إتمام "الهلال الشيعي".. هل يكون مقدمة لانهيار التحالف الأمريكي الإيراني؟

إتمام "الهلال الشيعي".. هل يكون مقدمة لانهيار التحالف الأمريكي الإيراني؟
  • الخميس 16 تشرين الثاني 2017

بلدي نيوز – (تركي مصطفى)
يلعب القوس الفارسي (الهلال الشيعي) عبر الحدود السورية-العراقية دورا حيويا في تمكين إيران من الاستمرار في الحرب، مما يدفع قوات التحالف بقيادة واشنطن إلى التحرك لانتزاعه والسيطرة عليه، بعد التبدلات السياسية الأميركية مع دعوة الرئيس ترامب وفريقه إلى تحجيم دور إيران في المنطقة، وزيادة التدخل العسكري البري للجيش الأميركي في معركة دير الزور لمواجهة التمدد الإيراني في المنطقة، والتي تتخذ من معسكر التنف في البادية السورية، الواقع بالقرب من مثلث الحدود العراقية السورية الاردنية، مقرا لها، فهل تعتزم واشنطن مواجهة التمدد الإيراني، أم ما تقوم به مجرد مواقف إعلامية؟

توطئة:

تناقش هذه الورقة مدى نجاح ايران في تفعيل القوس الشيعي الممتد من طهران إلى البحر المتوسط عبر العراق وسورية، وسعيها إلى تنظيف جوانب هذا القوس من كل المعوقات بعد تقلص نفوذ تنظيم الدولة الذي انحسر في محافظة ديرالزور.

وتستعرض الورقة في سياق هذه المناقشة، بعض الملامح التاريخية والديموغرافية على طول القوس الشيعي، وتوضح الأهمية التي يمثلها بالنسبة لأطراف الحرب في أبعاده المختلفة، والعقبات التي تواجه ايران في سبيل السيطرة عليه، كما تحلل الاستراتيجيات المتبعة لمواجهة التحديات القائمة.

وتنظر الورقة، برؤية استشرافية معمقة في مصير الممر الاستراتيجي في ظل التجاذبات الإقليمية والدولية الراهنة، وهو، دون شك، مصير لا ينفك عما ينتظر الإيرانيين في قادم الأيام.

مقدمة:

بقي القوس الشيعي طيلة أعوام الحرب بعيدا عن خيار الحسم العسكري الإيراني، ما جعل منه هدفا استراتيجيا كونه يشكل حلما إيرانيا لدعامة اقتصادها ورافدا متنوع الموارد لدعم ميليشياتها، وبوابة لدخول الأسلحة إلى سورية ولبنان، فضلا عن كونه المنفذ الرئيسي البري الواصل بين طهران وساحل البحر المتوسط وعلى حوافه يقع خط أنابيب التابلاين.

لفت قوس الهلال الشيعي انتباه واشنطن ومدى خطورته بامتداده إلى البحر المتوسط واتجاهاته المتعرجة يمينا وشمالا، وما يثار حول إقامة الإيرانيين  قواعد عسكرية واستغلال هذا الممر في دعم مجهودهم الحربي وتسخيره لإيصال الأسلحة الإيرانية إلى تلك القواعد، ولوصول ميليشياتها إلى مناطق نفوذها في الأراضي السورية واللبنانية.

هذه الاستراتيجية، وضعت القوس الفارسي، بل والوجود الإيراني برمته كهدف محتمل لقوات التحالف التي تقودها واشنطن، مما دفع ايران إلى حشد ميلشياتها في سورية، والحشد الشيعي في العراق للتقدم برا باتجاه منطقة البوكمال الواقعة على حواف القوس الفارسي، وبالمثل تعلو نبرة التهديد والوعيد الصادرة من واشنطن، والتي تدور حول كيفية تحجيم دور إيران واضعافها، في ظل مناداة الاستعداد العسكري بعد أن تحول القوس الفارسي إلى ثكنة  عسكرية تنتظر لحظة انفجار معركة غير متكافئة في القوة وفي تكتيكات الهجوم مقابل تكتيكات إيران الدفاعية في صحراء لا يمكن ضبطها. 

