آلية تنفيذ "سوتشي".. بين المطامع الروسية ورفض المعارضة

تقارير

الخميس 4 تشرين الأول 2018 | 7:33 مساءً بتوقيت دمشق

ادلبتركياروسيا ايرانالاتفاق الروسي التركي

  • آلية تنفيذ

    بلدي نيوز - (تركي المصطفى)
    احتل اتفاق "سوتشي" الذي تعمل على تطبيقه اللجان التقنية لكل من روسيا وتركيا، مساحة كبيرة من خريطة الحرب الدائرة في سوريا منذ العام 2011م، وعملت تركيا على التخفيف من هواجس المعارضة من أن تكون غصتهم المستقبلية، في حال استأثر الروس ومن خلفهم نظام الأسد وإيران بالمنطقة المحررة، سواء بالحروب العنيفة أو سياسة التطبيع بالقوة الناعمة، أو بأي شكل من أشكال الهيمنة.
    مقدمة
    تمكن الروس من اجتياح المناطق المحررة منذ تدخلهم في سورية في 30 سبتمبر/أيلول عام 2015م، وسيطروا على أغلبها بمؤازرة ميليشيات عسكرية تتبع لنظام الأسد وإيران، وشرعوا بانتهاج طرق أخرى لفرض وجودهم على ما تبقى من مناطق خارجة عن نفوذ الأسد، عبر التوسع والانتشار غير المسلح، أو ما أطلق عليه الروس تسميه "المصالحات"، وهي خطوة متقدمة استمدت شرعيتها وديناميتها من "آستانة"، وما حققوه على الأرض من إخضاع للمدن والاستيلاء على مواقع نفوذ فصائل المعارضة، مستفيدين من الانصراف الدولي والإقليمي عن الشأن السوري، ومن حالة الصراعَ الفصائلي.
    ولم تمنع هذه الاستراتيجية من اللجوء إلى خيار "القوة المفرطة" الذي اتُّبع لإخضاع مناطق شرق سكة حديد الحجاز، وغوطة دمشق الشرقية، ودرعا في الجنوب السوري، وصولاً إلى محاولة اجتياح إدلب تحت مدعى محاربة "الإرهاب"، ليتوصل الشريكان التركي والروسي إلى اتفاق "سوتشي".
    وتوقف محللون سياسيون وعسكريون متابعون للشأن السوري عند جزيئاتٍ تقع على حواف هذا الاتفاق دون اختراق عمق بنوده وجوهرها، نظرا لضبابيته من جهة، والتداعيات التي قد تنشأ نتيجة التناول الصريح للاتفاق كقضية حساسة من هذا النوع، تتموضع وراء ما يجري من غايات روسية من جهة أخرى، ولذلك تغيب التفسيرات الحقيقية، وتطغى الذرائع والتخمينات والافتراضات.
    المطامع الروسية بين رفض المعارضة والموقف التركي
    كل ما يثار من جدل حول تفسير تفاصيل اتفاق "سوتشي"، يعني أن روسيا تدير الصراع على إدلب لتحقيق مجموعة من الأهداف المرحلية التي ذكرها لافروف، والتي اعترضت عليها فصائل المعارضة واعتبرها الأتراك تخلّ بالشراكة مع الروس، وتؤسس لخلاف كبير ويتصدرها ما يلي:
    ــ رغبة موسكو في إنشاء المنطقة العازلة بعرض 15 إلى 20 كم، ضمن مناطق سيطرة المعارضة السورية فقط، على عكس ما كان متوقعاً بأن يتم إنشاء المنطقة مناصفة في مناطق نظام الأسد والمعارضة شمال غرب سورية.
    ــ الاتفاق المعلن لم يذكر بالتفصيل حدود المنطقة العازلة، واكتفى بالقول إنها تقع على "خطوط التماس" بين النظام والمعارضة، الواقعة عملياً على الحدود الإدارية بين إدلب وأجزاء من محافظات مجاورة، وهي ريف حماة الشمالي وريفي حلب الغربي والجنوبي، وريف اللاذقية الشمالي.
    ــ تسيير روسيا دوريات تركية مشتركة مع قواتها ضمن المنطقة العازلة من جهة المعارضة، التي رفضت وجود قوات روسيا في المناطق التي تسيطر عليها.
    ــ ضغط موسكو لتتواجد بالاشتراك مع ميليشيا الأسد، وقوات المعارضة والقوات التركية على أوتسترادي "اللاذقية - حلب، وحماه – حلب"، ويمران ضمن مناطق سيطرة المعارضة السورية، بهدف استدراج قوات المعارضة لدمجها مع ميليشيا الأسد.
    استجابة تركيا لاعتراض الفصائل
    تناقلت مصادر مختلفة أنه لم يتم استشارة "فصائل المعارضة" حين أبرم الأتراك الاتفاقات مع الروس، وبعدما اطلع قادة الفصائل على آلية تنفيذ الاتفاق، وبأن المنطقة العازلة ستكون في غالبيتها ضمن مناطقهم، فيما ستكون للروس نقاط مراقبة محددة ضمن مناطق نظام الأسد مع تسيير دوريات مشتركة روسية تركية يحق لها تفتيش مقرات الفصائل، كما سيكون للروس ولأجهزة أمن نظام الأسد حضورا على الطرق الدولية داخل مناطق المعارضة؛ فكانت الصدمة كبيرة وقد عبّر عنها بيان "جيش العزة" الذي يقوده الرائد "جميل الصالح" أحد الذين بلّغوا بتفاصيل اتفاق "سوتشي"، حيث رفض "جيش العزة" وهو أحد أبرز فصائل الجيش السوري الحر في ريف حماة الشمالي، تسيير دوريات روسية في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة شمال حماة، مشيراً إلى أن اتفاق "سوتشي" يتضمن إنشاء منطقة خالية من السلاح الثقيل بعرض 15 - 20 كم، يفترض أن تكون بين مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة الفصائل، إلا أنه تبين لاحقاً أنها ستكون بكاملها ضمن مناطق المعارضة فقط، مطالبا بأن تقسم المنطقة الخالية من الأسلحة الثقيلة مناصفة مع مناطق سيطرة قوات النظام، وطالب الجانب التركي بألّا يكون اتفاق "سوتشي" كاتفاق "خفض التصعيد" الذي انهارت فيه المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة، مشيراً إلى أن مقاتلي الجيش سيبذلون "الغالي والنفيس في سبيل الدفاع عن الأرض"، فيما قالت "الجبهة الوطنية للتحرير"، التي تضم أكبر فصائل الجيش السوري الحر في شمال غرب سورية، إنها أبلغت أنقرة رفضها أي وجودٍ للجيش الروسي ضمن المنطقة العازلة، التي تم الاتفاق على إنشائها في قمة "سوتشي".

