تفاهمات المنطقة العازلة بين "شركاء اتفاق إدلب" إلى أين؟

تقارير

الخميس 8 تشرين الثاني 2018 | 5:51 مساءً بتوقيت دمشق

ادلبقمة اسطنبولمنطقة منزوعة السلاحتركياروسيا امريكااسرائيلايراننظام الأسدفصائل المعارضة السوريةسوريااتفاق إدلب

  • تفاهمات المنطقة العازلة بين

    بلدي نيوز - (تركي مصطفى)
    مقدمة
    سرّبت مصادر دبلوماسية غربية بعد قمة إسطنبول، أنه قد جرى تفاهماً روسياً - تركياً حول بقاء الوضع في إدلب على ما هو عليه لمدة سنة أخرى، مع احتمال قيام عملية محدودة ضد "المتطرفين"، والبدء بمفاوضات سياسية لإنهاء الحرب الدائرة في سوريا منذ 8 سنوات، ولاقى التسريب ترحيبا من أنظمة غربية وعربية، بالتزامن مع تحشيد إعلامي ملحوظ يدفع باتجاه تجميد الوضع في إدلب كحل وحيد متاح.
    اللافت في التسريبات الغربية أنها أعادت تسليط الضوء على واقع المنطقة منزوعة السلاح في إدلب، وما أفرزه التصعيد العسكري من جانب تحالف روسيا ونظام الأسد وإيران، المتمثل في شن عشرات الهجمات الصاروخية ضد المدنيين في المنطقة العازلة، في ريفي حماة الغربي وإدلب الشرقي، وإعادة انتشار الميليشيات الشيعية الإيرانية في ريف حلب الجنوبي.
    تتضح الرؤية الروسية للحل في إدلب من خلال إقامة منطقة منزوعة السلاح من طرف المعارضة، وفتح الطرق الدولية وتأمين جانبيها بهدف ضمان عبور البضائع التجارية والمدنيين وحمايتهم من أي استهداف قد تقوم به بعض الأطراف لأي سبب كان، فضلا عن إخراج الفصائل "الراديكالية" من المنطقة العازلة مع بقاء نظام الأسد دون تغيير، وهي رؤية قاصرة لن تنهي الحرب بقدر ما تحقق المصلحة الروسية في تفتيت البلاد، وإبقاء الوضع تحت سيطرة أطراف متعددة.
    من هنا، تأتي دعوات التمسك باتفاق إدلب الذي أبرمته كل من روسيا وتركيا، وأيدته الولايات المتحدة ودول أوربا، في ظّل مآزق حقيقية تمر بها المنطقة سواء من حيث العلاقات بين "إسرائيل" وروسيا بعد حادثة إسقاط الطائرة "إيل 20"، أو تأزم العلاقات الإيرانية الأميركية بعد حزمة العقوبات الأخيرة على طهران، أو التفاهمات التركية الأميركية شرق الفرات.
    ترصد هذه الورقة الواقع في عمق المنطقة العازلة والتشابكات الجارية هناك، وتتوقف عند التنافس بين الحلفاء والخصوم على توسيع رقع النفوذ على الخارطة السورية، أو تدعيمها وبالأخص بين "أنقرة وموسكو" فيما يتعلق بمحافظة إدلب، كما تسلط الضوء على الضفة المحاذية للمنطقة العازلة، حيث تنتشر الميليشيات الإيرانية بكثافة مستغلة الظروف الدولية والإقليمية، وتجميد القتال في إدلب لبناء قواعد عسكرية جديدة.
    وتتوقف الورقة عند عدوان نظام الأسد المتواصل على المنطقة العازلة، انتقاما من أهلها الذين عارضوه ولا يزالون على مدى عقود، استغلالا منه لعدم وجود ضوابط رادعة لعدوانه، وبملمح استشرافي تختم الورقة بالتركيز على الغاية من تجميد الأوضاع في إدلب في ظل تجاذبات دولية وإقليمية أدخلت الاتفاق في نفق لا نهاية له.
    بشهادة الروس.. فصائل المعارضة تلتزم بتنفيذ الاتفاق
    بعد إنشاء المنطقة منزوعة السلاح بعمق 15-20 كم، بادرت فصائل المعارضة المسلحة إلى سحب الدبابات وراجمات الصواريخ المتعددة، والمدفعية ومدافع الهاون، من داخل المنطقة منزوعة السلاح المشار إليها، وذلك بتاريخ 10 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وفي السياق؛ أعلن الكرملين حينها أن الاتفاق الذي ينص على إنشاء منطقة عازلة في محافظة إدلب شمال غربي سوريا "قيد التنفيذ".
    وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف: "بالاستناد إلى المعلومات التي نحصل عليها من عسكريينا، يتم تطبيق الاتفاق، وجيشنا راض عن الطريقة التي يعمل بها الجانب التركي"، ولكن مع تنفيذ فصائل المعارضة ما يخصها من بنود الاتفاق، باتت المنطقة العازلة مجردة من السلاح الثقيل، ما جعل البلدات والقرى الواقعة ضمنها عرضة لعدوان متكرر من نظام الأسد والميليشيات الشيعية الإيرانية، على اعتبار أن الاتفاق "إجراء مؤقت"، يمهّد لاحتلال الميليشيات التابعة لنظام الأسد ما تبقى من مناطق محررة.
    ومع إصرار روسيا على فرض المنطقة منزوعة السلاح في عمق أراضي المعارضة؛ باتت كامل المنطقة الواقعة جنوب طريق حلب ــ اللاذقية، وشرق طريق حلب – دمشق، أي ثلثا المساحة التي تسيطر عليها المعارضة من دون أي سلاح ثقيل، وفي هذا الصدد قال الإعلامي (شحود الجدوع) مراسل شبكة "بلدي نيوز" في حماة: "استكملت فصائل الثورة في المنطقة العازلة سحب سلاحها الثقيل، واقتصر وجود الأسلحة على ما هو مسموح به وفق بنود الاتفاق، كما غادرت غالبية الفصائل التي يصفونها بــ "الراديكالية" تلك المنطقة تنفيذا له، فيما تواصل ميليشيا الأسد تعزيز تواجدها في المنطقة المشاطرة للمنطقة العازلة دون توقف لعدوانها المستمر ضد المدنيين".
    وبذلك يجري تنفيذ اتفاق إنشاء المنطقة "منزوعة السلاح" في محيط إدلب، وفق المهل المحددة من جانب فصائل المعارضة، فيما يعزز رفض ميليشيا نظام الأسد لتفاصيله، فرص فشل روسيا في الوفاء بالتزاماتها ضمن إطار التفاهمات في سوتشي.
    وتدرك روسيا أنه من الصعب تطبيق الاتفاق وفق المهلة المنصوص عليها في سوتشي، وبالتالي يتطلب الأمر المزيد من الوقت مع انتهاء مهلة خروج فصائل المعارضة المعنية، لكن روسيا تكثف جهودها لتنفيذ الاتفاق ولذلك منحت تمديدا إضافيا للمهلة المحددة، وهي منحة أكرهت عليها لأن الجزء المنشور من الاتفاق يحتوي على ثغرات، من بينها عدم تسمية الفصائل المعنية بالخروج من المنطقة منزوعة السلاح، إنما اكتفى نص البيان بالإشارة إلى مجموعات "راديكالية"، وكذلك عدم تحديد آلية مراقبة تنفيذ هذا البند، تزامنا مع دعوة واشنطن تحريك العملية السياسية المجمدة في سوريا، ولا تزال روسيا تنتهج استراتيجية ضبابية لإدارة ملف هذه المنطقة بهدف إحكام السيطرة على حدود المناطق المحررة من خلال المنطقة العازلة، وسحب السلاح الثقيل منها لتأمين مناطق نظام الأسد من أي تهديد، واستنزاف فصائل الثورة والمعارضة في صراعات داخلية، لإنهاكها ثم الانقضاض عليها لاحقا والدفع التدريجي بقوى الثورة والمعارضة إلى دوائر نظام الأسد.