الهلال الشيعي:

ارتبط الاهتمام بهذا الممر بموجة التدخل الإيراني الطامع في المنطقة العربية وبالأخص سورية ولبنان، وبالميليشيات الشيعية المنتشرة كالسرطان في الجسد العربي، وهو ارتباط يكاد يكون ملازما للقواعد العسكرية الإيرانية، ذلك أن سورية والعراق لم تشهدا في تاريخهما المعاصر غزواً عبر حدودهما البرية مثلما حدث مع موجة الغزو الإيراني، فالحملات العسكرية الاستعمارية الفرنسية والإنكليزية عام 1920م جاءت عبر البحر المتوسط والخليج العربي، وأقامت قواعد عسكرية في الفرات الأوسط وفي العمق السوري للانطلاق إلى مدن وبلدات كلا البلدين.

وقد شكل العراق خلال حرب الخليج الأولى (1980-1988م) سدا منيعا أمام موجة الامتداد الإيراني إلى بلاد الشام، ضمن منطق الصراع الثقافي في آفاقه القومية، انطلاقا من مفهوم المكان في هذا الصراع، من هنا جاء العدوان الإيراني على العراق في ثمانينات القرن الماضي لضرب المشروع التنموي الذي يصعد الصيغة الثقافية في مفهومها الصلب تجاه التحديات التي كانت تواجهه من بوابة الشرق على امتداد التاريخ، فحول الخميني الصراع إلى مذهبي علني تدفعه أرضا خصبة لتواجد القوى الفارسية التي استقرت في العراق لتشكل جالية إيرانية نشطة في مجمل الميادين ونقاط ارتكاز على حواف الممر الفارسي العابر للعراق، ويدفع الإيرانيون تواجد مجموعات من الشيعة العرب في مقدمة الممر التي تدين غالبيتها إلى مراجع قم الإيرانية وتلتزم بفتواها، ولكن العراق الشيعي أثبت خلال سني الحرب أنه لا يقبل الطاعة السياسية الإيرانية، ولن يكون منطقة عبور إلى بلاد الشام، لذلك اعتمدت إيران الخميني مبررات إيديولوجية تمثلت في تصدير الثورة لإضفاء الشرعية على تدخلاتها، وفي نفس الوقت بدأت العمل على زرع قنابل موقوتة مثل حزب الله اللبناني والدعوة في العراق في تعبئة مذهبية بحجم التاريخ، وقد تمكن العراق الذي يعيش أجواء الحركة الإيرانية ويتابع تحركها على مدى قرون من التصدي لها وإيقاف تمددها إلى أن جاء التحالف الاستراتيجي الأميركي الإيراني المعلن في إسقاط العراق العربي تحت ذريعة نزع الأسلحة الكيماوية والمخاطر التي يشكلها نظام صدام حسين، وفي العام 2003م سلمت واشنطن كل العراق لإيران وبدأت تعمل بحرية كاملة على ترسيخ ممرها البري ولكن المعوقات التي واجهتها كانت تترسخ في منطقة الأنبار العراقية وفي الداخل السوري بأكثريته السنية، والمعترضين من شيعة العرب على هذا الممر الحيوي الذي جاء على شكل قوسا متعرجا داخل العراق تحت شعارات دينية، فقد أوكلت مهمة إسكاتهم إلى ميليشيات مهمتها تصفيتهم جسديا أو شراء ذممهم بالأموال كما حدث للكيانات السياسية العراقية التي انقادت بشكل أعمى للإيرانيين.

