كيف تساعد الأمم المتحدة الأسد في تعذيب وحصار السوريين ؟

ترجمات

الاثنين 15 شباط 2016 | 6:4 مساءً بتوقيت دمشق

الامم المتحدةبشار الاسدحصار السوريينالهلال الاحمر السوري

  • كيف تساعد الأمم المتحدة الأسد في تعذيب وحصار السوريين ؟

    Foreign Affairs – ترجمة بلدي نيوز
    يشكل القيام بالعمليات الإنسانية في مناطق الحرب وتسليم المساعدات الضرورية تحدياً كبيراً لا بد منه، فهو يتطلب الالتزام بالمبادئ الإنسانية التي وضعها الاتحاد الدولي لمنظمات الصليب الاحمر والهلال الأحمر في عام 1956.
    المبدأ الأول والثاني: التخفيف من معاناة الناس المتضررين، والنزاهة في تحديد الأولوية لمن هم في أمس الحاجة، وهي مبادئ أخلاقية تحدد الفرق بين مجرد تقديم المساعدات الخيرية وبين تقديم الإغاثة الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.
    المبدأ الثاني والثالث: الحيادية وعدم اتخاذ جانب دون آخر، والاستقلالية (عن الحكومة) وهي مبادئ واقعية للعمل في حالات النزاع وفي تركيبة القانون الإنساني الدولي التي تحكم سلوك الأطراف المتحاربة، وتؤكد الحق في إعطاء وتلقي المساعدة، والمبادئ الأربعة تولد المجال الإنساني المطلوب للعمل في مناطق الحرب.
    ولكن تقديم الإغاثة الإنسانية أثناء الحروب الأهلية (على العكس من الصراعات الدولية) هو أمر صعب، لا سيما خلال الحرب في سوريا، حيث تعتمد استراتيجية الحكومة السورية لنظام الأسد على مهاجمة المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في محاولة لجعل الحياة هناك مستحيلة. 
    ولأن الحصول على المساعدات لمن هم في أمس الحاجة إليها، أمر يتعارض مع أهداف حكومة دمشق في زيادة معاناة المدنيين في الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة، تواصل دمشق بذل كل ما في وسعها لعرقلة الإغاثة، فارضة سيادتها على الصعيد الدبلوماسي، وتقوم بنفس الوقت باستهداف الأطباء والمستشفيات وسيارات الإسعاف وقوافل المساعدات على الأرض لمنع وصولها لمن هم بحاجة ماسة إليها.
    بل تقوم جاهدة بتبرير الاستهداف والعراقيل، حيث تصر على أنه لا يوجد مدنيين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، بل إرهابيين فقط، حتى نشرت صور لأطفال يتضورون جوعا حتى الموت في مضايا، حيث يحاصر 40.000 ألف مدني من قبل الحكومة، وهي جرائم تقوض الحجج الشائنة للحكومة السورية.
    ولكن ليست فقط الحكومة السورية من تزيد من معاناة المدنيين، بل إن الطريقة التي تقوم بها بعض منظمات الأمم المتحدة بتنفيذ عملياتها الإنسانية تسبب الضرر أيضاً.
    كارثة إنسانية
    سوريا، أكبر أزمة إنسانية في العالم، وهي أيضاً الأكثر تكلفة، فقد توقع مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية" OCHA" التابع للأمم المتحدة والمكلف بإدارة مثل هذه الأزمات، بأن سورية ستحتاج ما يقدر بـ 3.2 مليار دولار لعام 2016 فقط، حيث أن هناك 13.5 مليون سوري في حاجة للمساعدات الإنسانية، فيما التمست 4.8 مليار دولار لتغطية التكاليف الإقليمية لاستقبال نحو أربعة ملايين لاجئ في الأردن ولبنان وتركيا.
    وبعد خمس سنوات في الأزمة السورية طال أمدها، تزداد المخاوف من عدم التزام مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية "OCHA" الحياد، وهي سمة تتصف بها العديد من وكالات ومنظمات الأمم المتحدة، فالمكتب الإغاثي يحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع الحكومة السورية، وهو موقف تغذيه رغبته بالبقاء في دمشق، ولذا يجدر التساؤل عما إذا كان مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية يضر بجهود منظمة الأمم المتحدة لتخفيف العواقب الكارثية لاستراتيجية دمشق في مكافحة المدنيين، والواقع أن خطة الأمم المتحدة لسوريا 2016 يجب أن توفر التوضيح عندما تفقد إحدى وكالاتها رؤيتها للمبادئ الإنسانية وتعطي الأولوية للعلاقات مع الحكومة السورية التي تنهتك هذه المبادئ.
    يجب أن تكون خطة الأمم المتحدة مفهومة في سياق الوضع الإنساني المعقد في سورية، فأحدث التقديرات تشير إلى أن 800.00 ألف مدني سوري تحت الحصار، محرومون من الحصول على المياه الصالحة للشرب والغذاء والرعاية الصحية، بالإضافة إلى الوقود والدفء، وأكثر من 600.000 الف من المدنيين محاصرون من قبل الحكومة السورية، و200.00 الف مدني محاصر من قبل تنظيم الدولة في مدينة دير الزور.
    ويعتمد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية على إذن من الحكومة السورية للوصول إلى هؤلاء الناس، ولكن الحكومة نادراً ما تمنح ذلك، فمضايا، على سبيل المثال، تستغرق أقل من ساعة بالسيارة من دمشق، ولكن بين فترة 1 آب و 12 كانون الثاني تم إرسال قافلة واحدة إلى هناك، وتضمنت مساعدات غذائية منتهية الصلاحية.
    أما منطقة دوما والتي تبعد فقط عشرة أميال فقط من فندق "الفور سيزنز" في دمشق، حيث يقطن يعقوب الحلو منسق الشؤون الإنسانية في " OCHA"، والمحاصرة منذ تشرين الثاني عام 2012، فكانت آخر قافلة تصلها في 2 آب 2015.

