سوتشي.. سلام الاستسلام

تقارير

الأحد 31 كانون الأول 2017 | 5:49 مساءً بتوقيت دمشق

سوريامؤتمر سوتشيمناطق خفض التصعيدروسيا نظام الاسدسوتشي

  • سوتشي.. سلام الاستسلام

     بلدي نيوز – (تركي مصطفى)

    أثناء كتابة هذه الورقة, تقوم الميليشيات الشيعية الإيرانية وتلك التابعة للأسد بهجوم بري ضد المناطق المحررة الخاضعة لـ"خفض التصعيد"، مسنودة بالطيران الجوي الروسي تنفيذا لمخرجات أستانة, وكخيار ضرورة لسوق الجميع إلى مؤتمر "سوتشي" الذي تعتزم روسيا التمهيد له عبر قتل الأطفال والنساء وتدمير المدن والقرى والتوسع في مناطق لم تكن خاضعة للأسد، كمؤشر واضح على وضع روسيا خيار الحسم العسكري موضع التنفيذ في حال رفض مشروعها السياسي العلني في إبقاء الأسد على رأس سلطة الأمر الواقع. ويضاعف من تأكيد هذا الخيار ما ذكره أزلام بوتين نقلا عن مبعوثه الخاص إلى سورية الكسندر لافرنتييف "الذين يرفضون رئاسة الأسد لن يكون لهم مكان في مؤتمر سوتشي", بمعنى أدق, التأكيد على التخلي المسبق عن المطالبة برحيل الأسد, وقد أبدى الروس موقفهم المشروط من سوتشي بأجندتهم العلنية في مصادرة واضحة لمضامين القرارات الدولية، ومنها بيان جنيف1، وقرارا مجلس الأمن 2118 و 2254, كما تشي الحملة الجوية الروسية, والتعزيزات العسكرية للميليشيات التي تصل تباعاً إلى المناطق المحررة والمعارك الملتهبة في أرياف إدلب وحماة وحلب, وفي القنيطرة.

     تأتي كل هذه التطورات في إطار التحضير التدريجي لمتابعة قضم المناطق المحررة بصرف النظر عن فشل الروس في سوتشي أو نجاحهم.
    في هذا الصدد، تؤكّد شواهد الأحداث السياسية والعسكرية منذ بدء التدخل الروسي في سورية وضعهم خيار الحسم العسكري موضع التنفيذ تزامنا مع موقفهم السياسي في مجلس الأمن لتعزيز قبضتهم على سورية وتمكين الأسد الوريث من البقاء في السلطة لشرعنة احتلالهم سورية. 

     

    سوتشي.. مؤتمر بمنطق "المنتصر"

    ومن أبرز الوقائع المؤكدة على هذا المذهب، حجم الجرائم والدمار والخراب الذي ارتكبته الطائرات الروسية لحسم الصراع العسكري لصالح نظام الأسد, وأما سياسيا, فلقاءات آستانة كانت مقدمة لمؤتمر سوتشي الذي يعني تصفية الثورة سياسيا. فالإستراتيجية الروسية تقوم على مبدأ المنتصر هو من يقدّم خيار القوة على خيار السلام, لذلك استباحت الطائرات الروسية المناطق المحررة, وأتاحت للميليشيات الشيعية الإيرانية انتهاك  كلّ محرم؛ من مالٍ، وعرض، ودم. وقامت في كل مرة بتكريم ومكافأة قادة في اللواء الخامس مرتزقة, كل بقدر حجم جرائمه في استباحة الدم السوري. لتندرج كل الجرائم الروسية تحت شعار وأد الثورة, الأمر الذي لم تستطع تحقيقه, لذا لجأت إلى حالة التطبيع القسري للإقرار بالواقع الأسدي المستأثر بالسلطة الموروثة, بالقوة العسكرية.

     "سوتشي" هو الأكثر فاعلية ويبدو أنه الأسبق في التنفيذ من أي مسعى سياسي قدمته الأطراف الدولية في جنيف أو في التفاهمات الثنائية بين واشنطن وموسكو, ومهدت له بآستانة بقصد تثبيت وقف إطلاق النار لعزل فصائل الثورة عسكريا عن الصراع الدائر وقتذاك ضد تنظيم "الدولة" في وادي الفرات, تمهيداً للدخول في مفاوضات لحلّ الأزمة سلمياً، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، وكان الخيار العسكري هو الأسبق، لفرض السيطرة الروسية بالقوة المسلحة على البلاد كلها, ونسف كل مبادرات السلام التي دعت إليها في آستانة، بعد الالتفاف عليها طويلاً، وفق استراتيجية من يجيد تقدير الموقف من الحسم العسكري تقديراً دقيقاً، لذلك جاء سوتشي لوصد الأبواب أمام أيّ مسعىً حقيقي إلى السلام، ونسف "قرارات جنيف" التي أقرها ممثلو الدول الكبرى لتسجل الدعوة إلى هذا المؤتمر شهادةً أخرى على أنّ تجربة الحسم العسكري في تثبيت سلطة الأسد المستولى عليها، هي المألوف في الاستراتيجية الروسية، وأنّ ما سوى ذلك لعب بالوقت ومحاولات ابتزاز سياسية، بهدف تمكين سلطة الأسد بالقوة، وطي وثائق جنيف باعتبارها  أقوى الوثائق السياسية الدولية لحل الصراع في سورية.