العقبات التي واجهت الممر الايراني داخل الأنبار تكفلت بها واشنطن باستهدافها الحركة الوطنية باعتبارها رافضة للاحتلال الأميركي ونكلت بها، إلى حين ظهور الحركات الإسلاموية المتمثلة بالقاعدة وبتنظيم الدولة لاحقا مما شكل انفراجا إيرانيا للقضاء عليها بحجة مكافحة الإرهاب، ونشطت في الداخل السوري من خلال نشر التشيع على طول محطات الممر البري، ومع أنها لم تفلح في نشاطها بوادي الفرات وما بعده صعودا باتجاه الداخل السوري، إلا أن وصول أوباما إلى سدة الحكم في واشنطن المتزامن مع انفجار الثورة السورية أطلق يد إيران في سورية وراحت تعمل على تعبيد الممر بتدمير مدن وقرى زاهرة وتشريد الأهالي على امتداد الأرض السورية، وفشلت مرة أخرى، لتتدخل روسيا الى جانب ايران بتطويع السوريين إلى أن بلغت تحقيق أهدافها بالوصول إلى آخر عقبة تعترضها عند شريط ضيق يمتد من البوكمال إلى التنف حيث القاعدة الأميركية التي شهدت تحولا في سياسة واشنطن بعد إعلان إدارة الرئيس ترامب تحجيم دور إيران في المنطقة، وإيقاف تمددها عبر ممرها الذي تعمل عليه منذ عقود لإحكام سيطرتها على المنطقة العربية، فهل تنجح واشنطن وحليفتها الرياض في قطع الطريق على الإيرانيين بعد أن تحول  إلى ميدان تحشيد وانطلاق للميليشيات الايرانية من سورية وللحشد الشيعي من العراق باعتبار الطريق منفذا بريا وحيدا لاستقبال الأسلحة الايرانية والواردات الاقتصادية؟

- القوس الفارسي في أجندات المتصارعين:

يمكن التوقف في محطة ما يمثله القوس الفارسي من أهمية بالنسبة لكل طرف من أطراف الصراع، وعلى ذلك سيجري الوقوف بعمق على بيان الأهمية الديمغرافية في منطقة امتداد الطريق واستعراض موجز لمساراته ومناقشة أهميته الحيوية بالنسبة لكل طرف وذلك وفق النقاط التالية: 

- الواقع الديموغرافي

يمكن وصف الممر الفارسي العابر في عمق المنطقة العربية في كل من العراق وسورية والمحاذي للحدود التركية في قسم منه، والمشاطر لوادي الفرات من الزاوية الجنوبية صعودا إلى السخنة فتدمر في تغيرات مساره الحالي بأنه الأكثر حساسية وتأثيرا في المنطقة، فوجود مدن جلولاء وبعقوبة والشرقاط والقامشلي ومنبج يعطيه أهمية استراتيجية كبيرة وما يتبع ذلك من قيمة جيواستراتيجية، ويعتبر الممر أهم نقاط الوصل بين طهران والبحر المتوسط ويعزز سيطرة ايران على شبكة من الطرق البرية الداخلية التي تتحكم بمساحة جغرافية مترامية الأطراف بين جنوب وشمال كل من سورية والعراق، ويكتسب هذا الممر في ظروف الحرب والسلم أهمية كبيرة بحسب طرق توظيفه. عملت ايران على تنفيذ الممر البري بين طهران والبحر المتوسط الذي يعبر بعقوبة مركز محافظة ديالي العراقية القريبة من الأراضي الإيرانية، وهي منطقة تسيطر عليها الميليشيات الشيعية العراقية والإيرانية، ومن بعقوبة يتفرع إلى فرعين، الأول: يمتد إلى الشرقاط بمحافظة صلاح الدين، ثم يتجه إلى تلعفر بالقرب من سنجار التي تسيطر عليها قوات حزب العمال الكردستاني (بي كي كي) القادمة من تركيا وسورية، ومن معبر ربيعة الحدودي بين سورية والعراق يسير الطريق بمحاذاة مدينة القامشلي وعين العرب ثم إلى منبج وصولا إلى حلب، ومنها يمتد الطريق باتجاه الجنوب إلى خناصر ثم حماة إلى أن يصل البحر المتوسط، وفرعه الثاني يعبر العمق الجغرافي العراقي وبعد أن يتجاوز أطراف بغداد الجنوبية يمتد صعودا إلى صحراء الأنبار بمحاذاة مدن الفلوجة والرمادي وصولا إلى الحدود السورية العراقية عند نقطة حميمة ومنها إلى مدينة السخنة ثم تدمر وصولا إلى العاصمة دمشق. لكن إيران اصطدمت بكثافة سكانية مرتفعة في الفرع الشمالي شكل جدارا بشريا سنيا (عرب -تركمان) لذلك فقد سعت عبر ذراعها الحشد الشيعي القيام بتطهير منطقة الممر الفارسي، وأوكلت لحزب العمال الكردستاني (ب ك ك) تطهير الطريق بين القامشلي وحلب، الذي تدعمه إيران ليكون ورقة ضغط ضد تركيا وضد الاتحاد الوطني الكردي، بينما اصطدمت عند البوكمال بمقاومة عسكرية شرسة يبديها تنظيم الدولة للدفاع عن آخر معاقله في سورية والعراق وتواجه كذلك ضغوطا سياسية أميركية بالتوقف عن مشروع فتح الطريق.

