هل التقط تنظيم "الدولة" أنفاسه بأوكسجين أمريكي شرق سوريا؟

هل التقط تنظيم "الدولة" أنفاسه بأوكسجين أمريكي شرق سوريا؟
  • الجمعة 6 تشرين الاول 2017

بلدي نيوز - (تركي مصطفى) 

في موازاة تقهقر قوات نظام الأسد والميليشيات الإيرانية، يواصل تنظيم "الدولة" هجومه على الطريق الممتد بين دير الزور وتدمر، وفي بادية حميمة شرق تدمر، حيث وسّع التنظيم عملياته العسكرية في كافة الاتجاهات مع تراجع الميليشيات وقوات الأسد وانحسارها باتجاه تدمر ودير الزور بعد مقتل المئات منها، مما يفتح احتمالات متنوعة أمام تقدم التنظيم بعد سيطرته على طريق الإمداد الواصل إلى دير الزور، مما خلط الأوراق وصدم موسكو بعد استفاقة التنظيم المفاجئة، واستعجالها وحلفائها إعلان "النصر المؤزّر" في دير الزور.

توطئة:

تتلاحق التطورات في المعركة المفاجئة الدائرة جنوب دير الزور وفي بادية تدمر، حيث تمددت مساحة سيطرة تنظيم "الدولة" بموازاة تقلص نفوذ الميليشيات الطائفية وانحسارها وابتلاع الرمال السورية مئات العناصر من الميليشيات المتعددة الجنسيات، لتتشابك قواعد الصراع، وتتعاظم الصراعات بين الحلفاء في المكان والاتجاه والأهداف، ليبقى دوي المدفعية وهدير الطائرات يسيطر على الساحة الملتهبة إيذانا لحرب مديدة لا يمكن التكهن بنتائجها ما دامت روسيا تدافع عن بقاء الأسد في قصر المهاجرين.

تقدم هذه الورقة وصفًا موجزًا للمعركة الصادمة في البادية السورية بين تنظيم الدولة من جهة، والميليشيات الشيعية الإيرانية التي يساندها الروس من جهة أخرى، ونوطئ لهذه الورقة باستعراض تحليلي موجز لأهمية المنطقة الملتهبة في بُعدها العسكري المتصل بنتائج المعركة وأهدافها.

وما يرافق ذلك من تحولات كبيرة بين أطراف الصراع الدولي في خطط المواجهة والأهداف المتباينة بين موسكو وواشنطن في سياق السيطرة على منطقة وادي الفرات، مع رصد أطراف الصراع عددا وعدة، وآفاق القادم بين المتصارعين حسب وجهة عجلة المعارك، وما يمكن أن تؤول إليه الأحداث بكل تشابكاتها المعقدة.

وتستعرض هذه الورقة أبرز التطورات وأكثرها تأثيرا في مسرح المعركة، كما تناقش المحركات الدافعة لكل الأطراف التي فرضت مراجعة الخطط استجابة للتطورات المتماهية مع الانعطاف الأميركي بعد تقدمها باتجاه منابع النفط، والتوقف عند حالة الإرباك الروسية بعد مقتل الجنرال فاليري آسابوف، يوازيه المقتلة الكبيرة التي أودت بحياة العشرات من ميليشيا حزب الله في محيط حميمة، والتخبط الذي يعيشه الحزب، واتهامه للتحالف تارة، ولنيران حليفه الروسي تارة أخرى. وأخيرا تحاول الورقة تسليط الضوء على المشهد وفقا لشكل المنطقة الملتهبة بكل دروبها وممراتها المتغيرة واستنتاج المعطيات في شكلها المتوقع.

-مقدمة:

تدخل المعركة التي أطلقها تنظيم "الدولة" أسبوعها الثاني ضد الميليشيات الطائفية وتلك التابعة لنظام الأسد على طول الخط الممتد من شرق تدمر حتى مشارف مدينة دير الزور على ضفاف نهر الفرات، فحقق نتائج فاجأت المراقبين في قدرته على التوسع، وقلبه المعادلة في البادية الممتدة من حدود العراق شرقا، وصولا إلى مشارف تدمر غربا ومن مجرى سرير النهر المحيط بدير الزور امتدادا على طول الطريق الواصل إلى تدمر. إضافة إلى سيطرته على مدينة القريتين في ريف حمص الجنوبي الشرقي.