    المعارضة تشل المخطط

    "سوتشي" آخر محطات السجال بين خياري "القوة والاستسلام" الذي يعتزم الروس تنفيذه بالدبلوماسية المخاتلة, وذلك بإشراك ستيفان ديمستورا مبعوث الأمم المتحدة  لحل الأزمة السياسية في سورية، لإضفاء شرعية دولية على سوتشي بهدف تثبيت دعائم سلطة الأسد بالتوسع القسري للميليشيات الإيرانية وتلك التابعة للأسد في المناطق التي تشهد تصعيدا عسكريا غير مسبوق لفرض استراتيجيتها والوصول بسورية إلى ما هي عليه الآن من الانقسام والصراع على النفوذ بين القوى المحلية والإقليمية والدولية.

    ويبدو أن حجم المقاطعة المعلنة من فصائل الثورة وشخصيات سورية معارضة للمؤتمر, دفع بروسيا إلى محاولة المناورة لإقناع من أمكن من المعارضين بالحضور، عبر ادعائها أن مؤتمر سوتشي يجب أن يعقد برعاية الأمم المتحدة. غير أن السياق العام  لمؤتمر سوتشي،  يراد منه الحلول مكان مسار جنيف والأمم المتحدة، ليقتصر على إعداد دستور جديد أو صياغته, وإجراء انتخابات شكلية جديدة تبقي الأسد ونظامه مع إعطاء بعض المعارضين مقعدا في البرلمان وكرسيا في الحكومة.

    جاءت ردود فعل كيانات المعارضة المتباينة على حضور سوتشي مختلفة ففريق آستانة اختار التشاور مع المنظمات الثورية العسكرية والمدنية, وأشار بقبوله المشاركة في المؤتمر في حال كانت نتائجه تسهم في دعم محادثات جنيف, أما وفد الهيئة فقد اشترط لحضوره التوافق بين مكوناته, وهذا يعني أن وفدي آستانة والهيئة وافقا على الحضور بشرط استجابة راعي المؤتمر وتفاعله في الشراكة معهما, بينما أعلن الائتلاف والقوى العسكرية الثورية على الأرض رفضهما التام لحضور سوتشي باعتباره التفافا على مخرجات جنيف. وهنا تبرز أسئلة, طرحها متابعون لسياق السياسة الروسية, وهي بلا شك برسم دعاة المعارضة إلى سوتشي:

    هل الدعوة إلى المؤتمر مفتوحة, ومن هي الجهة التي تحدد أسماء المعارضين, وما نسبة المعارضة في الحضور, ومن الذي يحدد صياغة دستور للبلاد, وهل أحزاب نظام الأسد محسوبة على المعارضة, وهل مخرجات المؤتمر تتبنى القرارات الدولية الخاصة بالصراع السوري, أم أن الروس سيعملون على استصدار قرارات أممية جديدة تتوافق مع استراتيجيتهم؟

    المعارضة المذبذبة لا تريد البحث في تفاصيل هذه الأسئلة لأنها لا تملك قرار نقاشها لارتهانها للدول الداعمة المؤيدة بأغلبيتها لرؤية موسكو بحسب ما تفرضه مصالحها.

