اتساع الفجوة بين تصريحات الناتو وأفعاله بشأن سورية  

اتساع الفجوة بين تصريحات الناتو وأفعاله بشأن سورية  
  • الاثنين 14 كانون الأول 2015

Middle East Eye -  ترجمة بلدي نيوز 
ما يحدث الآن بين روسيا وتركيا لا يمكن اختزاله فقط إلى (عداءٍ بين بلدين)، فتركيا عضو في حلف شمال الاطلسي، وعندما انتهكت روسيا مراراً مجالها الجوي فهي تعلم تماماً أنها بذلك تنتهك مجال حلف الناتو.
والتاريخ الحديث للانتهاكات الروسية الجوية والبحرية لمجال الناتو، يدحض محاولات الولايات المتحدة تأطير النزاع وكأنه ثنائي ( بين تركيا روسيا)، فعلى سبيل الدقة _ شبكة القيادة الاوروبية ومقرها في لندن، قد وثقت 39 انتهاكاً جوياً وبحرياً من روسيا منذ آذار 2014.
ونظراً لحجم الانتهاكات، فمن الواضح أنها لا تتم عن طريق الخطأ، بدلاً من ذلك، يبدو أن روسيا تختبر الدفاعات الغربية وعزم حلف الناتو على الدفاع عن أعضائه في (البحر، الجو، والسيادة الإقليمية) وباستثناء حادثة إسقاط المقاتلة الروسية من قبل تركيا، فإن روسيا قد حصلت على ما تريده من كل انتهاكاتها السابقة، دون أن تواجه بشكل جدي من قبل الناتو، وفي هذا الصدد، من المرجح أن يُنظر إلى الحادثة كاختبار لتماسك حلف الناتو وعزمه على مواجهة العدوان غير المبرر.
وبالإضافة الى الدفاع والأمن، فإن تصرفات روسيا هي أيضاً نتيجة نظامها السياسي والذي يخشى من أن تهدد الجغرافيا السياسية التقليدية نفوذه، فهذا هو الحال في سوريا، ولا يمكن إنكاره، ولذا فإن مسار العمل الذي سيتخذه الغرب والناتو في أعقاب الحشد العسكري الروسي الشديد في سورية، هو ما سيكشف طبيعة الأسس السياسية لمنظمة حلف شمال الأطلسي والنموذج الأمني للغرب.
فبعد الحرب الباردة، أدرك الناتو أن حرباً جديدة لمنظمات سياسية تتشكل، وسورية هي أرض المعركة، وخلافاً للحرب الباردة بين أمريكا وروسيا التي كانت اقتصادية بطبيعتها من حيث رأسمالية السوق الحرة وخطوط الاقتصاد، الحرب الآن في سورية لها جذور أكثر بالفلسفة  السياسية أكثر من الاقتصاد.
هنا يبرز سؤال واحد مهم_ لجميع الجهات الفاعلة في الأزمة السورية والتي تعبر عن دعمها لاستقرار سورية والمعارضة والحد من تنامي الإرهاب، ما هي طبيعة وأساس هذا الاستقرار؟ وما هو مصدر شرعية أي نظام؟
فلا الاستقرار ولا الإرهاب مصطلحان محايدان، فكلاهما بطبيعتهما مصطلح سياسي، كما أن هناك العديد من الأشكال والأنماط للاستقرار، فمثلاً هناك استقرار القبضة الحديدية والاستقرار السلطوي والاستقرار الديمقراطي وكثير غيرها، ولذلك فاختيار نوع الاستقرار هو ما سيوضح بإسهاب النموذج السياسي المتبع.
في سورية، كما الحال في أماكن أخرى كثيرة، ألقت روسيا بثقلها العسكري وقوة نيرانها لدعم الاستقرار السلطوي لنظام بشار الأسد ذو القبضة الحديدية على شعبه، ويبدو أن روسيا بذلك استلهمت من تاريخها الخاص الحافل بالسلطوية.
ومن هذا الرأي القائم على أن القادة الاقوياء والهيكل السياسي والثقافي المستبد هو الأقدر على تحقيق الاستقرار والنظام في الدول، فإن نماذج بديلة تعتمد على إشراك الشعب تعتبر بالنسبة إلى معتنقي هذا الرأي "مغالطة سياسية" أو أنه يعود إلى منطقة معينة، أي أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية.
وهذا هو المصدر الفكري للعداء تجاه ثورة الشعب، نحو دول قريبة من روسيا (أوروبا الشرقية، البلقان، دول البلطيق) أو في العالم العربي، فقسم كبير من الطبقة السياسية الروسية والجمهور يعتبرون الربيع العربي كعملية تحريض من الولايات المتحدة، بدلاً من اعتبارها ثورة شعبية حقيقية.
وبوقوفها وراء هذا الأساس الفكري والفلسفة السياسية، لم تتزعزع روسيا عن مواقفها ودعمها للهياكل الاستبدادية، وفي المقابل قام الغرب بدعم الثورات الشعبية في العالم العربي وممثليها.
 وفي أوج هذه الثورات، يعرض ستيفان فول، والذي كان آنذاك المفوض الأوروبي لشؤون التوسيع وسياسة الجوار، الملاحظات التالية للنقد الذاتي:
"يجب أن نخجل من الماضي،  فأوروبا لم تقم بالدفاع بشكل كاف عن حقوق الإنسان والقوى الديمقراطية المحلية في المنطقة، والكثير منا سقط فريسة للافتراض بان الأنظمة الاستبدادية هي الضمان لاستقرار المنطقة، وهو ليس حتى بواقع سياسي، ففي أحسن الأحوال هذه سياسة قصيرة الأمد تجعل من الحل السياسي الدائم أمراً يصعب تحقيقه".
قضية سوريا ومصر
هناك هوة كبيرة بين الخطاب السياسي والفعل الحقيقي للاتحاد الاوروبي، فقد تزعزعت مواقفه الداعمة للعملية الديمقراطية في العالم العربي، ومرة أخرى ارتكب الخطأ الاستراتيجي الجسيم بدعم الاستقرار السلطوي بدلاً من الاستقرار الديمقراطي الدائم، لكن هذا المنطق ينتمي إلى عصور ماضية، ومن غير المرجح أن يكون له مكان في مستقبل المنطقة.