عكر التنظيم بهجومه المباغت نشوة الروس وحلفائهم المتعجلين في إعلان انتصارهم في وادي الفرات، ليحتدم وطيس الحرب مجددا على البادية السورية نتيجة سياسة الغطرسة بين القوى الدولية، وتباعد فجوة المصالح بينها، ويعلو غبار الحرب وتشتد أوزارها لتكون الحدث الأكبر على الساحة السورية. ولم تزل المعارك في تمدد مستمر على خريطة البادية المتبدلة بين وقت وآخر لصالح التنظيم.

أمام استمرار المعارك في بادية دير الزور وصحراء تدمر، وما جرى في القريتين، طرأت تغيرات على نمط القتال وخططه وإمكانياته، ومواقف الأطراف في التحالفات والتكتلات، وما يشكل ذلك من مؤشرات تصدع في صفوف  الحلفاء الأعداء استغلها التنظيم؛ فأعطته قوة دفع لعجلة المعركة، محاولا استثمارها في إعادة الوضع الميداني إلى حالة من التوازن تمكنه من اعتماد حرب الاستنزاف الطويلة الأمد في صحراء تتبدل تشكلاتها التضاريسية حسب مناخ العلاقات الدولية بين موسكو وواشنطن في السباق المحموم في السيطرة على منطقة وادي الفرات الغنية بنفطها وثرواتها وجغرافيتها.

البعد الاستراتيجي

يمكن وصف المنطقة الممتدة من الحدود العراقية ولغاية تدمر، ومن مدينة دير الزور حتى السخنة، بأنها تشكل منطقة حيوية، تدفع بقوة، أطراف الصراع للسيطرة عليها، باعتبارها الجزء الأكثر حساسية وتأثيرا على دير الزور بشكل خاص وعلى وادي الفرات بالعموم، ولأنها بوابة العراق عبر منافذ تحاول إيران فتحها بعد سيطرة واشنطن على معبر التنف الاستراتيجي، وتتصل من نقطة السخنة بجبل البلعاس الذي يفضي إلى محورين الأول باتجاه منطقة عقيربات المحاصرة، والثاني باتجاه مدينة تدمر، وهذه وجهة التنظيم التي ترسمها خطوط المواجهة. بموازاة ذلك تعتبر منطقة بادية حميمة نقطة استراتيجية مهمة، وهي قرية لا يتجاوز عدد بيوتها 30 بيتا مترامية الأطراف، تقع على سرير وادي المياه إلى الشرق من تدمر مسافة 150 كم، وعن مدينة الميادين حوالي 70 كم، وعن حصيبة العراقية 60كم، ويمر منها خط التابلاين للنفط، وإلى الشرق منها قليلا تقع محطة الضخ الثانية t2، وإلى الغرب تقع المحطة الثالثة t3، أو ما يسمى المنبطح كانت تسكنها قبيلة الأسبعة وشيوخها من آل عيدة، وباتت حميمة مسرح المعارك ومركز استقطاب عسكري.

