولكن في نفس الوقت يحافظ البلدين على تحسين العلاقات اللازمة لتعزيز نفوذ إيران في مجموعة واسعة من القضايا الإقليمية والدولية.
وهناك الكثير من القراءات للاجتماع الغير التقليدي بين بوتين والخامنئي، وأحد افضل التقييمات كتب عنها "حسين مالك"، وهو دبلوماسي إيراني مخضرم والسفير السابق لدى الصين، في مقالة قصيرة على موقع الدبلوماسية الإيرانية.
فقد أشار حسين الى الأجواء الغير العادية للاجتماع، والاحترام الاستثنائي الذي أظهره القائد الايراني للرئيس الروسي، وفسر حسين أهمية الاجتماع في سياق الصراع السوري، فسورية حالياً هي محور العلاقات الروسية الإيرانية على حد سواء، حيث يوظف البلدان، الجيش، والمخابرات والموارد الدبلوماسية لإحباط المخططات الغربية ودول الخليج العربية المنافسين على إسقاط الحكومة السورية، وبالتالي تغيير توازن القوى في المنطقة.
ولكن حتى في ضوء هذه الرهانات المسرحية – لا تشترك بالضرورة المصالح الروسية والإيرانية "المتقاربة"، على المستقبل المنظور، بالمصالح الاستراتيجية من حيث نهاية اللعبة والنتائج المرجوة من الصراع.
في الواقع يخشى القادة الإيرانيون سراً من خيانة روسية في سورية، ولا سيما في ضوء التحليلات أن روسيا تستخدم النزاع السوري لانتزاع تنازلات من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن الصراع في أوكرانيا.
وفي أي حال، فإن من الحماقة أن يتوقع القادة الإيرانيين والاستراتيجيين دعماً قوياً طويل المدى لروسيا في سورية، والخلاف النووي الإيراني منذ فترة طويلة، والذي امتد من عام 2002 وحتى تموز من هذا العام، هو قالب جيد لفحص قوة الدعم الروسي لإيران بشأن القضايا الحاسمة التي تنطوي على القوى العالمية الرئيسية.
فقد كان الدعم الروسي فاتراً في أحسن الأحوال، وفي اللحظات الحاسمة قرر الروس التخلي عن استخدام الفيتو في مجلس الأمن الدولي، لكي لا يخاطرون بالعلاقات مع الأمريكان والقوى الاوروبية الرئيسية مثل المملكة المتحدة وفرنسا.
خارج سورية، أي تقييم مفرط التفاؤل من احتمال مستقبل للعلاقات الروسية الإيرانية، يجب أن يخشى من السياسة الخارجية لإيران الواسعة النطاق، في لم تعد دولة ثورية محاصرة بل اصبحت دولة مهيمنة في المنطقة، وربما من أصحاب المصالح على الساحة العالمية.
وفيما تواصل الجمهورية الإسلامية نزاعها مع واشنطن وحلفائها في المنطقة، سوف تسعى أيضاً إلى استغلال أي فرصة لمحاذاة مصالحها مع الولايات المتحدة إذا كان ذلك لخفض تكاليف مشاركتها في الصراعات الإقليمية.
ومع هذا الواقع الدبلوماسي الجديد، تبدو إيران حريصة على أن تكون علاقتها مع روسيا متوازنة مع التقارب البطيء والمؤلم مع الغرب، وهي بذلك لا تعتبر روسيا حليفتها تماماً.