    لذلك انطلقت حملات شعبية تندد بمن يقبل سوتشي وتصفهم "بالخونة" وترفض رفضا قطعيا حضور مؤتمر روسيا. وفي هذا الاتجاه, وجهت شخصيات سورية معروفة في المعارضة "نداءاً" لمقاطعة مؤتمر سوتشي، أبرزها "برهان غليون، ميشيل كيلو، وعبد الباسـط سيدا، اللواء سليم إدريس، جورج صبرا، وسواهم". وأشارت هذه الشخصيات، في بيان إلى أن "روسيا وقفت موقف العداء لثورة الشعب السوري، فعطلت مجلس الأمن، واستخدمت 11 مرة حق النقض للدفاع عن نظام الأسد وتجنيبه المساءلة". وأوضح البيان "أنها شاركته في تطبيق سياسة الأرض المحروقة، بالقصف الوحشي الأعمى، وتدمير المدن، والمرافق العامة، والمدارس والمستشفيات، وبالتهجير القسري للسكان، وأحبطت كل محاولات محاسبته من قبل المنظمات الحقوقية الدولية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية". واعتبر البيان أن مؤتمر سوتشي "يأتي في سياق العمل للإجهاز على ما تبقى من قوى الثورة والمعارضة وتحقيق الانتصار الكامل للأسد والحليف الإيراني، وفرض دستور مزيف يضمن بقاء الأسد والاحتلالات الأجنبية الضامنة له، بمساعدة انتخابات تجري تحت إشراف الأجهزة الأمنية وبقيادتها، وهي قادرة على تعطيل أي مراقبة سورية أو أممية".
    وأشار البيان إلى أن روسيا تحاول "تقويض مفاوضات جنيف وتفريغها من محتواها, ونسف القضية الجوهرية المنصوص عنها في كل قرارات الأمم المتحدة، وهي قضية الانتقال السياسي من نظام الاستبداد والعنف الممنهج نحو نظام ديمقراطي"، ودعا الموقعون على البيان إلى مقاطعة المؤتمر وإفشاله، لأنه  يشرعن الاحتلال الروسي والإيراني ويكرسه "بتحويله إلى وجود عسكري ضامن لتنفيذ قرارات مؤتمر سوتشي، والالتفاف على مسألة الاحتلال ووجود المليشيات والقوى الأجنبية في سورية". وطالب الموقعون على البيان الأمين العام للأمم المتحدة وأمين عام الجامعة العربية وأعضاء مجلس الأمن والدول الصديقة والمنظمات الحقوقية والقانونية الدولية "التدخل لفرض التزام روسيا، وجميع الدول المعنية، بالمواثيق والقرارات الدولية، والتأكيد على اعتبار مؤتمر جنيف وقرارات مجلس الأمن الإطار الوحيد الشرعي لإنجاز مفاوضات الحل السياسي في سورية".
    وفي هذا الصدد؛ وصف بيان لفصائل الثورة السورية, ووقع عليه 500 فصيل عسكري، روسيا بأنها "دولة معتدية ارتكبت جرائم حرب بحق السوريين"، مشدداً على وجوب "محاسبتها من قبل المجتمع الدولي لدفاعها عن النظام وتعطيل مشاريع إدانة النظام، وادعائها زوراً محاربة الإرهاب". وأكدت الفصائل التزامها بمسار الحل السياسي وفق "جنيف 1" والقرار 2118، والقرار 2254 والقرارات الدولية ذات الصلة، ورفضها محاولات روسيا الالتفاف على مسار جنيف والقرارات الدولية، مطالبة، في الوقت ذاته، بالإفراج عن المعتقلين وفك الحصار عن المحاصرين. ومن بين الفصائل الموقعة على البيان "حركة أحرار الشام"، و"جيش الإسلام"، و"الجبهة الشامية"، و"فيلق الرحمن".

    سلام الاستسلام!
    ومع أن أطرافا سياسية كالائتلاف, وعسكرية معارضة كالجيش الحر والفصائل الإسلامية ترفض مؤتمر سوتشي, وتتمسك بقرارات جنيف إلا أن هذا الموقف من سوتشي يتطلب تناغما بين الداخل والخارج على مستوى الإدارة الذكية لقوى المعارضة, وإلزام وفد المفاوضات بالتوقف عن تقديم تنازلات تتعلق بقبول استمرار الأسد ونظامه على رأس السلطة, وانتظار ما يؤول إليه تبدل المصالح الدولية التي بدت تطفو على السطح بعد تجدد النزاع شرق أوكرانيا, والانتخابات الروسية ومونديال موسكو لكرة القدم, وموقف الولايات المتحدة الأميركية التي سيطرت مؤخراً على آخر حقل نفطي في الضفة اليسرى للفرات, وتحتل ما يقارب نصف مساحة سورية، والتي تبدو غير آبهة بسوتشي ومآلاته ما دامت حصتها من الغنيمة محفوظة ولا ينازعها عليها أحد, ومع ذلك فهي ليست مرحبة بانعقاد المؤتمر، وتأمل فشله بهدف  تحجيم الدور الروسي في سورية، وهو ما تحاول موسكو تفاديه، لأن الفشل يضاعف من صعوبة تنفيذ استراتيجيتها في سورية باعتبارها الطرف الأكثر هيمنة على القرارين السياسي والعسكري في سورية.

    هذه التطورات قد تضع المنطقة في أفق جديد، تكون فيه روسيا في حال أسوأ مما هي فيه اليوم, فضلا عن توقعات أخرى بتحولات إقليمية قد تحدث قريبا, بحيث ينهار معها تحالف روسيا وإيران ومعهما الأسد, مع دعوات جدية لكبح جماح المهرولين إلى سوتشي, وإعادة هيكلة ما تبقى من فصائل عسكرية معارضة ضمن مشروع وطني جامع وعدم إعطاء ذرائع إضافية للروس للعدوان على المناطق المحررة تحت شعار "محاربة الإرهاب", وإن لم تفعل قوى الثورة فليس أمامها سوى "سوتشي" وهو يعني شكلا من أشكال "سلام الاستسلام" الذي تنوي روسيا فرضه على السوريين.

    سوريامؤتمر سوتشيمناطق خفض التصعيدروسيا نظام الاسدسوتشي