والمتتبع لسير المعارك في هذه المنطقة يلاحظ تزايد عدد قتلى الميليشيات الشيعية التابعة لإيران، كون المنطقة  يمر منها خط القوس الفارسي أو ما يسمى (الهلال الشيعي) معبر إيران البري الذي تعتزم تفعيله ما بين طهران، ودمشق فاللاذقية وبيروت على البحر المتوسط، وتتواجد على أطراف هذه المنطقة أكبر المطارات الحربية التابعة للأسد (التيفور والشعيرات والسين والناصرية). وعندما سيطرت الميليشيات على سهول هذه المنطقة، انحسر تنظيم الدولة لتبقى سيطرته محصورة في منطقة سرير وادي الفرات قبل أن يفاجأ الجميع باستفاقته وخلط الأوراق، إدراكا منه للقيمة الاستراتيجية والجيواستراتيجية للمنطقة المتنوعة التضاريس بين السهلية والهضبية التي تضم سلاسل جبال القلمون الشرقي، وسلسلة جبال تدمر، ويخترقها وديان شهيرة كوادي المياه الذي ينتهي بنهر الفرات، مما أعطاها ميزة كبيرة في ظروف الحرب القائمة، لذلك انطلق التنظيم في هجومه من محور حميمة، كونه أهم نقطة وصل وفصل جغرافي بين العراق وسورية، وبين تدمر ودير الزور، للتحكم بطرق إمدادات الميليشيات الشيعية الإيرانية وتحركاتهم، تهديدا لتماسكهم والتأثير على أفكار قادتهم ومقاتليهم؛ فأربك حساباتهم وحدّ من خياراتهم، وكان حجم التأثير كبيرا لقدرة التنظيم التحكم بجغرافية المنطقة، وتوظيف طرقها وممراتها. كما أن مسار عملياته العسكرية تتجه نحو تدمر ومنطقة عقيربات.

هنا تجدر الإشارة إلى أن من بين ما ركز عليه التنظيم التحرك إلى قطع طرق إمداد الميليشيات الشيعية في التحرك إلى عمق البادية، وسحب الميليشيات والطيران الروسي إلى دوائر واسعة خففت الضغط العسكري على مدن وقرى وادي الفرات، وأجبرت الميليشيات على التقهقر والدخول في حرب استنزاف طويلة لا يتحملها أطراف الصراع المتعجلة لاستثمار وهم النصر في منطقة نزاع دولي لا يمكن لأحد التكهن بنتائجها في الوقت الراهن.

مشهد المعركة

الخسارة الأكبر للميليشيات الطائفية، ومعها قوات الأسد، كانت في اليوم الأول للهجوم على طول الطريق بين دير الزور وتدمر، وحميمة - السخنة، بعد أن قدم التنظيم خططا تكتيكية أدهشت نتائجها المراقبين بكسر القوس الدفاعي الاستراتيجي الذي أنشأته الميليشيات الشيعية على الطريق الدولي دير الزور-تدمر، رغم الانكشاف الجوي أمام الطيران الحربي الروسي وذاك التابع لنظام الأسد. وفق خطط فرضها التنظيم في اختيار المكان والاتجاه وسط صحراء مترامية الأطراف، وفي جانب التكتيك المتبع في هذه المعارك فالملاحظ أن التنظيم في معركته التي أطلق عليها اسم "غزوة الشيخ أبو محمد العدناني" تحول من وضعية الدفاع إلى الهجوم وتطويره، مما مهد عمليا للسيطرة على منطقة واسعة بعد أن كسرت في المرحلة الأولى من المعارك خطوط دفاع الميليشيات في بادية حميمة، وعلى طول الطريق الرئيسي بين دير الزور وتدمر، وإطلاق سلسلة عمليات مباغتة على محاور عدة بهدف توسيع دائرة السيطرة حول مدينة السخنة نقطة الوصل لدوائر المعركة، وتمكنت من السيطرة على مناطق واسعة استراتيجية تشرف على السخنة كجبلي (طنطور والضاحك) وقريتي (الطيبة والآرك)، وإحكام سيطرتها على محطة الضخ الثالثة في المنبطح واقتربت من مدينة تدمر، وأوعزت لخلاياها النائمة في مدينة القريتين بالاستيلاء على المدينة ومحيطها لتكون أول مدينة صحراوية بقبضة التنظيم التي خسرها في بداية صيف هذا العام، مما أتاح للتنظيم فرصة تقطيع مناطق سيطرة الميليشيات إلى جزر يسهل الإطباق عليها وحصارها بعدما تقدمت من عدة محاور في منطقة حميمة حيث تتمركز ميليشيا حزب الله اللبناني، وميليشيات أخرى مماثلة لها طائفيا، وفي السخنة، وعلى امتداد الطريق العام بين دير الزور وقرية الآرك بوابة مدينة تدمر من جهة الشرق. وفي حال اتصال قوات التنظيم ببعضها سيتم الإطباق على مناطق سيطرة الميليشيات، وتوسيع دوائر سيطرته باتجاه الغرب.