يحتل الممر الفارسي عند نقطة الحدود السورية العراقية موقعا جغرافيا متوسطا بين محافظات الشمال والجنوب السوري يبدأ من منطقة حميمة السورية ضمن منطقة صحراوية هضبية وصولا الى دمشق بطول 500كم يعبر مدنا وقرى متناثرة على حواف الطريق، يبلغ عدد سكانها حوالي مليوني نسمة، إلى جانب ذلك يتمتع الطريق بعدد من المزايا، أهمها قربه من طريق أنابيب النفط القادمة من العراق والمعروفة باسم خط التابلاين الذي يدخل الأرض السورية عند محطة t2، و t3، وt4 وصولا إلى مصفاة حمص وبانياس على الساحل السوري، فضلا عن وجود أهم المطارات العسكرية بالقرب منه كمطار التيفور والشعيرات والسين والناصرية والضمير، وتحتل إيران غالبية هذه المطارات إذ يتواجد أكثر من ألف عنصر من الحرس الثوري الإيراني داخل مطار التيفور.

- أهمية القوس الفارسي في أجندات أطراف الصراع

يحتل القوس الفارسي أهمية كبيرة لدى أطراف الصراع ويمكن الكشف عن هذه الأهمية من خلال مايلي:

أولا: الأهمية في أجندة إيران ومحاليفها:

تبرز الأهمية بالنسبة لتحالف الإيرانيين والحشد الشيعي العراقي وميليشيا حزب الله اللبناني في ضوء الاستراتيجية الإيرانية التي تعمل وفق التالي:

1- تدفق الموارد الإيرانية إلى سورية:

يدر هذا الممر إيرادات كبيرة من خلال سهولة حركة الشحن البري بدلا من النقل الجوي المكلف لجعل سورية ولبنان سوقا لتصريف المنتوجات الإيرانية الرديئة التصنيع مما يشكل لها دخلا اقتصاديا كبيرا، يذهب بأغلبه الى خزينة دعم الحرب ضد الشعب السوري واللبناني المناهض للمشروع الإيراني.

يدرك الإيرانيون أن قطع هذا الطريق يمثل بداية لانهيار مشروعهم الاحتلالي الذي يواجه عقبات اقتصادية كبيرة، ولذلك اعتبرت إيران أن القتال على هذا الممر هدف استراتيجي يقاتلون لأجل تنفيذه بكل الوسائل وفي كافة الاتجاهات، وتساندهم جبهة إعلامية لبنانية وأخرى سورية تقدم صورة مأسوية عن الوضع في المنطقة التي يسيطر عليها تنظيم الدولة لصرف الأنظار عن الهدف الاستراتيجي الإيراني.

2- تهريب الأسلحة إلى حزب الله اللبناني:

يختزن حزب الله اللبناني آلاف الصواريخ في البيوت الأهلية في الجنوب اللبناني وضاحية بيروت الجنوبية ومنطقة البقاع، وصلت إليه عبر طائرات الشحن الايرانية التي تحط كمرحلة أولى في مطار بغداد الدولي، ثم تصل إلى مطاري بيروت ودمشق، بتواطؤ من الحكومتين السورية واللبنانية، واستخدمت إيران معبر التنف عند الحدود الإيرانية ممرا لشاحنات أسلحتها لحزب الله حتى العام 2011م، واستنزف الحزب  كمية كبيرة من هذه الأسلحة في حربه ضد السوريين، ولتعويض هذا الاستهلاك العسكري تعمل إيران على تفعيل خط الهلال الشيعي للقيام بتهريب الأسلحة المختلفة لحزب الله ولميليشياتها المتواجدة على الأرض السورية.