    وأصدر المتحدث باسم "الجبهة الوطنية للتحرير"، النقيب حاجي مصطفى بياناً قال فيه؛ إنه "جرى لقاء مطول مع الحليف التركي بخصوص بنود الاتفاق وموضوع التواجد الروسي في المنطقة المعزولة على وجه التحديد، تمت فيه مناقشة الأمر وتم إعطاء موقف واضح برفض هذا الأمر، من قبل "الجبهة الوطنية للتحرير"، وهناك وعد منهم بعدم حصول هذا الأمر، وهذا ما تم تأكيده اليوم من الجانب التركي".
    وغَرَّدَ مسؤول المكتب الإعلامي لـ "فيلق الشام"، "أبو عمر فيلق" في حسابه على موقع "تويتر"؛ "لا دخول لقوات روسية إلى المناطق منزوعة السلاح، ولا دخول لمؤسسات نظام الأسد إلى المناطق المحررة، وسترد القوات التركية على أي خرق من مناطق العدو الأسدي، كما ستفتح الطرق الدولية بحماية الجبهة وبرعاية تركية".
    ووفقا لتسريبات مصدرها المعارضة؛ فإن أنقرة تفهّمت مطالب المعارضة، وأن الأمر حُسم لصالح عدم وجود الروس ضمن المناطق منزوعة السلاح التي تسيطر عليها، ويبدو أن قادة الفصائل وافقوا على أن تكون المنطقة العازلة ضمن مناطق نفوذهم فقط، بعد أن أبلغتهم تركيا بذلك، كما صرح الجانب التركي بأن عملية الإشراف على هذه الطرق ضمن مناطق سيطرة المعارضة ستكون من قبل "الجبهة الوطنية للتحرير" وبإشراف تركي فقط.
    تفاهمات بمقاسات المصالح
    على الرغم من المواقف المتباينة بين الروس وأحلافهم، وبين تركيا ومعها فصائل المعارضة، وما ترتب على ذلك من خلاف بشأن بعض التفاصيل في مقررات الاتفاق، ومدى تأثيره في مجالات التعاون القائم بين الجانبين، والذي يرتقي إلى مستوى المطامح سواء كان ذلك التعاون -بحسب ما يُفهَم من الاتفاق- في إدارة المنطقة العازلة، أو المواجهة العسكرية والسياسية مع التنظيمات الخارجة عن الاتفاق بما فيها تحرشات الأسد والإيرانيين، يمكن تلخيص مجالات التعاون بينهما فيما يلي:
    التفاهم النهائي حول إدارة المنطقة العازلة
    حددت اللجان التقنية من مخابرات روسيا وتركيا المنطقة العازلة في أن تكون ضمن المناطق المحررة بعمق 15 – 20كم يديرها الجيش التركي بالاشتراك مع كوادر فصيل "الجبهة الوطنية للتحرير"، ودفع الفصائل الإسلامية المتواجدة في نقاط التماس إلى الشمال، وفرض قوى معارضة موالية للأتراك يتولون الإشراف على المنطقة العازلة، ابتداء من 15 تشرين الأول/ اكتوبر الجاري، وقد اعتمد الروس في هذه المنطقة استراتيجية خاصة أكثر عدوانية من جميع مناطق خفض التصعيد، في محاولة للهيمنة المطلقة عليها، وهذه الاستراتيجية تسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف وفقًا لمبدأ "المكاسب"، وحاولت تركيا مرارا إفشال سياسة الهيمنة الروسية التزاما بمسؤوليتها الأخلاقية وفقا لمرجعية "سوتشي" التي لا ينبغي لروسيا أن تتعدى مبدأ "المكاسب النسبية"، لأن موافقة الأتراك على المطالب الروسية في إدارة المنطقة العازلة، يحدث خللا في ميزان الشراكة لا سيما في سوريا التي يكتنفها التنافس الإقليمي والدولي، ويطغى عليها الخداع الذي طالما يلجأ إليه الطرف الإيراني، لذلك أصرّت أنقرة أن تكون إدارة المنطقة المحررة وقفا عليها وعلى أطراف من المعارضة ممثلين بـ "الجبهة الوطنية للتحرير".
    المكاسب الاستراتيجية المشتركة
