كيف تستغل إيران حادثة إسقاط الطائرة الروسية لاستكمال مخططاتها في سوريا؟

تقارير

الخميس 1 تشرين الثاني 2018 | 12:41 صباحاً بتوقيت دمشق

ايرانحادثة اسقاط الطائرة الروسيةسورياالنفوذ الإيرانينظام الأسدالجنوب السوريريف حلب الجنوبيدير الزورالميليشيات الإيرانيةروسيا التسوية السوريةامريكااسرائيلطرد ايران من سوريا

  • كيف تستغل إيران حادثة إسقاط الطائرة الروسية لاستكمال مخططاتها في سوريا؟

     بلدي نيوز – (تركي مصطفى)

    توطئة:

    تجري عدة تحولات متصلة بحادثة إسقاط الطائرة الروسية "ايل 20"  في سوريا، تستغلّها إيران لاستكمال رسم خريطة نفوذها, محاولة فرض استراتيجيتها بالقوة العسكرية المفرطة, وبالإغراءات المادية والمعنوية, مما يجعل عملية التحول السياسي بالغة التعقيد وغير قابلة للتنفيذ, كما تشكل إعادة بناء الدولة السورية تحديا كبيرا, رغم تمسك كل اللاعبين بوحدتها في ظل تنامي سياسة أميركية جديدة بسياق ترسيم خرائط النفوذ وفق أهداف معلنة يقف على رأسها إخراج الميليشيات الإيرانية من سوريا.

    مقدمة

    يمكن اتخاذ حادثة إسقاط دفاعات نظام الأسد الطائرة الروسية "إيل 20" عن طريق الخطأ في سبتمبر/ أيلول الماضي، فوق أجواء اللاذقية، وتحميل موسكو لتل أبيب المسؤولية، منطلقا لإغلاق الروس الأجواء السورية أمام المقاتلات الإسرائيلية بعد سلسلة من الهجمات المتلاحقة ضد الميليشيات الإيرانية على مدى أشهر طويلة بلغت ذروتها في نيسان (أبريل) الماضي, تعرّضت خلالها لضربات موجعة كشفت عنها صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية التي قالت: "إن أكثر من 200 هدف وقرابة 800 صاروخ وقذيفة هاون، تم إطلاقها في إطار العمل المكثف لاستهداف قوافل الأسلحة والمواقع الإيرانية في سوريا", ما أسفر عن خسائر كبيرة لم تعترف بها إيران، مثَّلت نكبة عسكرية غير مسبوقة في الحرب السورية، قصمت بلا هوادة ظهر الميليشيات الإيرانية، حيث حصدت الغارات الجوية العسكرية عددًا من القادة والخبراء في الطيران والصواريخ، ما استوجب استنفار الميليشيات الدائم، فضلاً عن اضطراب في مخططاتها ومواقعها وتحركاتها.

    وتبرز حادثة الطائرة الروسية في الفضاء الأوسع للصراع على الأرض السورية المتخم بقوى ومصالح متعارضة, متنفسا لإيران التي رأت في روسيا شريكا قويا يساندها عسكريا في الضغط على "إسرائيل" لتوسيع نفوذها في سوريا، فباتت الميليشيات تتحرك بسهولة بين مناطق انتشارها, وزادت على ذلك توسعها  في العاصمة دمشق, وعودتها إلى الجنوب السوري بعد أن أعلنت سابقا انسحابها منه بطلب من الروس, علاوة على إقامة قواعد عسكرية جديدة في ريف حلب, وانتشارها العسكري في المنطقة الشرقية, إلى جانب تكثيف عملية نقل الأسلحة بشكل علني من إيران إلى سوريا ولبنان. 

    تعرض هذه الورقة وصفا موجزا لتحولات سياسية متصلة بتطورات عسكرية ما بين روسيا وإسرائيل في ظروف الحرب المستمرة التي تعصف بالبلاد، وتبين الورقة ما أفرزته عملية إغلاق روسيا الأجواء السورية أمام حركة الطيران الإسرائيلي, من إعادة انتشار جديد للميليشيات الإيرانية في دمشق والجنوب السوري, وفي أرياف حلب ودير الزور, لترسيخ خريطة النفوذ الإيراني وفق عملية تخادمها مع روسيا بعيدا عن الدعوات الأميركية المطالبة بإخراج الميليشيات الإيرانية من سوريا.

    كما تحاول الورقة في خاتمتها, وفقا لخلفية التطورات الجارية ومعطياتها, تصور النتائج المتوقعة للتمدد الإيراني في إطار هذه الحرب المفتوحة.