3- تهديد الأمن الإقليمي والدولي:

تدرك إيران حجم التهديد الذي يمكنها إحداثه جراء نجاحها في تفعيل الممر البري تجاه أمن وسلامة المنطقة العربية وبالأخص المملكة العربية السعودية، والمصالح الدولية للولايات المتحدة، لذلك قامت إيران بتكثيف تواجدها العسكري في منطقة البادية السورية قبالة القاعدة الأميركية في التنف لخلق حالة تهديد مستمرة في المنطقة، ورغم تعرض المراكز العسكرية الإيرانية لضربات جوية أميركية، فإن الإيرانيين ما زالوا يعملون على وصل الحدود السورية العراقية لاستمرار تدفق مواردها وأسلحتها إلى قواعدها في مختلف مناطق نفوذ الأسد على الحدود السورية مع فلسطين في سياق تنافسها مع إسرائيل وابتزازها لتسوية قضاياها مع دول الغرب، واستخدام ميليشياتها لزعزعة أمن المنطقة كما يفعل حزب الله في لبنان وسورية.

4- الدفاع عن عمقها الاستراتيجي:

ترى إيران في المناطق الواقعة على طريق القوس الفارسي بدءا من العراق وصولا إلى لبنان خطوطا دفاعية متقدمة تشكل عمقا استراتيجيا  لها يرتبط مصيرها بمصير طهران كالمدن والمطارات العسكرية ذات الأهمية الحيوية لانتشار ميليشياتها مثل مطار التيفور الذي تسيطر عليه ميليشيا الحرس الثوري، ولذلك فإن تعرض هذا القوس لضربات جوية بهدف تقطيعه ستصيب الأنساق المتقدمة والخلفية للميليشيات الإيرانية بحالة إرباك، وستضيق بها مساحة الأرض وتصبح مناطق سيطرة الميليشيات مهددة، لذلك تعمل طهران على فتح هذا الممر بزج الآلاف من عناصرها بهدف الحفاظ عليه باعتباره يرتبط بالدفاع عن عمقها الاستراتيجي.

ثانيًا: الأهمية في أجندة التحالف الدولي

تأتي أهمية تعطيل القوس الشيعي بالنسبة للتحالف الذي تقوده واشنطن ومعها الرياض في سياق مواجهة التمدد الإيراني، والعمل على كيفية قطعه لإضعاف موقف إيران العسكري والاقتصادي، علاوة على الأهداف المشتركة المرتبطة بأمن المنطقة والمصالح الدولية، والتي يمكن إجمالها بالتالي:

1- أهمية قطع القوس في سياق التهديدات الأمنية الإيرانية:

لفت انتباه التحالف الدولي حجم التهديدات الإيرانية للمنطقة العربية مع تزايد نفوذها في لبنان، حيث تسيطر ميليشيا حزب الله على مفاصل الدولة اللبنانية والميليشيات الشيعية على مناطق سيطرة الأسد، والحوثي في اليمن الذي قام مؤخرا باستهداف مطار الرياض بصاروخ باليستي، حيث شكلت هذه الأفعال تهديدا للسلام والأمن في المنطقة، كما أن تواجد الميليشيات الإيرانية في البادية السورية يؤثر على المصالح الأميركية، لذلك تولدت قناعة لدى واشنطن والرياض بضرورة التحكم بمصدر التهديد الإيراني المتمثل في قطع القوس الفارسي، من هنا كثفت واشنطن طلعاتها الجوية في المنطقة الممتدة على الشريط الحدودي بين سورية والعراق من قاعدة التنف حتى مدينة البوكمال، ودفعت بقوات سوريا الديمقراطية "قسد" بالتحرك إلى مدينة البوكمال، لإعاقة تقدم الميليشيات الإيرانية عبر منطقة الحدود.

2- الأهمية الجيوسياسية:

شكل اندحار تنظيم الدولة مؤخرا وانحساره في منطقة البوكمال، بروز البعد الجيوسياسي لأهداف إيران في المنطقة التي تتجاوز شماعة الحرب على الإرهاب إلى أهداف جوهرية تتمثل في ترسيخ نفوذها في المنطقة العربية في سياق تنافسها مع العربية السعودية، وحديثا الولايات المتحدة، وفي هذا السياق تأتي تصريحات علي أكبر ولايتي مستشار خامنئي للشؤون الدولية بأن لبنان جزء من السياسة الإيرانية، والتهديد بتصفية رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري الذي أعلن استقالته نتيجة التدخلات السافرة لإيران في بلاده.  