    إيران على حواف المنطقة العازلة
    استغلّت إيران "اتفاق سوتشي" وما تلاه من تشاحن سياسي بين روسيا و"إسرائيل"، إثر حادثة إسقاط الطائرة "إيل 20" في توسيع أماكن تواجد ميليشياتها في ريف حلب الجنوبي المشاطر للمنطقة العازلة، حيث عمدت إلى تحويل عدة أماكن شرق "سكة حديد الحجاز" إلى مقرات وثكنات عسكرية تابعة لها, كتحويل "تلتي البقارة والبنجيرة" إلى قاعدة عسكرية متقدمة تشرف على المنطقة العازلة مزودة بالمدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ، وكذلك حولت صالة أفراح ومقر سابق لحزب البعث يقع على طريق السفيرة - تلعرن غرب منطقة السبيل إلى قاعدة عسكرية ومستودعات أسلحة، كما اتخذت من المباني المتواجدة في مفرق "تل عابور" في بلدة تلعرن ثكنات عسكرية مزودة بعدة أجهزة متطورة، وذلك لحماية معامل الدفاع بالقرب من بلدة السفيرة شرق حلب، وكذلك عززت تواجدها في الكتيبة ٥٩٩ التي تقع شرق مطار "النيرب" العسكري شرق حلب، حيث يوجد منظومة صواريخ متطورة مضادة للطائرات وراجمات صواريخ، وذلك من أجل مراقبة وحماية مطاري "النيرب" العسكري ومطار "كويرس" شرق حلب، وسارعت إيران في إنجاز مصنع لإنتاج الصواريخ والذخائر المتنوعة في منطقة "البحوث العلمية" بالقرب من "معامل الدفاع" شرق حلب المدينة. وبحسب الإعلامي (حسن العبيد) مراسل شبكة "بلدي نيوز" في حلب؛ فقد تمّ تجهيز المصنع منذ أواخر شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، واستقدام المعدات اللازمة من الجانب العراقي عبر طريق "دمشق - بغداد"، مروراً بدير الزور باتجاه مدينة حلب، بحماية ضباط من نظام الأسد وعناصر الحرس الثوري الإيراني، وأشارت بعض المصادر إلى أن المصنع يشرف عليه خبراء وضباط إيرانيون، وهو مشروع لإنتاج المواد "الكيماوية والسامة" بالنظر إلى أهمية موقعه، وتواجده في منطقة البحوث العلمية، حيث تعتبر مراكز البحوث العلمية لنظام الأسد هي المنتج الأكبر للمواد السامة (الكيماوية) المحرمة دولياً.
    وتزامنا مع إعادة انتشارها العسكري وبناء قواعد عسكرية جديدة؛ تكثف إيران نشاطها في نشر التشيّع في المنطقة المحاذية للمنطقة العازلة وبالأخص في مدينة السفيرة وريفها بواسطة عميلها "مرعي حاج قاسم" الملقب "أبو عكور"، الذي يتخذ من مقرّه عند دوّار قرية "العزيزية" مركزا أمنيا يمارس من خلاله الإرهاب لدفع الأهالي إلى التشيع، أو مغادرة المنطقة لتوطين عائلات شيعية أفغانية وعراقية، بحسب المحامي (يوسف حسين) من أهالي مدينة السفيرة.
    ويعتبر ريف حلب الجنوبي والشرقي من أكثر المناطق التي تتواجد فيها القواعد العسكرية التابعة للميليشيات الإيرانية، التي قامت باحتلال مناطق واسعة من الريفين بدعم جوي من الطيران الروسي، منذ بداية التدخل الروسي في سوريا قبل ثلاثة أعوام.
    وبذلك فإن بقاء ميليشيات الأسد وإيران في الجانب المقابل للمنطقة المحررة، يعني إحكامها السيطرة على مناطق واسعة بطول 250كم بشكل نصف قوس، تمتد من ريف اللاذقية حتى ريف حلب الغربي، بما في ذلك ريفي حماة الشمالي وحلب الجنوبي، وفي هذا السياق؛ نشرت وكالة "الأناضول" (إنفو غراف) بيانياً يوضح انتشار من سمتهم بـ "الإرهابيين" المدعومين من إيران في محيط إدلب، مشيرة إلى أن إيران تواصل دعمها لنظام الأسد بأكثر من 120 ألف مقاتل إرهابي أجنبي، ينتمون لـ 22 مجموعة قتالية، في حين تم رصد 232 نقطة تنتشر فيها المجموعات بمحيط إدلب.
    وفيما تركت إدلب للراعي الروسي والشريك التركي، فإنها تفرغت لمشروعها الطويل الأمد للتغلغل في سوريا وفق أشكال متعددة من الاندساس تحت العباءة الروسية، وتغذية الخلافات الإقليمية والدولية في إطار خطة أوسع نسبيًّا، تقوم على إطالة أمد الحرب، للوصول إلى وضع قد تحدثه تحولات داخلية وإقليمية، تخدم موقفها، وتُعلِي من رصيدها فيما تبقى لها من نفوذ في سوريا.
    مجازر دامية في قلب المنطقة العازلة
    كانت ولا تزال إدلب وما يتصل بها من مناطق محررة، أكثر المناطق تعقيدا في مسار الحرب الناشبة في سوريا، فنظام الأسد الذي طرد منها عنوة قبل ثلاث سنوات ونيف، يعمل ما بوسعه لاستعادتها انتقاما لهزيمته الشنيعة على المستويين العسكري والمعنوي، ولكن الروس كبحوا جماحه مع الميليشيات الإيرانية، وفق الاتفاق المبرم بين روسيا وتركيا الذي عرف بــ "اتفاق إدلب"، ومع ذلك تواصل ميليشيات الأسد عدوانها على المنطقة العازلة، إذ قصفت بالمدفعية الثقيلة بلدة "جرجناز" في الثاني من الشهر الجاري، ما أدى الى سقوط 8 شهداء وعشرات الجرحى، وتدمير محال تجارية في سوق البلدة الرئيسي وخروج نقطة طبية عن العمل.
