من جنيف إلى سوتشي.. هل يخرج قطار المفاوضات عن سكة الثورة؟

من جنيف إلى سوتشي.. هل يخرج قطار المفاوضات عن سكة الثورة؟
  • الخميس 7 كانون الأول 2017

بلدي نيوز – (تركي مصطفى)

توطئة

يناقش هذا الملف مؤتمر (جنيف8) في إطار العملية السياسية التي أطلقها المجتمع الدولي منذ العام 2012م بين وفد المعارضة السورية المتنوع من جهة, ووفد نظام الأسد الواجهة التمثيلية لموسكو وطهران من جهة أخرى, ونمهد لهذا النقاش باستعراض تحليلي موجز لمؤتمرات جنيف السابقة, والظروف المحيطة بجنيف 8 وصلة ذلك بمؤتمر سوتشي الذي دعت له موسكو.
 ثم نتناول بالتحليل جوانب مخرجات جنيف 8 أطرافا وخططا وتفاعلات ونتائجاً, ونقف عند تنازلات وفد المعارضة ممثلا بالمشاركين بمؤتمر الرياض2 للمفاوضات, وندرس تباينات تحويل المسار السياسي للقضية السورية من أدراج جنيف إلى سوتشي الروسية, وفق الاستراتيجية الروسية المتعجلة في التوصل لتسوية سياسية كما تريدها, والعقبات التي تواجه التوجهات الروسية, وخياراتها المحتملة وانعكاسات كل ذلك على ما سيجري في جنيف8.
مقدمة
يعتبر جنيف 8 استمرارا لمؤتمر جنيف 1 الذي عقد في مقر الأمم المتحدة بجنيف في الثلاثين من يونيو/ حزيران عام 2012، والذي حضره ممثلون عن القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف السوري، ليفضي المؤتمر إلى بيان عرف لاحقا ببيان "جنيف واحد"، والذي طالب بوقف العنف في سورية والإفراج عن المعتقلين وضمان حق التظاهر والتعبير للسوريين وانتقال البلاد إلى مرحلة انتقالية وصولا لانتخابات حرة وتعددية. إلا أن هذا البيان حمل تفسيرات متباينة بين الولايات المتحدة، التي اعتبرت أن البيان يضع أرضية رحيل الأسد، بينما اعتبرته روسيا لا يتعلق بمصير الأسد.
ويعد عامين ونيف وفي 22 يناير/ كانون الثاني عام 2014 عقدت الجولة الثانية من مفاوضات جنيف، دون أن تفضي إلى أية نتائج جديدة، حيث فشل المؤتمر فشلا كاملاً بالرغم من حضور أربعين دولة ومنظمة.  
وشهد ذاك المؤتمر استقالة  المبعوث الدولي إلى سورية وقتها، الأخضر الإبراهيمي، واعتذاره للشعب السوري عن عدم تحقيق شيء في المفاوضات، وعلل استقالته واعتذاره لرفض نظام الأسد مناقشة بند هيئة الحكم الانتقالي، حيث قال إن "وفد الأسد أصر على مناقشة الإرهاب، بينما أصرت المعارضة على مناقشة هيئة الحكم الانتقالي".
ومع استمرار الحرب الطاحنة في سورية, وفشل مسار جنيف في تحقيق تقدم في طريق وضع حدّ للصراع الدامي في سورية، اجتمعت مجموعة العمل الدولية الخاصة بسورية، في فيينا برئاسة الولايات المتحدة وروسيا أواخر العام 2015، لتنتهي الاجتماعات بالوصول إلى ما عرف حينها باسم "اتفاق فيينا" الذي نص على أن تصل المفاوضات بين الأطراف السورية المتنازعة إلى تشكيل حكومة انتقالية "ذات مصداقية وشاملة وغير طائفية"، تحدد جدولا زمنيا لكتابة دستور جديد، بالإضافة لإجراء انتخابات حرة وعادلة وبإشراف الأمم المتحدة خلال 18 شهرا.

وجاء مؤتمر الرياض1 للمعارضة السورية الذي عقد بعد أيام قليلة من لقاء فيينا نتيجة أولية لذاك اللقاء, حيث ضم مجموعات المعارضة السورية، التي شكلت هيئة عليا للمفاوضات، لتمثل هذه الهيئة, الثورة السورية في جولة جديدة من مؤتمرات جنيف حضرها ممثلو نظام الأسد والدول الراعية وجرت في شهر يناير/ كانون الثاني 2016 قبل أن تتوقف المفاوضات نتيجة اعتراض وفد الثورة السورية على استمرار هجوم قوات الأسد والميليشيات الشيعية المدعومة بغطاء جوي روسي على مدينة حلب.

