من بوابة "الإرهاب".. الغرب يطوّع الإعلام لتسويق الأسد

من بوابة "الإرهاب".. الغرب يطوّع الإعلام لتسويق الأسد
  • السبت 9 ايلول 2017

بلدي نيوز - (تركي مصطفى) 

- مقدمة
منذ اندلاع الثورة السورية وحتى الآن، ظهر جيش إعلامي مواز للقوات المتصارعة في سورية، متوغلا في العمق السوري بكافة الاتجاهات، وفق خطة إعلامية منظمة تحقق مطامع ومصالح المتصارعين بالتركيز على نظام الأسد، وإعادة تسويقه، ومنحه عفوا عاما عن كل جرائمه بعد تشويه الثورة السورية، ووضع كل مناهضي الأسد في خندق الإرهاب، وشارك في هذه الخطة دوائر إعلامية دولية وإقليمية كشفت عن وجهها في عام الثورة الأول باستخدام الإعلام الغربي مصطلح "الحرب الأهلية" ووصف الثوار "بالمتمردين"، ولاحقا بالإرهابيين التكفيريين، وتعاظم نشاطها في سورية تماشيا مع التطورات التي شهدتها مسارات الثورة، وفق أدوات ووسائل متنوعة كتجنيد الصحفيين والكتاب والإعلاميين من العرب والأجانب، ليكونوا في طليعة المدافعين عن الجرائم التي ترتكبها قوات التحالف بشطريها الروسي والأمريكي ضد الشعب السوري.
وراحت اللوبيات الإعلامية تعمل على تجميل صورة الأسد الكيماوي في المجتمعات الغربية، وتدافع عن سياساتها ومصالحها في كل ما يعترضها من انتقادات جراء الأعمال الوحشية التي تمارسها، وتبرزها حاملة أغصان الزيتون على أجنحة الطائرات العملاقة، ورؤوس الصواريخ العابرة للقارات، يقابل ذلك حملة تشويه ممنهجة ضد الشعب السوري الثائر المطالب بحريته مستغلة ما تقوم به فصائل الثورة من حوادث عرضية في المناطق السنية التي تقع تحت نيران الحلفاء والأصدقاء.
- ثالوث الإعلام القاتل:
حوصرت الثورة السورية بثلاث دوائر إعلامية:
-الأولى الدائرة الغربية: ومثلتها مؤسسات إعلامية كبرى يديرها 12 صحفيا من أميركا وبريطانيا وكندا واستراليا، تدعمها حكومات تلك الدول، تدرجت في تشويه الثورة السورية، وكانت ذروة نشاطها في عملية تدمير مدينة حلب المحررة وتهجير أهلها، ومن ثم حاولت العمل على إعادة تسويق الأسد الكيماوي، بطريقة أظهرت بوضوح أولويات الإعلام الغربي، فصورت الثورة السورية على أنها ثورة أغلبية "سنية ضد أقلية علوية"، وظهر ذلك واضحا في تقارير وكالات الأنباء العالمية مثل "رويترز" و"أ ف ب" وتابعتها الوكالات العالمية والعربية، في استخدام مصطلح "حرب أهلية" و"إرهابيين، ومتمردين" في وصفها للحالة السورية رغم مطالب الثورة السياسية الواضحة بإسقاط نظام الأسد الاستبدادي، وبناء دولة ديموقراطية يحكمها قانون عادل.
-الدائرة الإعلامية الثانية: تمثلت في الإعلام الثوري ذاته، الذي افتقد للمواجهة من خلال تركيزه على "المظلومية السنية" وبعثرة رأس المال العربي الداعم للإعلام الخارجي، ولم تستطع تقديم الثورة بصورتها الحقيقية.
-أخطر الدوائر كان ولما يزل اللوبي الإعلامي الإيراني الذي التزم برواية واحدة، وصف فيها الثورة السورية على أنها تكفيرية (إرهابية داعشية قاعدية)، ونجح في ذلك إلى حد بعيد، وتمسك بالأسد الذي ينتمي للطائفة العلوية، وأظهره بمظهر البطل الشيعي المدافع عن المقامات الشيعية، والقومي العربي الداعم للمصالح الايرانية في المنطقة، لذلك دفعت أموالا ضخمة للمراكز الإعلامية اللبنانية أو غيرها أنعشت الاقتصاد على مستوى الأفراد والمؤسسات المدعومة إيرانيا.