هذه المعركة هي الأشد إيلاما للميليشيات الطائفية بما فيها قوات الأسد، وحليفها الروسي من حيث حجم الخسائر البشرية خاصة في قرى (الشولا وكباجب والآرك) ومحيط قرية حميمة، فقد قتل التنظيم في اليوم الأول من الهجوم ما يقارب المئتين جلهم من عناصر ميليشيا حزب الله اللبناني الذي تعرض لانتكاسة كبيرة في محيط حميمة بعد أن هاجمهم التنظيم بسيارة مفخخة انفجرت في مركز تواجدهم، تزامنا مع استهداف الطيران الروسي لذات المنطقة بعدة صواريخ قتلت ما يقارب ثلاثين عنصرا على الفور، كما استولى التنظيم على عشرات الحواجز العسكرية بكامل عتادها على طريق دير الزور تدمر، وأعدم ميدانيا عشرات المدنيين من الموالين لنظام الأسد كعضو مجلس الشعب السابق عن دير الزور جهاد الشخير، وبعض سائقي الحافلات، علاوة على مقتل 180 عنصرا من قوات الأسد وشبيحته.

تجدر الإشارة إلى أن حجم الخسائر البشرية الكبيرة للنظام وميليشيات إيران، يعود إلى استخدام التنظيم العديد من المفخخات التي انفجرت في وقت واحد في المريعية وحويجة صكر والمحطة الثالثة وعلى البوابة الشرقية لمدينة السخنة، مما زاد في إرباك تجمعات الميليشيات الطائفية وانسحابها العشوائي باتجاهات مختلفة جعلتها فريسة سهلة لكمائن التنظيم الذي أوقع المئات قتلى وجرحى وأسرى بينهم اثنان من القوات الروسية.

هذا التقدم من الجهة الجنوبية لدير الزور، جاء بالتوازي مع تقدم آخر حققه التنظيم في ريف ديرالزور الشرقي، حيث تمكن من استعادة السيطرة على قرية البوعمر بعد معارك مع مليشيات النظام، فجر خلالها سيارة مفخخة أودت بحياة العشرات من الميليشيات الطائفية، لينحسر تمدد قوات نظام الأسد إلى مشارف المطار.

- أسباب تقدم التنظيم عسكريا:

- خلافات داخل الحلف الروسي

تعاظمت الخلافات البينية للحلف الروسي الذي يضم إيران وقوات نظام الأسد خلال شهر أيلول/سبتمبر الفائت، تجسد ذلك في الاتهامات المتبادلة بين الأطراف حول مقتل الجنرالات الروس، وقيام الطيران الروسي باستهداف مركز لحزب الله في بادية حميمة.

احتدم الصراع بعد اتهام الروس للميليشيات الإيرانية وتلك التابعة لنظام الأسد بالغدر والخيانة، وتشير مصادر خاصة حصل عليها بلدي نيوز عن قيام واشنطن بتزويد فصائل المعارضة بإحداثيات -حصلت عليها واشنطن من إيران- تواجد مركز الروس العسكري في قرية معان بريف حماة الشمالي، والذي يتواجد فيها أرفع الرتب العسكرية الروسية في الشرق الأوسط، مما أدى إلى مقتلهم، بينما يؤكد الروس أنهم لقوا مصرعهم على يد التنظيم بديرالزور، وعلى رأسهم الجنرال آسابوف، مما أوقف العمليات العسكرية وأربك حسابات الروس، وقطع التنسيق مع ضباط الأسد، واتهمهم علنا بالضربة الكبيرة، وهذا ما دفع الروس إلى شن حملة جوية ضد المناطق المحررة، وترك الميليشيات الإيرانية بلا غطاء جوي في دير الزور، فاستغل التنظيم حالة الخلخلة والإرباك التي أصابت قوى الحلف، وشن هجمات منظمة على أطراف مدينة دير الزور وطريقها الواصل إلى تدمر، مخلفا مئات القتلى من عناصر الميليشيات وقوات الأسد، والروس الذين لم يعترفوا بمقتل جنودهم رغم الإصدار المرئي للتنظيم.