    تغلغل في الجنوب

    يتنقّل الإيرانيون حالياً باطمئنان وثقة بين مناطق انتشارهم في دمشق ومحيطها, وعادوا مجددا إلى الجنوب السوري بعد أن أُعلنوا سابقاً أنهم انسحبوا منها بطلب من القيادة الروسية، فراحوا يتوسعون على طول الشريط الحدودي المحتل, وباتت حركة نقل الأسلحة كثيفة وسريعة وشبه علنية خشية التوصل لتفاهم روسي إسرائيلي ينهي الهدنة التي فرضتها روسيا على إسرائيل في أعقاب إسقاط طائرة " ايل 20" والتي أغلقت على إثرها الأجواء السورية أمام الطائرات الإسرائيلية, وأبلغت بموجبها إسرائيل أن ليس هناك خطرا على أمنها, ولم تعد الضربات الجوية مبرّرة بعدما أبعدت إيران ميليشياتها وآلياتها من الجولان إلى داخل سوريا، ولكن الايرانيين استغلوا التراشق الإعلامي والسياسي  بين موسكو وتل أبيب, وتحركوا إلى جانب قوات نظام الأسد في مختلف المناطق، وبالأخص في منطقة الجنوب السوري باعتبارها مركز تنافس "إسرائيلي – إيراني"، وقد تجلى ذلك منذ العام 2013م بالحضور العسكري المعلن للميليشيات الإيرانية المتعددة الجنسيات، بينها "حزب الله" اللبناني، بقصد مواجهة فصائل الثورة المسلحة، ولإظهار إيران قوة عسكرية متنامية على حدود الجولان السوري المحتل، محددة موقعها ضمن استراتيجية ذات أهداف ضاغطة على واشنطن لتسوية قضاياها المستجدة، من خلال انتشارها جنوب سوريا على طول الحدود المواجهة للجولان السوري المحتل، وفي القواعد العسكرية التابعة لنظام الأسد جنوب دمشق، وفي محيط مدينة السويداء، وأرياف درعا، بالإضافة إلى قواعد عسكرية أنشأها "الحرس الثوري" الإيراني بين عامي ( 2013- 2018)، ووضعت ثقلها العسكري في منطقة "مثلث الموت"، وهي المنطقة التي تربط محافظات ريف دمشق والقنيطرة ودرعا، والتي باتت تعرف بهذا الاسم بعدما قتل فيها في الفترة ما بين 1 و23 شباط/فبراير 2015، مجموعة كاملة من "لواء فاطميون" من الإيرانيين والأفغان، سقطت بين قتيل وجريح في "خربة سلطانة وحمريت وتل السرجة"، هذا عدا عن خسائر "حزب الله".

    وعززت "الميليشيات الإيرانية" سيطرتها على المثلث، بإنشاء قواعد عسكرية في تلال "فاطمة الزهراء"، لتصبح ثكنة ضخمة لـ "حزب الله" يمنع دخول ضباط قوات نظام الأسد إليها، ومنها يتم توزيع عناصر الحزب على نقاط المثلث الأخرى.

    كما تتواجد إيران عسكرياً في الجنوب السوري في مدينة درعا، وفي سلسلة الجامعات الواقعة على أوتوستراد "دمشق-عمان"، وفي "خربة غزالة" وقرية "نامر" شرقي درعا، وفي "ازرع" والقطعات العسكرية المحيطة بها، وفي مدينتي "البعث وخان أرنبة" في القنيطرة، و"تل الشعار وتل الشحم وتل مرعي".

    وأخيرا أنشأوا قواعد عسكرية جديدة, الأولى في منطقة "حضر" الدرزية، بمرتفعات الجولان، على مسافة (3.5) كيلومتراً من الحدود السورية-الإسرائيلية.

    والمسؤول عن هذه القاعدة هو مصطفى مغنية، نجل المسؤول العسكري عماد مغنية، الذي اغتيل في سوريا في العام 2008، في عملية مدبّرة من الموساد والسي. آي. إيه، والأخ الأصغر لجهاد مغنية، الذي اغتالته اسرائيل أيضاً، في عملية نوعية أثناء زيارته لمنطقة الجولان، والقاعدة العسكرية الثانية في اللجاة بريف درعا الشمالي, وأخرى في المزّة في دمشق، وكانت معسكرا لـ "سرايا دفاع" رفعت الأسد.