    وبالإضافة إلى السكان المحتجزين من قبل الحكومة السورية، هناك حاجة إنسانية أكثر إلحاحاً، حيث يتواجد 11 مليون مدني في مناطق "يعتبر الوصول إليها صعباً" أي أنهم في إقليم لا تسيطر الحكومة عليه، ومعظمها في شمال سورية، ومن بين هؤلاء، يعيش نحو ستة ملايين شخص في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة، وما يقرب من أربعة ملايين في الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم الدولة، وما يقرب من مليون شخص في المناطق الواقعة تحت السيطرة الكردية، ولذلك الوصول إلى هذه المجموعات يحدث بشكل رئيسي عبر الحدود الجنوبية لتركيا مع سوريا. 
    ويتم تسليم المساعدات عن طريق عشرات الآلاف من ناشطي الإغاثة السوريين المدعومين بشكل رئيسي من قبل المنظمات غير الحكومية السورية، وبدرجة أقل من قبل المنظمات الدولية، وقد تم الإقرار بعدم مساعدة دمشق في إيصال المساعدات عندما أذن مجلس الأمن للأمم المتحدة بتقديم المساعدات عبر الحدود في شباط 2014 مع قرار 2139، لكنه كان لا يزال يسعى لأخذ إذن من الحكومة السورية للسماح بذلك.
    إن المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة لهؤلاء الناس في عام 2016 غير متساوية، فأكثر من 1.7 مليار $ من ميزانية هذا العام للأمم المتحدة والوكالات الوطنية العاملة من دمشق، تسيطر عليها الحكومة السورية، وتقدم المساعدات بشكل حصري إلى الأراضي الحكومية.
    أما في الأراضي الغير حكومية، فيجب على مكتب الأمم المتحدة في دمشق أن يعمل من خلال الهلال الأحمر العربي السوري، فالطبيعة الحزبية لقيادة الهلال الأحمر العربي السوري تربطه علاقات قوية مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ولذلك تتوضح صعوبة تقديم المساعدات من دمشق للأراضي الغير حكومية.
    وما بين 1 كانون الثاني و 31 آب 2015، وصلت وكالات الأمم المتحدة إلى 4% فقط من المدنيين في المناطق المحاصرة (أي حوالي 16.500 نسمة) كل شهر مع مساعدة في مجال الصحة، و 0.6 % ( أي حوالي 2500 نسمة) من المساعدات الغذائية، وأقل من 0.1 في المئة ( أقل من 500 شخص) بالمواد غير غذائية مثل الخيام والبطانيات والصابون.