    وفي 26 الشهر الماضي، استشهد 7 مدنيين بينهم 3 أطفال جراء قصف مدفعي لقوات النظام استهدف قرية "الرفّة" في ريف إدلب الشرقي، وتشهد قرى وبلدات ريف إدلب الشرقي والجنوبي المحاذية لخطوط التماس مع النظام، ومنها "التمانعة وسكيك والتح والرفة ومحور أبو ضهور وتل السلطان ومسعدة والسكرية"، قصفاً بالقذائف المدفعية وراجمات الصواريخ، وكذلك تتعرض بلدات وقرى ريف حماة الشمالي والغربي، وريف اللاذقية الشمالي الشرقي، وريفي حلب الجنوبي والغربي الواقعة في المنطقة العازلة لقصف مستمر، وتعتبر مجزرة "جرجناز" أكبر مجزرة ارتكبها نظام الأسد بعد اتفاق بوتين - إردوغان، ليرتفع عدد الشهداء الذين قضوا بقصف ميليشيات الأسد إلى 18 مدنيا بينهم أطفال، ومنذ دخول "اتفاق إدلب" حيز التنفيذ، لم تتوقف الآلة العسكرية لنظام الأسد عن استهداف المنطقة العازلة لعدم وجود إدارة تضع حدا لوقف تعديات الميليشيات التابعة للأسد المتواصلة على المنطقة التي باتت بلا أسلحة ثقيلة، وفي حين نفذت فصائل المعارضة بكافة تياراتها كل البنود التي تخصّها في هذه المناطق، فإن نظام الأسد لم ينفذ بندا واحدا يخصّه، لا في المنطقة العازلة ولا في وقف إطلاق النار، بل فسّر الاتفاق على أنّه يحميه في حال زحفه لتطويق المنطقة المنزوعة السلاح، والتي تشكل ثلثي المناطق المحررة.
    خلاصة الاتفاق: تجميد القتال مرحليا
    بالنسبة للتفاهم الروسي – التركي الأخير حول بقاء الوضع في إدلب على ما هو عليه لمدة سنة أخرى؛ ثمة من يرى أن روسيا التي تملك قرار الحرب من عدمه، تدفعها المصالح المتعارضة لدى كافة أطراف الحرب، في سياق مصالحها العليا التي تقتضي تجميد الأوضاع في إدلب، عدم دعم الأسد في عدوانه إدراكا منها لحجم تكاليف الحرب الباهظة في منطقة تحتوي على مئات الآلاف من المقاتلين المعارضين المدعوم غالبيتهم من تركيا، وأقصى ما تقتضيه المصلحة الروسية الراهنة تكليف تركيا خلال فترة التجميد بتفكيك فصائل المعارضة، ودمجها بقوة عسكرية واحدة منضبطة إلى أن تصل مختلف القوى الإقليمية والدولية إلى حدٍّ أدنى من التوافق على شكل الصيغة السياسية للنظام الجديد بسوريا، فيما تسعى تركيا إلى تثبيت نقاط ارتكازها في محافظة إدلب، وذلك من خلال قيامها بتسوير عسكري للمنطقة الشمالية الغربية "إدلب وريف حلب"، لوضع حدّ لقلقها المزمن نتيجة تهديدها من ميليشيا "حزب العمال الكردستاني"، ولضمان مكتسباتها في عمق المناطق المحررة، وإيجاد بدائل عسكرية وإدارية ناظمة في إدلب ومحيطها، وأمّا إيران التي استقبلت في الرابع من الشهر الجاري حزمة عقوبات اقتصادية، فإنها تعمل على تثبيت قواعدها العسكرية على حواف المنطقة العازلة.
    وبالنتيجة فحلف آستانة في عجلة من أمره لتحقيق مكتسبات كل طرف على نار هادئة، خشية تبدلات مفاجئة في السياسة الدولية تؤدي إلى خسائر كارثية وخاصة بعد عودة الولايات المتحدة إلى حلبة الصراع الدولي مجددا من البوابة السورية.

    ادلبقمة اسطنبولمنطقة منزوعة السلاحتركياروسيا امريكااسرائيلايراننظام الأسدفصائل المعارضة السوريةسوريااتفاق إدلب