فضلا عن قيام ايران بعقد مجموعة اتفاقيات عسكرية واقتصادية مع نظام الأسد بهدف إقامة قاعدة عسكرية استراتيجية على ساحل البحر المتوسط بالإضافة إلى قواعدها العسكرية المنتشرة في أغلب مناطق نفوذ الأسد، وما تثيره تصريحات الإيرانيين من تهديدات للرياض وواشنطن، ولذلك جاءت التصريحات السعودية في سياق قطع الأذرع الإيرانية في المنطقة وإجهاض ممرها البري الواصل بين طهران والبحر المتوسط.  

- القوس الفارسي في ظل التجاذبات الإقليمية والدولية:

يمكن توصيف القوس الفارسي بالمشروع الفاشل بحسب ما صرح به لبلدي نيوز  الدكتور السعودي عمر الزبيدي رئيس مركز  سيريس للدراسات الاستراتيجية، حيث قال: "لا يوجد هلال شيعي، وما تفعله إيران عبارة عن مناطق فوضى، فالامتداد ان لم يكن عائد للدولة المركزية في طهران يدخل في إطار الاستنزاف"، وأكد الدكتور الزبيدي أن "إيران أنفقت حتى العام 2016م أكثر من مئة وعشرين مليار دولار في العمليات المسلحة لقمع ثورة السوريين، عدا عن دعم اقتصاد الأسد المتهالك، والإنفاق على تدريب قواته وإمداده بالوقود، وناتج كل هذا يأتي في سياق عملية الاستنزاف على حساب الدولة المركزية، وبذلك فإن الهلال الشيعي الإيراني لا يعتبر تمددا، إنما سقوط في مستنقع سيكون أحد أهم أسباب تفكك وانهيار إيران من داخلها".

وفي ظل التجاذبات الإقليمية والدولية تبدو إمكانية فتح الهلال الشيعي  بالعملية الصعبة نظرا للعوائق التي تعترض تمهيد الطريق، فالتحالف الدولي يتفوق عسكريا وسياسيا، وتنظيم الدولة يقاتل عن آخر معاقله على طريق الهلال الشيعي، ويمكن تلخيص إمكانية قطع الهلال الشيعي بالعوامل التالية:

1- العامل العسكري:

هذه المنطقة باتت المجال الحيوي لبقايا تنظيم الدولة، فضلا عن وجود القاعدة الأميركية في التنف، لذلك تحاول الميليشيات الإيرانية فتح الطريق عبر ثلاثة محاور الأول، محور حميمة المحطة الثانية t2 والمحور الثاني على امتداده شمالا في ريف منطقة البوكمال من الزاوية الجنوبية الغربية، وهو مجال عمل ميليشيا حزب الله اللبناني وقوات نظام الأسد، والمحور الثالث من داخل الأراضي العراقية حيث يشن الحشد الشيعي العراقي وحركة النجباء والحرس الثوري الإيراني هجوما باتجاه مدينة البوكمال، وفشل المهاجمون حتى اللحظة في السيطرة على منطقة البوكمال وغالبية ريفها الذي يسيطر عليه التنظيم مع توقف ملحوظ للطيران الروسي في تأمين التغطية الجوية للميليشيات نتيجة تفاهمات سياسية مع واشنطن التي تذهب باتجاه إضعاف إيران واستنزافها في مثلث الموت، بالإضافة إلى تحريك قوات قسد باتجاه البوكمال ليكون جزء من الممر البري داخل الأراضي العراقية تحت نيران حلفاء واشنطن.