    أما الحجة التي تقدمها وكالات الأمم المتحدة العاملة في دمشق عندما يتم سؤالها عن التقصير في تقديم المساعدات فهو: "أن بعض المساعدات أفضل من لا شيء" وهو أمر خاطئ فعندما تتم السيطرة على الجزء الأكبر من المساعدات من قبل الحكومة السورية، ويتم توجيهها بشكل تفضيلي، فالأثر الرئيسي لذلك هو تخفيف مسؤولية الحكومة أمام رعاية مواطنيها وتحقيق استراتيجيتها العسكرية التي تستهدف المدنيين في المناطق (التي لا تبدي ولاءً سياسياً للأسد)، وجعل حالتهم سيئة بأكبر قدر ممكن.
    مساعدات غير متوازنة
    وما يزال مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية " OCHA"، يعطي الأولوية للعلاقات مع دمشق ويوجه المساعدات للحكومة بدلاً من المتضررين الأكثر حاجة، وليس هناك محاولة لتسليط الضوء على ذلك، ناهيك عن تحميل الحكومة السورية أي مسؤولية تجاه انتهاكاتها الصارخة للقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك الهجمات المتصاعدة على المسعفين واستهداف المستشفيات.
    إن تغيير الأولويات دون نزاهة واضح في التعديلات التي يقوم بها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في خطة الاستجابة الإنسانية لسوريا، فقد تمت صياغة الخطة في تشرين الثاني، استناداً إلى الاحتياجات الإنسانية، والتي خضعت سابقاً للمراجعة مرتين، ولكن كان من المدهش كيف عدل التقرير بقصص ملفقة، كقصة خالد البالغ من العمر ست سنوات، والذي قتل والده لأنه لم يستطع الاختباء في القبو، فلقد أضافت " OCHA" ملاحظة بأن قصة الطفل خيالية!، ولكن هناك حرفياً الملايين من القصص الحقيقية التي تم تجاهلها، ولكن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، يعمل بشكل واضح بعيداً عن المتضررين الحقيقيين، ولذلك اختلق قصة خالد لتبدو القصص الحقيقية الأخرى بأنها من وحي الخيال .
    المسودة الجديدة لتقرير " OCHA" حوت بعض الإحصائيات والمفردات المثيرة للاهتمام، مثل ما تردد عن "فجوة 91٪ في مجال الحماية"، فقلة من الناس قد تصف نسبة 91% كفجوة أو فراغ أو تباين، ولكن استخدام مثل هذه المفردات ساعد في التعتيم على الموضوع الحساس في القضية والذي أدى لمثل هذه الفجوة وهو أن الحكومة السورية تهاجم المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية لا يقوم بشيء لمعالجة الأمر.
    وفي الوقت الذي أنتج فيه مشروع خطة استجابة، كان الوثيقة فاشلة تماماً، فعلى سبيل المثال، كان هناك نقص في الإبلاغ عن عدد المدنيين المحاصرين والذي ذكر في التقرير بـأن هناك فقط 393.700 محاصر، كما لم يكن هناك أي ذكر أن الحكومة السورية هي الطرف الرئيسي الذي يستخدم الحصار باعتباره استراتيجية الحرب.
    وقد أدركت المراكز الإنسانية في تركيا والأردن أوجه القصور في الخطة ولكن لم تتمكن من علاجها، ولكن من الناحية الجيدة، كان إدخال البيانات من قبلهم على الكمبيوتر قد أدى على الأقل إلى برمجة كبيرة لحماية المدنيين، وإلى نشاط واضح في إزالة الألغام الواسعة النطاق في مناطق حلب وإدلب.
    كما أن المنظمات غير الحكومية الوطنية العاملة في مناطق المعارضة قد قدمت جهداً كبيراً عبر الحدود من تركيا، على الرغم من أن مركز دمشق قد رفض الاعتراف بالبيانات السكانية التي تم جمعها بشق الأنفس من قبل ما يقرب من 4000 نقطة مراقبة سورية، بتكليف من مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية.
    وقدم كل من كيفن كينيدي، منسق الشؤون الإنسانية الإقليمي للأزمة السورية، بالإضافة إلى يعقوب الحلو مشروع خطة الاستجابة الإنسانية للحكومة السورية، والتي بدورها عدلت السرد، والميزانية، والبرمجة، وأذعن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية لذلك وقدم الوثيقة في 7 كانون الأول 2015 للأمم المتحدة مع رسالة من يعقوب الحلو تقول: "على الرغم من تنقيح الوثيقة وإدخال التعديلات من قبل الحكومة السورية، إلا أننا نعتقد أن مصداقية الوثيقة تم الحفاظ عليها".
     لكن الحقيقة أن التنقيحات أسفرت عن إزالة كل ما يشير إلى الصراع والأعمال العدائية، ووفقاً لخطة الاستجابة الإنسانية النهائية، ليست هناك حرب في سوريا، بل هناك أزمة وانعدام الأمن! والتي، هي بالمناسبة، ليس خطأ الحكومة السورية، بل قلل التقرير أيضاً من حجم الاحتياجات الغير ملباة من خلال إعادة تعريف معنى "الحماية"، بأن تكون استبعاد المدنيين عن أن يكونوا هدف للهجوم عن طريق إزالة العناصر الرئيسية، مثل إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، وبالتالي لم يعد هناك وجود لمدنيين تحت الحصار أو حتى لمناطق محاصرة بل مواقع مدرجة تحت قرارات مجلس الأمن الدولي 2139، 2165، 2191. 
    وهو يمثل تحولاً مثيراً للاهتمام، مع أن كل القرارات السابقة تنص على أن التجويع المتعمد للمدنيين بالحصار هو جريمة حرب بموجب القانون الدولي، وعلى الرغم من أن معظم هجمات النظام كانت ضد المدارس (ما يقرب من 4000 منذ آذار 2011) والمستشفيات (أكثر من 300)، ولكن تم حذف الإشارة إلى انتهاكات الحكومة للقانون الإنساني الدولي.
    لقد حان الوقت لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للقيام بدوره عن طريق إعادة النظر في المبادئ التي يرتكز عليها والتصرف تبعا لذلك، وبأن يغادر فندق الفور سيزونز في دمشق، والعاصمة السورية، ويتوقف عن دعم الأعمال الوحشية للحكومة السورية.

    الامم المتحدةبشار الاسدحصار السوريينالهلال الاحمر السوري