فسابقاً، قدم الاستقرار السلطوي ما كان الغرب يتوق إليه: وهو الاستقرار والبنية السياسية الإقليمية الثابتة، ولكن هذا الحال لم يعد موجوداً فنحن نعيش في زمن جديد، صحيح أن الربيع العربي لم ينجح حتى الآن في تحقيق أهدافه المعلنة: (نظام سياسي يمثل الشعب وتقدم اقتصادي)، إلا أنه نجح في شيء واحد وهو أن الشعب لم يعد يتغاضى عن الحكم الحديدي وقبضة المستبدين السابقين ولذلك فنظرية الاستقرار السلطوي قد طواها الزمن.
إن قضايا سوريا ومصر تُظهر بوضوح أن الحكام المستبدين هم مصدر عدم الاستقرار وأكبر عامل ينتج الإرهاب بكل أشكاله وأنواعه، ولذلك فأن قراءة المنطقة من منطلق الحقب الماضية وأدواتها لم يعد صالحاً الآن، فهذا الاستقرار السلطوي سيخلق للغرب المخاطر والتهديدات والتحديات من جميع الأشكال. 
وبالإضافة لسورية أصبحت الآن منطقة سيناء المصرية أرضاً لا يطأها إنسان، عقب تحطم طائرة الركاب الروسية نتيجة لنشاط إرهابي في مصر، والذي أظهر بوضوح أن حكم القبضة الحديدية يوفر أرضاً خصبة للتطرف والإرهاب.
هذا لا يعني أن التحولات الديمقراطية لا تحوي أزماتها الخاصة وصعوباتها، فهي بالتأكيد عمليات فوضوية وخصوصاً في ظل عدم وجود من يقود ويوجه هذه التحولات، كما فعل الاتحاد الأوروبي لدول ما بعد الشيوعية في وسط وشرق أوروبا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وكما فعلت الولايات المتحدة في بلدان أوروبا الغربية بالإضافة إلى تركيا واليونان في (مشروع مارشال وهو المشروع الاقتصادي لإعادة تعمير أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية)، وحتى هذا لم يكن كافياً لجعل هذه التحولات  تتم بشكل سلس للبلدان المعنية.
هذا التسابق في النماذج السياسية في منطقة الشرق الأوسط لن يكون قصير المدة او سلساً في الطبيعة، فالتحديد السريع لمشاكل المنطقة وعللها ليس بالأمر السهل، كما أن التغلب على الهياكل السياسية الاستبدادية المتشبثة بمصالحها الاقتصادية والعسكرية والسياسية هو أمر مرهق.
ومع ذلك، فإن المنطقة تشهد بعض التغييرات التكتونية، حيث تتصادم الاستبدادية السابقة مع الطبيعة المعدية لفكرة المشاركة السياسية، وتفرض هذه الصورة على الغرب وحلف شمال الاطلسي بأن يتخذوا قرارهم، وباعتبار أن الناتو هو في الأساس بنية أمنية_ هذا لا ينبغي أن ينسينا أنه يعتمد على أساس سياسي، وفي الواقع من دون أساس سياسي واضح المعالم، فإن الحل الأمني لن يكون دائماً وفعالاً بل سيكون آلية مؤقتة لإدارة الأزمات.
إن حلف شمال الاطلسي يحتاج إلى تحديد أهدافه السياسية تجاه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبناء الهيكل الأمني تجاه المنطقة على أساس هذه المبادئ السياسية، وهذا يتطلب منه أيضاً تحديد المنتخبين في المنطقة للعمل معاً على بناء مستقبل جديد للمنطقة.
وبمجرد أن يفعل هذا، فإنه يمكن بعد ذلك الانتقال من الردود الغير محسوبة للتحديات السياسية والأمنية المتزايدة الناجمة عن المنطقة_ إلى وضع استراتيجية أمنية وسياسية منظمة، وهذا يتطلب من دون شك وعلى المدى الطويل، تخصيص جزء كبير من الأموال والتزام لا يتزعزع واتخاذ قرارات واضحة.