وفي 25 فبراير/ شباط،  عقد جنيف4، وتميز بعرض المبعوث الدولي لسورية ستيفان دي ميستورا لتقسيم المفاوضات إلى أربع سلال، لكن النظام السوري رفض مناقشة سلة الحكم والانتقال السياسي ما نسف المفاوضات ودفعها للفشل مجدداً.

وفي مطلع شهر إبريل/ نيسان من العام الحالي اختتمت الجولة الخامسة للمفاوضات السورية غير المباشرة في جنيف، وقال مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية ستيفان دي ميستورا مع نهاية الجولة إن "الوفود المشاركة ناقشت بالتفصيل جدول الأعمال المطروح، في حين تبادل وفدا المعارضة والنظام الاتهامات بشأن عدم تحقيق تقدم في هذه الجولة"، لتكون النتيجة هي المراوحة في المكان. وفي الشهر التالي عقدت جولة جديدة من مفاوضات جنيف دون تحقيق أي تقدم، كما عقدت جولة سابعة في يوليو/ تموز لم تختلف بشيء عن سابقاتها.

ثم انطلقت فعاليات مؤتمر جنيف بنسخته الثامنة في منتصف الشهر الماضي, بتعنت وفد نظام الأسد ورفضه الدخول في مفاوضات مباشرة مع وفد المعارضة بتوجيه روسي, وفي هذا الإطار صرح لشبكة بلدي نيوز, ثابت عبارة رئيس اتحاد السوريين في المهجر, والمستنكف عن حضور مؤتمر الرياض 2, فقال: "تعنت نظام الأسد في الدخول بمفاوضات مباشرة هو نتيجة طبيعية لجولات جنيف التي عقدت على مدى أعوام، ونجح نظام الأسد ومن خلفه روسيا وإيران وبموافقة ضمنية للولايات المتحدة في تحويل جنيف إلى مجرد لقاءات إعلامية، وذريعة لقضم ما تبقى من مناطق محررة، ووضع وفد المعارضة في زوايا ضيقة عسكرياً وسياسيا", وأضاف عبّارة: "يعمل الروس على تحويل الملف السوري برمته من جنيف إلى سوتشي قفزا على القرارات الدولية لتكون سوتشي المحطة السياسية لتنفيذ عملية الانتقال السياسي وفق المشروع الروسي الذي اختزل كل ما جرى في سورية من مذابح ارتكبها نظام الأسد وطائرات بوتين ببندين لا ثالث لهما, صياغة أو تعديل الدستور, وانتخابات على الطريقة الروسية".

والمتتبع لما يجري في جنيف بنسخته الثامنة سيلاحظ أن كل ما يجري هو مجرد مماحكات بين وفدي المعارضة ونظام الأسد حول مسائل فنية بعيدة عن جوهر القضية الأساسية المتعلقة بالانتقال السياسي وفق القرارات الدولية الصادرة عن جنيف الأول والثاني.

طائرات الروس تنسف القرارات الدولية
لم تتوقف قوات نظام الأسد بمساندة الميليشيات الإيرانية وبغطاء جوي روسي عن محاولة التقدم فيما تبقى من مناطق خارجة عن سيطرة قوات الأسد, في مناطق ريف حلب الجنوبي وريفي حماة الشمالي والشرقي, علاوة على القصف المكثف بين آونة وأخرى على مجمل المناطق المحررة، ما أسفر عن ارتقاء أكثر من خمسمئة شهيد غالبيتهم من الأطفال والنساء, بهدف الضغط على وفد المعارضة في محادثات جنيف الجارية, والتوصل إلى تطبيع علاقاته مع المجتمع الدولي مقابل تطبيق القرار 2254 وفقا لرؤية روسيا, والذي يعني تشكيل حكومة وطنية يكون الأساس فيها الولاء لموسكو, وتشرف على انتخابات بعد 18 شهرا بالتنسيق مع خبراء دوليين ضمن التركيز على إعادة الإعمار, وعودة بعض النازحين تحت شروط الولاء للرئيس الوريث والعداء لمعارضيه.
عطفا على ذلك, فالأسد يدرك ومعه طهران وموسكو أنه إذا ما طبقت القرارات الدولية التي أجمع عليها أعضاء مجلس الأمن في جنيف1 و2 فإنها ستطيح به, لذلك تنبهت روسيا ومعها إيران على خطورة مأزق الأسد في المحافل الدولية فكان عملها المشترك, التنصل من تطبيق القرارات الدولية التي باتت حبرا على ورق في ظل عالم يتفرج على مذبحة الشعب السوري وبالنتيجة فنظام الأسد هو المسؤول مع حلفائه عن تعطيل المفاوضات منذ بداية الثورة السلمية في رفضه لأي حل سياسي باستخدامه العنف المفرط ضد الشعب السوري, وتركيزه على محاربة الإرهاب وتنصله من الاستحقاقات السياسية التي تلاحقه ونظامه في إطار الجرائم التي ارتكبها على مدار سني الثورة.