- أدوات ووسائل تسويق الأسد:
انحازت وكالة أنباء عالمية إلى جانب نظام الأسد منذ بداية الثورة السورية، وروجت مرويات مزيفة للصراع في الداخل السوري، بعيدا عن المهنية التي تقوم على الحيادية والموضوعية في نقل الخبر، وأبرز هذه الولاكات:
- وكالة " رويترز" للأنباء، وهي أضخم مؤسسة إعلامية عريقة، تتميز بنقل الخبر العاجل، وفي الثورة السورية اضطرت لاعتماد مصادرها الإخبارية من مكتبها في بيروت، ومن المرصد السوري الذي يديره رامي عبد الرحمن، ومن وكالتي سانا وتاس الإخباريتين الداعمتين لنظام الأسد، وهذه المصادر الإخبارية، يتلقى معظم العاملين فيها أموالا إيرانية، وبعضهم مؤدلج طائفيا، ويعادي الثورة السورية وغالبيتهم يخضعون في بيروت ودمشق لضغوط من حزب الله ونظام الأسد، ولا يعملون بحرية، لذلك وقعت رويترز في مصيدة الإعلام الموجه، بعد تقييد نظام الأسد، وبعض الفصائل المناوئة له، لعملها في الداخل السوري، وهذا ما أعطى الفرصة للعاملين في مكاتب رويترز لصناعة الخبر انطلاقا من مواقفهم المسبقة المعادية للثورة السورية، والمساندة للأسد ونظامه، فاختزلوا الثورة السورية بمصطلح "الإرهاب" وتجاوزوا مذابح الأسد والميليشيات الإيرانية بما فيها المجازر الكيماوية في الغوطة وخان شيخون وغيرهما، مقللين من أهمية الصواريخ الباليستية التي سقطت على رؤوس المدنيين، مما وضع المراقبين أمام معادلة واحدة "لا بديل للأسد".
- الإعلام المرئي والمسموع: رافقت وسائل إعلام عالمية الحملة العسكرية الأخيرة التي يشنها نظام الأسد والميليشيات الشيعية، وفي كل مرة تتقدم فيها تهلل وسائل الإعلام للإنجاز العسكري الكبير لمحور "الاعتدال" ضد محور "الإرهاب"، دون أي ذكر لمصير آلاف المدنيين الذين قتلوا بالطائرات أو المدفعية والصواريخ الباليستية؛ فقد تسببت الحملة ضد فصائل الجيش الحر في البادية السورية إلى تهجير مخيم الحدلات الذي استهدفته الطائرات الروسية وتلك التابعة لنظام الأسد، ومثل تلك المآسي تتعرض لها منطقتي عقيربات ووادي الفرات، وأنموذج تلك الوسائل الإعلامية:
- هيئة الإذاعة البريطانية (bbc): نشطت مؤخرا في الداخل السوري بعد منعها من تغطية الثورة السورية في انطلاقتها الأولى لعدة سنوات، لتعود وتمنح مراسلي الإذاعة العمل في سورية الخاضعة لحكم الأسد، مقابل تغطية انتصاراته الوهمية، والتركيز على مناطق نفوذه في دمشق والساحل السوري وانتقاء مشاهد معينة لإيهام المتابعين بالحياة الآمنة التي ترفل فيها حاضنته.
- الشبكة الأميركية (cnn): إحدى أهم وسائل الإعلام العالمية، غابت عن تغطية الأحداث ميدانيا عن سورية منذ العام 2011، لتظهر فجأة في ريف السلمية الشرقي تغطي العمليات العسكرية في منطقة عقيربات، بالتركيز على تقدم الميليشيات الطائفية، وتحول الصورة عن آلاف المدنيين المحتجزين في وادي العذيب، والذين يشربون ماء محركات آلياتهم، ويتعرضون لقصف الطيران الروسي وأسلحة الميليشيات المتعددة الجنسيات، ثم تنتقل عدسة cnn إلى عمق الداخل السوري لتبث على الهواء مباشرة حياة السوريين 'الرغيدة الآمنة" في مناطق نفوذ الأسد.