    مع تجلِّي الكثير من شواهد الشراكة الروسية التركية، سياسيًّا، واقتصاديًّا، وعسكريًّا، يتضح سعيهما إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب وعلى نحو مطلق، بما يعزِّز طموحهما السياسي، والاقتصادي، والعسكري، ودورهما كقوة ذات تطلع إقليمي ودولي، تسابق منافسيهما نحو حقبة جديدة، وبناء على ذلك فإن أبرز الأهداف الاستراتيجية التي تسعيان إلى تحقيقهما في المنطقة العازلة ومن خلالها، تتبلور فيما يلي:
    ــ تعزيز نفوذهما الجيوسياسي في سوريا بما يحقق تقوية موقفهما العسكري والاقتصادي في المنطقة، ودعم مركزهما السياسي في المحافل الدولية التي تشهد تنافسًا شديدًا مع الولايات المتحدة ومستقبليا مع إيران.
    ــ توسيع مشاركة روسيا في مكافحة "الإرهاب"، الذريعة التي احتلت بموجبها سوريا، وتبرئة ساحة تركيا من التهم الموجهة إليها بشأن دعمها بعض الجماعات المصنفة بـ "الإرهابية".
    نتيجة
    يبدو أن الشكل النهائي للمنطقة العازلة سيكون حصرا في المناطق المحررة، مما يعني أن كل المنطقة الواقعة جنوب وشرق الطرق الرئيسية الواصلة بين حلب اللاذقية، وحلب حماة، وتضم ريف إدلب الجنوبي، وريف حماة الشمالي، وريفي حلب الغربي والجنوبي، وريف اللاذقية الشمالي، منطقة منزوعة السلاح مع إخلاء المنطقة من فصائل الثورة المقاتلة، وبقاء بعض الفصائل إلى جانب الأتراك، ويفسر بعض قادة المعارضة أن نزع السلاح من هذه المنطقة لا يؤثر سلبا من الناحية العسكرية في حال وجود سلاح ثقيل متمركز بالقرب من خطوط الدفاع يمكن أن يشارك بإعاقة أي هجوم، أي -السلاح الثقيل للقوات التركية- حيث ستعمل تركيا على إدخال سلاحها الثقيل الموجود في المنطقة، وتشارك في الأعمال الدفاعية ضد أي هجوم بري محتمل.
    ولكن ما لم يأخذه أحد في الحسبان، هو تواجد الميليشيات الإيرانية بمحاذاة المنطقة العازلة على شكل قوس نصف دائري، حيث لا تزال تتمركز في مواقعها العسكرية، وتتوزع هذه المواقع ما بين ريف حلب الجنوبي ومحيط بلدتي "نبل والزهراء" بريف حلب الشمالي، وفي الريف الشرقي لإدلب والريفين الشمالي والجنوبي لحماة وسهل الغاب بريف حماة الشمالي الغربي، ومعظمهم من الطائفة "الشيعية" من المنضوين تحت راية "الحرس الثوري" الإيراني والميليشيات التابعة له، من أفغان وعراقيين ولبنانيين، لذلك لا يمكن أن تكون "روسيا أو ميليشيات الأسد أوإيران" مقبولةً أو مأمونة الجانب في مناخ غير حربي، إلا بانتهاج مبدأ القوة المفرطة اتجاه فصائل الثورة والحاضنة الشعبية، لذلك تعتمد استراتيجية "العنف" في المناطق التي تجتاحها؛ ليكون وجودها ونشاطها أمرا غير قابل للرفض أو المساومة بعد انتزاع ذلك بموجب اتفاقية "آستانة" التي فرضتها على المعارضة.
    من هنا؛ تمضي روسيا في طريقها التوسعي من دون اكتراث للنتائج مع ما تنادي به من الحرب ضد التنظيمات التي تصفها بـ "الإرهابية"، ونزع أسلحتها بمعزل عن إرادة الضامن التركي، كما لا يستبعد أن تشن مستقبلاً حروباً تأسياً بما قامت فيه في مناطق "خفض التصعيد" السالفة الذكر، مما يضاعف حجم المسؤولية التركية في الحفاظ على المناطق المحررة بالتعاون مع فصائل المعارضة التي أبدت استعدادا لمواجهة أي عدوان يطال مناطقهم.

    ادلبتركياروسيا ايرانالاتفاق الروسي التركي