هذه الخروقات في صفوف الروس حدثت في المعركة التي جرت بريف حماة الشمالي عندما حاصرت هيئة تحرير الشام مجموعة من جنرالات الروس في قرية معان، بحسب ما ذكرته وسائل إعلام روسية، وفي إطار الخلخلة في بنية الحلف الروسي اتهمت إسرائيل إيران بتورطها في مقتل الجنرالات الروس، ولم يمض مدة أسبوع على مصرعهم حتى لقي ثلاثون عنصرا من ميليشيا حزب الله اللبناني حتفهم بالقرب من بادية حميمة، فبادرت قيادة الحزب لاتهام التحالف بالضربة، وبعد نفي التحالف مسؤوليته، اتهمت ايران روسيا، وطالبتها بتشكيل لجنة تحقيق ثلاثية في قضية مصرع عناصر ميليشيا الحزب. وفق هذا الإرباك يوظف تنظيم الدولة دوائر توسعه على حساب اندحار وتراجع الميليشيات، وتخبط الروس.

- تعارض المصالح

بالتوازي مع العمليات العسكرية للتنظيم، تشهد منطقة الجزيرة شرقي الفرات تقدم قوات "قسد" على طول وادي نهر الخابور. وبعد سيطرتها على حقل الجفرة النفطي، شرق حقل كونيكو، تمددت جنوب بلدة الصور، عبر دخولها 3 مزارع على امتداد الخابور جنوباً. كذلك، وصلت وحداتها إلى المحيط الغربي والجنوبي الغربي لبلدة مركدة، ولم تكتف بتقدمها في محيط بلدة الصور واستيلائها على حقلي الجفرة وكونيكو، بل راحت تتابع توسيع دائرة سيطرتها باتجاه سرير النهر من الجهة الشرقية. وهي تتفرج على شكل الجغرافية المتغير جنوب دير الزور بعد أن طلب الروس منها رسميا في بدء الحملة على دير الزور إيقاف طيرانها عن التحليق في المجال الجوي للضفة اليمنى للفرات، ومع الخسائر المتلاحقة للحلف الروسي باتت الخلافات تطفو على السطح بين واشنطن وموسكو على إثر مقتل الجنرالات الروس، وعلى تقاسم الحصص في وادي الفرات. وظهر ذلك عبر تصريحاتهم التي تحمل اتهامات متبادلة في التقاعس لمحاربة "الارهاب"، نتيجة التخبطات العسكرية التي أودت بحياة المئات في معارك السيطرة على جنوب الفرات، ومع النزيف البشري للحلف الروسي يتعاظم النزيف الاقتصادي، إذ بلغت خسائر الروس خلال الحملة الروسية الأخيرة على وادي الفرات مليار ومئتي مليون دولار أميركي، بينما ذكرت مصادر مالية روسية أن مجمل خسائر الروس الاقتصادية تعادل 6 مليارات دولار خلال سنتين من احتلالها لسورية. هذا التباين بين الاستراتيجيتين الروسية والأمريكية وفّر مجالا حيويا لاستعادة التنظيم زمام المبادرة وتجديد هجومه المستمر جنوب دير الزور، وسيطرته على طريق الامداد عبر تدمر-دير الزور مما أجبر حلفاء الروس باستخدام طرق ترابية وعرة وصولا إلى مدينة دير الزور.