- اللوبي الإعلامي الإيراني:
ارتكز المشروع الإيراني في المنطقة العربية على عدة دعائم يقف على رأسها الإعلام الممول الذي اتخذ منه مرتكزا لمد نفوذه في أوساط الأقليات الشيعية الوافدة منها إلى الأرض العربية، عبر مراحل تاريخية سواء في دول الخليج العربي أو في بلاد الشام، أو من الشيعة العرب، لجأت إلى بناء مؤسسات تابعة للجهاز الأمني الإيراني عبر وزارة خارجيتها، تمثل في تشكيل لوبي إعلامي جندت لأجله عشرات الصحفيين العرب، وسيطرت ماليا على غالبية المؤسسات الاعلامية في لبنان، بعد أن اتخذت من بيروت مركزا لنشاطها الاعلامي، نتيجة نفوذ حزب الله الشيعي، وقوانين لبنانية مرنة تتيح حرية التعبير قبل أن يسيطر الحزب على مؤسسات الدولة، وامتلاك تقنيات إعلامية كبيرة وصحفيين مهنيين يمتلكون قدرات فائقة على إدارة الصراع الإعلامي، ولأن الصحافة اللبنانية بشكل عام تقتات على الدعم الخارجي، فجعلت إيران مهام هؤلاء الصحفيين والكتبة تنحصر بتشويه الثورة السورية، وفق معادلتين، الأولى خطاب للغرب يصور ما يجري في سورية على أنه حرب بين معسكر "الاعتدال والإرهاب"، والمعادلة الثانية حرب بين محور "المقاومة" وبين محور "العملاء". ونجحت في هذا إلى حد بعيد، وتلا ذلك توجيه كتبتها للتركيز على بشار الأسد لتسويقه في الأوساط العربية والدولية، كفتاة قبيحة عاهرة تحاول تزيينها وإظهار مفاتنها في سوق الدعارة، وتلك مهمة الصحفيين اللبنانيين المواليين لإيران في الوقت الحالي.
- بوابات تسويق الأسد:
أكمل الإعلام المدافع عن الأسد، عملية تسويقه مدفوعا بعدة عوامل، منها التزام شيعي إيديولوجي تقوي زعامة كيانهم الطائفي الذي ينتمون إليه، وآخرون يدفعهم الحصول على المال لتنفيذ ما يؤمرون به, علاوة على مصالح الدول النافذة في سورية التي تديرها بروغوغندا إعلامية دولية تجد ضآلتها ومصالحها في استمرار الأسد على رأس السلطة في سورية، واتبعت لأجل ذلك بوابات متعددة يمكن إجمالها بالتالي:
1- الاتجار بالقضية الفلسطينية: أبرز اللوبي الإعلامي الايراني، الأسد بطلا قوميا، ومدافعا عن المصالح الإيرانية في المنطقة، وأحد ركائز حلف المقاومة ضد إسرائيل، وفق أساليب مخادعة وإغراءت مختلفة ووعود وهمية، فاستغل القضية الفلسطينية برفع الشعارات والخطابات في كل المحافل الداخلية، حيث يدرك أن قضية فلسطين الأكثر أهمية لاستمالة الشعب العربي، وحافظ على لهجة معادية لإسرائيل لتكريس صورة "محور الممانعة" في الذهنية العربية على أنه منافح عن القضية الفلسطينية للتغطية على جرائمه الكيماوية وغيرها من جرائم جعلت المجتمعات العربية والإسلامية ترى الأسد مجرم حرب، إلا أن اللوبي الإعلامي الإيراني المرابط في خندق الأسد ضخم من حجمه، ليظهره قويا متماسكا، بينما الحقيقة يعاني تفككا وانهيارات متتالية، ولولا الطيران الروسي والميليشيات الإيرانية المساندة له لانهار منذ سنوات بشهادة الإيرانيين، والروس، ولكن الاعلام الممول يلعب دورا فاعلا في إيقافه على قدميه.
2- استغلال مسألة الإرهاب: لعب الإعلام المناهض للثورة السورية دورا كبيرا في تشويه صورتها بدمغها بالارهاب، وللإعلام تجارب قريبة في هذا الصدد في العراق التي واجهت الغزو الأميركي ومن ثم الاحتلال الايراني، وتعاظم الصراع الإعلامي في سورية، متهما كل المعارضين للأسد بالارهابيين التكفيريين، وقدمت الأسد مناهضا للإرهاب، ومع ظهور مراسلي قناتي cnn وbbc إلى جانب قوات نظام الأسد في إطار معارك البادية السورية ضد تنظيم الدولة، فإن هذا يشير إلى تسويق علني للأسد من بوابة محاربة الإرهاب التي تابعتها وسائل إعلام عالمية أخرى لتعتمد رواية الأسد في تبرير وحشيته وحلفائه في تدمير المدن والقرى السورية المناهضة له على رؤوس أهلها، وتصوير ما يجري في سورية على أنه حرب بين الأسد المعتدل، وباقي الشعب السوري المتطرف.