تعنت نظام الأسد المفتعل.. وتنازلات الرياض 2

أولى محاولات نظام الأسد إفشال مسار جنيف جاء بتوجيه روسي من خلال إرجاء سفر وفده إلى جنيف بذريعة استيائه من مخرجات مؤتمر الرياض 2 فيما يتعلق بتفسير القرار الدولي 2254 الذي يرى فيه نظام الأسد عودة إلى المربع الأول من المفاوضات مثل بند سقف المفاوضات, الذي يتضمن رحيل الأسد عند بدء المرحلة الانتقالية. واعتبر نظام الأسد أن بيان الرياض يتضمن ألفاظا نابية, إذ ورد في البيان التأكيد على أن المرحلة الانتقالية تبدأ مع رحيل بشار الأسد و"زمرته" عن السلطة. وعلق  نظام الأسد على  أن بيان الرياض2 يتضمن "شروطاً مبطنة"، معتبراً ذلك "تجاوزاً للقرار 2254 ولا يليق بمسار سياسي من شأنه التوصل إلى حل لحرب مستمرة منذ سبع سنوات", وبالمقابل فقد تداعى إلى الرياض العاصمة السعودية  140 معارضاً سورياً تحت شعار توحيد صفوف قوى الثورة والمعارضة السورية، في ظل غياب الشخصيات الرئيسية المعارضة للمشروع الروسي والوجود الإيراني في سورية وعلى رأسهم رياض حجاب رئيس هيئة التفاوض المنبثقة عن مؤتمر الرياض1 لذلك جاء مؤتمر الرياض2 على شكل تنازلات مبطنة يمكن إجمالها بالآتي:

-بقاء الأسد في المرحلة الانتقالية، بخلاف نص بيان الرياض1 على أنه "لا مكان لبشار الأسد وزمرته" في النظام السياسي الناشئ عن عملية الانتقال السياسي، أما بيان الرياض 2 فيقول إنه يجب أن يرحل في بداية المرحلة الانتقالية.

 - اختصر بيان الرياض 2 عملية الانتقال السياسي المبنية على البنود الواردة في بيان جنيف (30 يونيو/حزيران 2012)، في إطار ضمانات دولية مدعومة بقوة الشرعية الدولية"، إلى عملية تحول سياسي تتضمن "صياغة دستور" و"انتخابات". وهو ما يتوافق مع المشروع الروسي الذي تعتزم تنفيذه في سوتشي والذي يتمحور حول صياغة دستور ثم انتخابات.
- أخطر تنازلات الرياض2 جاءت في البند المتعلق بإعادة هيكلة مؤسسات الأسد الأمنية والعسكرية، وضمان حقوق العاملين فيها". أي أن الذين خدموا في أجهزة أمن الأسد بكادرها الحالي والذين واجهوا ثورة السوريين وما نتج عنها من جرائم, تعهد الرياض2 بتكريمهم ودفع حقوقهم كاملة بدلا من التأكيد على محاسبة المجرمين منهم وفق قوانين العدالة الدولية وسوقهم إلى محاكم جرائم الحرب والإبادة.

- تنازل وفد الرياض2 عن بند إجبار نظام الأسد الالتزام بالقرارات الدولية, واكتفى بمطالبة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بتنفيذ بنود قرارات مجلس الأمن، والعمل القوي والجاد لتطبيق القرارات الخاصة.

- قبول وفد الرياض2 "تطبيق اتفاقيات خفض التصعيد بشكل فعلي وحازم أي القبول بوقف إطلاق النار قبل التسوية السلمية.

- أكد بيان الرياض2، أن مرجعيته هو البيان الصادر عن المشاركين في الرياض2 دون الإشارة إلى مرجعية وفد التفاوض الذي يقوده نصر الحريري بمعنى إفساح المجال لمرجعيات أخرى قد تنشأ في المستقبل المنظور وعلى رأسها منصة موسكو.