    هذا الانتشار الواسع يجعل منها قوة عسكرية مهيمنة على مناطق نفوذ الأسد، والحديث عن إبعاد الميليشيات الإيرانية، وتلك التابعة لـ "حزب الله" عن الحدود "السورية-الإسرائيلية"، مسافة 80 كيلومتراً أو أقل، هو عبارة عن إعادة تدوير وتشكيل للميليشيات الإيرانية، وذلك من خلال تغيير الزي العسكري لعناصرها، واتخاذ أعلام نظام الأسد راية لها, بعد أن أكدت روسيا سابقا أن "الاتفاق المبرم جنوب سوريا، ينصّ بشكلٍ واضح على انسحاب القوات الإيرانية المساندة لقوات نظام الأسد في المنطقة، وانتقالها إلى العمق السوري بعيدًا عن الحدود الجنوبية للبلاد".

    توسيع قواعدها العسكرية في ريف حلب

    استغلّت إيران التشاحن السياسي بين روسيا و"إسرائيل" في توسيع أماكن تواجد ميليشياتها في ريفي حلب الجنوبي والشرقي، حيث عمدت إلى تحويل عدة أماكن في بلدة تلعرن جنوب شرق حلب إلى مقرات وثكنات عسكرية تابعة لها, كتحويل صالة أفراح ومقر سابق لحزب البعث، الذي يقع على طريق السفيرة - تلعرن غرب منطقة السبيل إلى قاعدة عسكرية ومستودعات أسلحة, كما حولت أيضاً المباني المتواجدة في مفرق تل عابور في بلدة تلعرن إلى ثكنات عسكرية مزودة بعدة أجهزة متطورة، وذلك لحماية معامل الدفاع بالقرب من بلدة السفيرة شرق حلب, وكذلك عززت تواجدها في الكتيبة ٥٩٩ التي تقع شرق مطار النيرب العسكري شرق حلب، حيث يوجد منظومة صواريخ متطورة مضادة للطائرات وراجمات صواريخ، وذلك من أجل مراقبة وحماية مطاري النيرب العسكري ومطار كويرس شرق حلب, وسارعت إيران بإنجاز مصنع لإنتاج الصواريخ والذخائر، المتنوعة في منطقة "البحوث العلمية" بالقرب من "معامل الدفاع" شرق حلب المدينة, وبحسب مصادر من داخل المنطقة فقد تمّ تجهيز المصنع منذ قرابة أسبوعين، واستقدام المعدات اللازمة من الجانب العراقي عبر طريق "دمشق - بغداد" مروراً بديرالزور باتجاه مدينة حلب، بحماية ضباط  من نظام الأسد، وعناصر الحرس الثوري الإيراني, وأشارت المصادر إلى أن المصنع يشرف عليه خبراء وضباط إيرانيون، وهو مشروع لإنتاج المواد "الكيماوية والسامة" بالنظر إلى أهمية موقعه، وتواجده في منطقة البحوث العلمية, حيث تعتبر مراكز البحوث العلمية لنظام الأسد هي المنتج الأكبر للمواد السامة (الكيماوية) المحرمة دولياً.

    وتزامنا مع إعادة انتشارها العسكري, تكثف إيران نشاطها في نشر التشيّع بمنطقة السفيرة بواسطة عميلها "مرعي حاج قاسم" الملقب "أبو عكور" الذي يتخذ من مقرّه عند دوّار قرية العزيزية مركزا أمنيا يمارس من خلاله الإرهاب لدفع الأهالي إلى التشيع أو مغادرة المنطقة لتوطين عائلات شيعية أفغانية وعراقية, بحسب المحامي يوسف حسين من أهالي مدينة السفيرة.

    وتعتبر مدينة حلب قبيل نشوب الحرب، العاصمة الاقتصادية والصناعية والمدينة الأكبر في سوريا، ولكنها الآن مُقَسّمة ما بين منطقة لشبيحة الأسد، ومنطقة للميليشيات الإيرانية وأخرى للعراقية، ويبقى الإيراني هو المتسيد وصاحب القرار. وباتت كامل المنطقة تحت سيطرة تلك الميلشيات ولا توجد أية سلطة لقوات نظام الأسد وأجهزة الأمن التابعة له.

    ويعتبر ريف حلب الجنوبي والشرقي من أكثر المناطق التي تتواجد فيها القواعد العسكرية التابعة للميليشيات الإيرانية، التي قامت باحتلال مناطق واسعة من الريفين بدعم جوي من الطيران الروسي منذ بداية التدخل الروسي في سوريا قبل ثلاثة أعوام.