3-استغلال بوابة الدعارة لتسويق الأسد:
درجت وسائل إعلام نظام الأسد على تصوير ظاهرة الدعارة التي أصبحت معتادة عبر حكمهم المديد، وكانت تصنف ضمن وباء إجتماعي وأخلاقي، ليتحول تصنيفها إلى عملية تسويق الأسد سياسيا لدى الغرب، وفي هذا الصدد جالت قناة cnn على الشاطئ الأزرق في مدينة اللاذقية وتنقلت من مكان إلى أخر، وهي تظهر الحانات ومظاهر العربدة من مشروبات ونساء شبه عارية، وركزت القناة على عناصر "الشبيحة" بزيهم العسكري، وهم يعاقرون الخمرة، وفي هذا الإطار ظهر تقرير لقناة bbc البريطانية في دمشق ركز على الأحياء ذات الأغلبية المسيحية وصور نساء مع رجال يرقصون ويشربون الكحول في محاكاة لشوارع المدن الغربية، وبين التقرير ازدحام الشارع بالمارة، ونشاط السياحة السورية في إشارة إلى الهدوء المسيطر على مناطق نفوذ الأسد، وهذا تضليل إعلامي، إذ تحول الساحل السوري إلى شيكاغو الأميركية نتيجة تزايد معدل الجرائم، وعمليات الخطف، والاعتداء على النساء، ولكن وسائل الإعلام المحليةوالغربية، نقلت مشاهد الدعارة والحانات التي تؤمها بائعات الهوى لتسويق الأسد عبر مؤخرات الغانيات لاستدرار عواطف الغرب، وإظهار مدى مرونته مع الحريات العامة، وتماهيه مع المجتمعات الغربية.
- إعلام الثورة.. وافتقاد مواجهة تسويق الأسد:
بدأ إعلام الثورة منذ العام 2012م يركز على "مظلومية الشعب الثائر" القائمة على العواطف والخطاب الحماسي وتبادل التخوين والاتهامات، والأخطر من ذلك لم يكلف أحد من نشطاء الثورة والقائمين على الإعلام، بتسخير المال العربي الداعم للإعلام الخارجي بالتجوال على المؤسسات الاعلامية سواء في بيروت أو غيرها من العواصم العالمية المؤثرة، وتقديم رواية تعكس حقيقة ومطالب الشعب السوري الثائر، بخلاف رواية إيران وحزب الله التي ظلت ثابتة على معادلة ( الاعتدال والإرهاب) لأن حقيقة أموال الإعلام الثوري الممول صرفت على "العلاقات الخاصة والشللية، ورواتب كبيرة لمؤسسات خارج إطار الإعلام"، بينما أموال الإعلام الإيراني أنعشت الصحفيين والمؤسسات اللبنانية الإعلامية التي تحولت إلى منابر تسبح بحمد إيران صباحا مساء، وتغطي جرائمها في سورية وتقلل من فداحة القتل اليومي الذي تمارسه الميليشيات الشيعية وقوات الأسد، وفي هذا الصدد فالصحفي الذي ينجو من الجندرمة التركية أو المخابرات الأردنية وهو في طريقه إلى المناطق المحررة يتعرض للخطف والاعتقال عن طريق عملاء نظام الأسد دون أن يقدم إعلام الثورة حقيقة ما يجري ومسؤولية الأسد عن كل تلك الجرائم، ولعل الاعتداءات التي طالت رجال دين مسيحيين في أنحاء مختلفة من سوريا، كان مرتكبوها يعلمون هوية المعتدى عليه وصفته، كاختطاف المطرانين يوحنا إبراهيم (65 عاماً) مطران السريان الأرثوذوكس في حلب، وبولس يازجي (55 عاماً) مطران الروم الأرثوذوكس في حلب، وقبل ذلك قيام نظام الأسد بطرد الأب الإيطالي اليسوعي باولو_دالوليو من سورية عام 2012م.
وفي العام 2014 تم اغتيال الكاهن اليسوعي الهولندي فرانس فاندرلوخت ابن الـ 76 عاماً، في ديره ضمن حمص القديمة المحاصرة حينها من قبل نظام الأسد، حيث قام مسلح مجهول الهوية قام بإطلاق النار على الأب فرانس في باحة الدير ليلقى مصرعه على الفور، وتؤكد الدلائل أن قاتله أحد عملاء الأسد،
في هذا الفضاء المفتوح الذي يشغله الإعلام المرئي والمسموع والإعلام التقني المتنوع، كان يستوجب احتواء الإعلاميين والناشطين والحقوقيين ودعمهم بكافة الوسائل المتاحة لمواجهة نظام الأسد الاستبدادي، لا أن تتحول مؤسسات إعلامية محسوبة على الثورة لجهات محايدة بناء على طلب الجهات الداعمة.
الآن المواجهة الإعلامية تدور حول تسويق الأسد ونظامه في البازار السياسي، مما يوجب على ما تبقى من إعلام ثوري الإلتفات إلى هذه القضية بعيون يقظة ومثابرة جادة، وتقديم رواية ثورية حقيقية عن مطالب الشعب السوري الثائر في كل المحافل الدولية والمؤسسات الإعلامية الكبيرة والصغيرة المقتنعة حتى الآن برواية إيران المتمسكة بعميلها بشار الأسد لتحقيق مصالحها السياسية في المنطقة العربية.