انشغال الميليشيات بالغنائم

منذ أن استولت الميليشيات الطائفية ومعها قوات نظام الأسد على ريف دير الزور الغربي من بلدة التبني وحتى البغيلية، وهي مشغولة بمنهوبات ممتلكات المدنيين التي تراها "غنائم حرب"، ويمكن إجمال تلك المنهوبات بآثاث البيوت مثل (مولدات الكهرباء والبرادات والغسالات والمكيفات واسطوانات الغاز ومحركات الديزل والدراجات والأجهزة الكهربائية والالكترونية والجرارات الزراعية)، إضافة إلى سرقة الماشية من أبقار وأغنام، وفتحت أسواقا لبيع تلك الممتلكات بالمزاد العلني فأحجم غالبية أهالي مدينة دير الزور عن شرائها لعلمهم أن هذه البضائع تعود ملكيتها للأهالي، فاضطروا لنقلها إلى أسواق مدن حمص وطرطوس، وبعلبك والهرمل في لبنان حيث يوجد رواجا لها لرخص أثمانها.

هذه السرقات التي قامت بها الميليشيات المتعددة الجنسيات تأتي في سياق استباحة المناطق المستولى عليها، لتحفيز المرتزقة على القتال، وبدلا من ذلك انشغلوا بها، مما سمح لتنظيم الدولة استعادة قواه والمبادرة بالهجوم تدفعه إلى ذلك كلمة زعيمه البغدادي وتحريضه أنصاره على القتال. 

تفاعلات المعركة وآفاقها المحتملة

يعمل تنظيم الدولة على زيادة رصيده بعدما تمكن في معركته الجارية "غزوة الشيخ أبو محمد العدناني" من الاستيلاء على مجمل ريف دير الزور الجنوبي، وبالأخص الطريق الرئيسي الرابط بين المدينة وتدمر، محققا نتائج كبيرة يمكن رصدها من خلال امتلاكه المبادرة والمبادأة في الهجوم، فيما باتت الميليشيات الشيعية الإيرانية تعتمد بشكل رئيسي على سلاح الطيران الروسي، وبعد زج التنظيم نخبة قواته في المعركة الدائرة اتسعت يمينا وشمالا ما يعني دخول مناطق أخرى ضمن دوائر المعركة مثل مدينة السخنة المحاصرة، والاستيلاء الكامل على بلدة القريتين ومنطقة المحسة وجبل عاد وجبال جبيل وسد القريتين.

هذا التقدم المفاجئ أجبر الميليشيات الشيعية، وقوات نظام الأسد لاستقدام أعداد كبيرة من التعزيزات عدا عن تشتت سلاح الطيران، علاوة على اشتداد المواجهة التي يبديها التنظيم، وأعطاه مجالا لملمة صفوفه والعودة من جديد لخلط الأوراق في دوائر المعركة الجارية، معطلا التمدد الإيراني في المنطقة، بعد أن أغلق الحدود السورية العراقية في وجهها ببادية حميمة، لذلك يستميت التنظيم في هذه المنطقة من خلال شن هجمات مستمرة على حواجز ونقاط الميليشيات الشيعية الإيرانية سواء على أوتستراد السخنة تدمر أو في بادية حميمة، وفي القريتين، وكلها تتبع إداريا محافظة حمص، غير أن اتساع المساحات الصحراوية المنبسطة يضخم حجم حاجة التنظيم من عناصر إلى خطوط إمداد وشبكة اتصالات ونفقات، وتأمين أكبر ضد ضربات الطيران الروسي، وذاك التابع للأسد، بالإضافة إلى تأمين جبهات أخرى سواء ضد قسد في الضفة اليسرى للفرات، أو داخل مناطق سيطرته في العراق.

وستبقى المعركة دائرة ما دامت المصالح متضاربة بين واشنطن وروسيا، تعمل كل منها وفق استراتيجيتها على وقف واستئناف المعارك تحقيقا لمكاسب سياسية، واقتصادية، وستستمر هكذا إلى أن تتوافق مختلف القوى الإقليمية والدولية إلى حد أدنى من التفاهم على شكل تقاسم النفوذ ولا يوجد في المنظور السياسي ما يشي بذلك، بل إن احتدام الصراع حول إقليم كردستان العراق، ونشوب حرب خفية بين واشنطن وموسكو، قد يعطي دفعا لتنظيم الدولة في التمدد أكثر على مساحات جغرافية في الشام والعراق.