وفي هذا السياق يأتي تعنت وفد نظام الأسد وتنازلات وفد الرياض2 ملائمين لظروف انعقاد مؤتمر سوتشي الذي دعت له موسكو في شباط القادم لتفعيل مشروعها السياسي القائم على صياغة دستور جديد أو تعديل الدستور وإجراء انتخابات في ظل وجود الأسد.

أستانا.. منعطف روسي عن جنيف باتجاه سوتشي

بينما تحاول روسيا نقل الملف السوري من جنيف عبر مفاوضة ممثلي المعارضة وصولا إلى تسوية سياسية تتوافق مع رؤية نظام الأسد بتشكيل حكومة وحدة وطنية تحت مظلة الأسد، انعكاسا لآراء موسكو في مناقشة التحول السياسي في الآستانة لتفريغ مؤتمر جنيف من مضمون قراراته الفعلية. جاء ذلك بالتزامن مع سيطرة قوات نظام الأسد على مدينة حلب أواخر العام 2016، إذ دعت روسيا وتركيا وإيران إلى جلسات تفاوضية في العاصمة الكازاخية أستانة، لتعقد سبع جولات من المفاوضات "الأمنية" في أستانة أنتجت ما عرف باتفاقات "خفض التصعيد" في مناطق سيطرة المعارضة السورية، مع استمرار قضم المناطق المحررة دون مراعاة الدول الضامنة التي تقوم ذاتها بتلك الخروقات المستمرة. وما المعركة التي تشنها حاليا قوات نظام الأسد والميليشيات الشيعية بغطاء جوي روسي إلا تنفيذا لقرارات آستانة التي وضعت المناطق المحررة على شكل مناطق نفوذ, فكان أحد بنودها وضع منطقة شرق سكة حديد الحجاز التي تخترق المنطقة الفاصلة بين مدينتي حلب وحماة تحت النفوذ الروسي, لذلك دمرت قرى بأكملها وشردت أهلها لتطبيق قراراتها, وتمكنت سياسيا من استمالة تركيا الحليف القوي للثورة السورية ليتحول موقفها إلى ضبابي وينحصر في منع قيام كانتون كردي على حدودها الجنوبية المشاطرة لسورية.
 بينما لم يتغير الموقف الأميركي لإدارة الرئيس دونالد ترامب التي تركز على مكافحة التنظيمات الإرهابية وتثبيت مناطق النفوذ في سوريا، ولا تهتم بمفاوضات جنيف الحالية، وقد عبرت عن ارتياحها لوقف إطلاق النار ما دام يفضي إلى مقاتلة التنظيمات الإرهابية, ولم يتبق معارضة أمام نقل الروس الملف السياسي السوري بالكامل من جنيف إلى سوتشي، في ظل استعداد روسيا لتصفية ملف القضية السورية سياسيا، بعد أن حددت موعدا لانطلاق ما أسمته مؤتمر سوتشي للحوار السوري من أجل صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات ومشاركة للمعارضة في السلطة بدلا عن بيان مؤتمر جنيف 2012 في محاولة لاستثمار تدميرها لسورية وما تسميه نصرا عسكريا, لتصفية الملف السوري سياسيا, وادعائها توصل السوريين إلى تسوية سلمية تعيد تأهيل الأسد سياسيا من جديد بالتوافق مع معارضة صاغتها ورعتها في موسكو تنفيذا لشرعنة احتلالها لسورية.

خلاصة
 من خلال استعراض مجريات مؤتمر جنيف 8, وما يعترض مساراته من ألغام وأفخاخ وتباينات في تفسير القرارات الدولية, واعتزام روسيا الذهاب إلى سوتشي, ينبغي على المعارضة السياسية المخلصة لقضية الشعب السوري العمل المنظم في إدارة الصراع السياسي من خلال التمسك بثوابت الثورة السورية وفق القرارات الدولية الصادرة في جنيف كأساس عملي لأي تسوية سياسية, ولا يكفي إعلان وفد المعارضة في جنيف تحفظهم على بعض الرؤى المتعارضة مع تطلعات الشعب السوري, ما دام رعاة ودعاة التسوية السياسية طرفا في العدوان على الشعب السوري الثائر, وهنا يفترض بوفد المعارضة السياسية التفاعل مع حاضنة الثورة للوقوف ضد كل المشاريع التي تحاك في دهاليز سوتشي التي تعتزم موسكو تنفيذها لتصفية الثورة السورية سياسيا بعد أن أجهضتها عسكريا.