2- العامل الأمني:

من خلال استشفاف حيز المواجهة، فإن المنطقة الممتدة من أطراف بغداد الغربية وحتى العاصمة دمشق ذات طبيعية ديمغرافية ومذهبية مشتركة، تعرقل الهلال الشيعي الذي يتطلب موارد عسكرية بشرية كبيرة للحفاظ على أمن الطريق الواقع في منطقة صحراوية لا يمكن التحكم برمالها المتحركة الواقعة بالقرب من وادي الفرات، المركز الحضري ذي الكثافة السكانية العالية، وما تقوم به الميليشيات الإيرانية من عمليات تهجير للسكان يشجع على المضي في المواجهة المسلحة مما يزيد من تعطيل الممر البري وسط تصريحات واشنطن بتحجيم الدور الإيراني. لذلك من الصعوبة على إيران ضبط هذا الممر مستقبلا حتى وإن تمكنت ميليشياتها من الاتصال عند نقطة الحدود السورية العراقية.

3-العامل السياسي:

اصطدم الممر الفارسي بتبدلات السياسة الأميركية بعد وصول الرئيس ترامب وفريقه إلى السلطة، ودعوته إلى تحجيم دور إيران في المنطقة، وزيادة التدخل العسكري البري للجيش الأميركي في وادي الفرات  لمواجهة التمدد الإيراني في المنطقة، وتتخذ القوات الأميركية من معسكر التنف في البادية السورية، الواقع بالقرب من مثلث الحدود العراقية السورية الاردنية، مقرا لها.

وتعمل مع بعض فصائل الثورة السورية على صد هجمات الميليشيات الإيرانية وقوات الأسد في عمق البادية السورية، وقام طيرانها بتدمير أكثر من رتل للمليشيات الإيرانية وقوات الأسد، وهي رسائل أميركية ألا يتجاوزوا منطقة الحدود، بمعنى قطع الممر الإيراني الجديد. ويعزز هذا الاتجاه تصريح وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون الذي ربط وجود القواعد الأميركية في سورية بإتمام التسوية السلمية تزامنا مع خروج الميليشيات الايرانية من سورية، وفي هذا السياق تأتي التفاهمات الروسية الأميركية التي تجسدت بانعدام التغطية الجوية الروسية للميليشيات في منطقة البوكمال، وقيام قوات قسد المدعومة أميركيا، بالاتجاه إلى البوكمال والالتفاف حولها لتتصل بقاعدتها في منطقة الزكف لتشكيل حزام أميركي يقطع الطريق أمام الإيرانيين الذين ابتلعت البادية السورية المئات منهم في المواجهة مع تنظيم الدولة للسيطرة على هذا الممر الاستراتيجي.

- خلاصة

في ضوء العوامل السابقة، فان الملاحظ على الآلية المتبعة للتحالف الدولي أنها تسير باتجاهات تهدف بنتيجتها الى تعطيل الهلال الشيعي، وفق تدابير عسكرية معتمدة أميركيا وذلك بتدريب مقاتلين من فصيل مغاوير الثورة، الذي يسيطر على الجزء الأخير من الطريق الدولي دمشق - بغداد في محيط قاعدة التنف العسكرية الأميركية، ومهامهم الحفاظ على أمن القاعدة والحدود المشتركة في نطاق النفوذ الأميركي.

وقد تدفع واشنطن العدد الأكبر من لواء مغاوير الثورة وبعض فصائل الجيش الحر للانخراط أكثر لمواجهة الميليشيات الإيرانية إن حاولت تجاوز الحدود باتجاه العراق، فالحرب الدائرة في تلك المنطقة في أحد أهم أبعادها الاستراتيجية، الصراع على المنطقة الحدودية أي قطع أو وصل طريق "طهران - بغداد - دمشق - بيروت" الأمر الذي تطلب حشد ايران لآلاف من ميليشياتها، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى إغراق إيران في هذا المستنقع، وتوصلت مع روسيا عبر قناة منع الصدام القائمة إلى تسويات لرسم خطوط القتال ومناطق النفوذ حول قاعدة التنف بعمق 55 كم قرب العراق.

وستتوضح معالم  الهلال الشيعي بعد القضاء على تنظيم الدولة في تلك المنطقة مع وجود معطيات تشير الى فك الارتباط الاستراتيجي بين واشنطن وطهران بعد أن أزاح الرئيس الأميركي دونالد ترامب كل مجموعة أوباما التي تبنت الرؤية الإيرانية في المنطقة.