    إعادة انتشار ميليشياتها  في دير الزور

    عملت إيران منذ أن سيطرت مع حليفها الأسد على ديرالزور ( في أيلول من العام الماضي 2017) على استكمال مخططاتها الرامية إلى تغيير البنية الديمغرافية والطائفية للمنطقة الشرقية من سوريا, وإتمام حلمها القائم على استكمال مشروع "الهلال الشيعي" الذي يقوم على ربط طهران ببيروت، وقد تمكنت من اختراق العشائر السنّية، وبالأخص قبيلة "البقّارة" التي أدرجتها ضمن ايديولوجيتها العقائدية وذلك بتعميم ملالي قم "الصلاة على روح محمد الباقر" الجد الأكبر للقبيلة بحسب الروايات المحكية, وشراء ذمم بعض المشايخ, مثل نواف البشير شيخ قبيلة البقارة الذي عاد إلى سوريا قبل مدة وأعلن ولاءه للنظام بعد وساطة إيرانية, إضافة إلى وجهاء وأعضاء في "برلمان الأسد" من المنطقة أبرزهم حسين الرجا، وولده محمد أمين الرجا عضو مجلس الشعب وقائد جناح "حزب الله" السوري, ذلك لإيجاد مدخل آخر لتثبيت نفوذها في سوريا بعد أن رسّخت وجودها العسكري في المنطقة الممتدة من ريف حمص الشرقي إلى الرقة فالحدود السورية العراقية على ضفة الفرات اليمنى, ويبدو أنها وجدت بالتغلغل الثقافي ونشر "التشيّع" وسيلة جديدة لتحقيق أهدافها, وخاصة في محافظة ديرالزور، حيث قامت بافتتاح عدد من المراكز الدينية في مناطق متفرقة من المحافظة، يشرف عليها رجال دين شيعة مرتبطين بإيران، بالإضافة إلى مكاتب خاصة بالانتساب إلى المليشيات العسكرية الإيرانية أو المليشيات المحلية الموالية لها.

    وشنت ميليشيات "الحرس الثوري الإيراني" و"الحشد الشعبي" العراقي مؤخرا، حملة تفتيش ومداهمات، في المناطق التي تتواجد بها شرق دير الزور. وقالت مصادر إعلامية محلية، إن عناصر "الحرس الثوري" و"الحشد الشعبي" فتشوا جميع المناطق على ضفة نهر الفرات (شامية) شرق دير الزور، وصولاً إلى مدينة البوكمال عند الحدود بين سوريا والعراق.

    وأكدت شبكة "فرات بوست" الإخبارية المحلية، أن حملة التفتيش التي شنتها الميليشيات الإيرانية والعراقية، تهدف للبحث عن عناصر تنظيم "داعش"، حيث تتخوف الميليشيات من عمليات تسلل لعناصر التنظيم الذين سيطروا على مواقع استراتيجية في المنطقة أبرزها بلدتي (الباغوز، والسوسة), مما جعل الميليشيات الإيرانية تعيد انتشارها المكثف في منطقة دير الزور استغلالا للظروف السياسية بين روسيا وإسرائيل إثر حادثة إسقاط الطائرة " ايل 20".

    خلاصة:

    يبدو أنّ إخراج إيران من سوريا أمر معقد للغاية، بسبب طبيعة الوجود الإيراني وتغلغله أمنيا وعسكريا داخل سوريا، إضافة لحاجة روسيا التحالف مع إيران كورقة ضغط  قوية، ريثما تستكمل تسوية قضاياها العالقة مع الولايات المتحدة، وكذلك حاجتها توظيف ميليشياتها لحماية مناطق سيطرة الأسد، وهذا ما سيرسخ الوجود الإيراني في سوريا، وبدل إخراجها من سوريا يجري التفاهم على صيغة مشتركة بين موسكو وطهران تشرعن وجود المليشيات الإيرانية في مناطق نفوذها باسم قوات الأسد.

    ولكن في الآفاق المنظورة لتداعيات الانتشار الإيراني، ثمة ما يشير إلى تحرك إسرائيلي يراقب عن كثب ما يجري وهذا ما سيطرحه رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو على الرئيس الروسي بوتين في لقاء فرنسا المرتقب الذي يؤسس لمرحلة صراع جديدة وفق مصالح متباينة بين روسيا وإيران من جهة, وبين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى في ظل تنامي نزعة أميركية تشير إلى طرد إيران من سوريا باعتبارها مصدر اضطرابات المنطقة برمتها.  

     

    ايرانحادثة اسقاط الطائرة الروسيةسورياالنفوذ الإيرانينظام الأسدالجنوب السوريريف حلب الجنوبيدير الزورالميليشيات الإيرانيةروسيا التسوية السوريةامريكااسرائيلطرد ايران من سوريا