بعد الانسحاب الأمريكي.. من سيملأ الفراغ شرق الفرات؟

تقارير

الجمعة 21 كانون الأول 2018 | 6:31 مساءً بتوقيت دمشق

شرقي الفراتوحدات الحماية الكرديةقسدتركياالولايات المتحدةامريكاالجيش الحر نظام الاسدسوريا

  • بعد الانسحاب الأمريكي.. من سيملأ الفراغ شرق الفرات؟

    بلدي نيوز - (تركي المصطفى)
    تمهيد
    تمثل منطقة شرق الفرات دوراً حيوياً في تمكين حزب الاتحاد الديمقراطي "ب ي د" وذراعه "الوحدات الكردية" بالاستمرار في تهديد الأمن القومي التركي، مما دفع بتركيا ومعها الجيش السوري الحر إلى التحرك ومحاولة انتزاعها والسيطرة عليها، بالتزامن مع قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بالانسحاب من سوريا الذي شكل إرباكاَ كبيرا لطموحات الأصدقاء والخصوم وخلط الأوراق في منطقة تبحث عمن يملأها، كما نقل المواجهة إلى الحلبة الأكثر حساسية محليا وإقليميا ودوليا، تتمايز فيها الجغرافيا والسكان والسياسة، لتبدو معها المنطقة وكأنها مقدمة على حرب ضروس قابلة للانفجار في كل حين.
    مقدمة
    ظلت منطقة شرق الفرات وبالأخص الشريط الحدودي مع تركيا، طيلة الحرب الدائرة في سورية بعيدة عن خيار الحسم العسكري، أو أية قوة فاعلة إلى أن سيطرت عليها ميليشيا "الوحدات الكردية" سليلة "حزب العمال الكردستاني" وعميلة نظام الأسد، مما جعل منها منطلقا للتوسع في عمق المنطقة تحت ذريعة الحرب على الإرهاب، وتمكنت بغطاء جوي أميركي من السيطرة على غالبية شرق الفرات، التي كان آخر حواضرها مدينة "هجين" المعقل الأخير لتنظيم "داعش"، فضلا عن سيطرتها على تجارة النفط التي تستولي على آباره في منطقة الجزيرة السورية، مما جعل منها دعامة اقتصادية رئيسية لخزينة حزب "ب ي د"، ورافدا متنوع الموارد لدعم مقاتليها في مختلف الجبهات.
    كانت منطقة شرق الفرات وما زالت، موضع اهتمام أنقرة بعد تعرض حدودها لهجمات صاروخية على مواقع عدة في الداخل التركي، واستغلال موقع المنطقة المشاطر للحدود التركية في دعم المجهود الحربي، وتسخيره لاستقبال الأسلحة والمقاتلين الأكراد الانفصاليين وتمددهم إلى مناطق ذات أغلبية عربية، مع العزف على وتر كانتون "روجافا" الانفصالي، متوهمة أن مرحلة الانفصال بدأت باتخاذ طريقها العملي للتنفيذ في عملية حذف الآخر مهما كان؛ كردياً، عربياً، أو مكوناً سوريا آخر، ومارست أسلوب حليفها الأسد من تنكيل وترحيل وتوطين في المناطق الشمالية من سورية، وتلك مقدمات أدخلتها في مواجهات دموية مع السكان المحليين، وقمعها غير المبرر لمن يعترض على ممارساتها، ومحاولة فرض أوهامها على قرار أكراد سورية، وملاحقتهم واضطهادهم والتخلص من أحرارهم بالاغتيالات، وكذلك دغدغة وتر نزعات قومجية أوجلانية ممزوجة بنكهات مذهبية، ظنا منهم أن ارتهانهم لإرادة اللاعبين الدوليين يعطيهم الحق في احتلال أراض سورية، ليصبح واقعا يحمل السكان بالقوة على القبول به، ثم يتجاوزونه إلى خلق واقع جديد بكيان انفصالي رسموا خرائطه كما يتوهمون وحاولوا تسويقه دوليا.
    هذه المدركات، وضعت منطقة شرق الفرات كهدف للقوات التركية وحليفها الجيش السوري الحر، مما استدعى حشد القوات وتمركزها على الحدود التركية السورية، وبالمثل تحشد الميليشيا الكردية قواتها من كافة المناطق الخاضعة لها، وكذلك أعادت إيران تجميع قواتها المتمركزة في أرياف حلب وحماة وإدلب للتوجه بها إلى المنطقة الشرقية، وبذلك بدأت منطقة شرق الفرات تتحول إلى ثكنة عسكرية تنتظر لحظة الانفجار لمعركة لا يمكن التكهن بمآلاتها بعد أن وضعت خطوة الرئيس ترامب شرق الفرت بشكل خاص وسوريا بشكل عام على مجموعة من الحراب الحادة، وفرزته إلى أحلاف رئيسية: "حلف إيران وحلف الروس والحلف التركي"، وبدأت المواقف الإقليمية والدولية تتجه نحو شرق الفرات على نحو ما تفعل تركيا، من خلال حشد قواتها على تلك المنطقة، وموقف الدول الأوربية وبعض أطراف الإدارة الأميركية من قرار الرئيس الأميركي الذي عزز من وضعه كمعرقل للاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وليصبح رجلا غير مأمون الجانب في الأحداث الجارية التي ستسمح للإيرانيين في التمدد والسيطرة على مفاصل المنطقة الشرقية، بعد أن أعلن أن أحد أسباب تواجده الرئيسية في سوريا هو القضاء على تنظيم "داعش" وتحجيم الدور الإيراني في المنطقة، ومتابعة العملية السياسية في سوريا وفق قرارات الأمم المتحدة، فيما تبقى تركيا تنظر بعين الريبة إلى القرار الأميركي المفاجئ، ويبقى هاجسها الأكبر التخلص من القوى الكردية الانفصالية التي تؤرقها.
    محفزات الصراع والتنسيق في شرق الفرات على الرغم من التحالف القائم بين تركيا وروسيا وإيران؛ إلا أن السباق إلى شرق الفرات بدأت أماراته في الظهور منذ ما قبل إعلان الرئيس الأميركي الانسحاب من سوريا، حيث هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، باجتياح مناطق شرقي الفرات الخاضعة لـ "الوحدات الكردية"، وحشد الجيش التركي قوّاته على الحدود التركية السورية، إيذاناً ببدء عمل عسكري انطلاقا من محاور "تل أبيض وعين العرب ورأس العين"، ولكن الانسحاب الأميركي من المنطقة، ترك الساحة السورية مفتوحة لصراع محتمل بين أطراف حلف آستانة "الروس والأتراك وملالي إيران"، فيما قرعت "الوحدات الكردية" ناقوس الخطر واصفة القرار الأميركي بـ "خيانة وطعنة في الظهر"، وهي التي لها سابقة في عفرين عندما تركها الحليف الأميركي عرضة للابتلاع التركي، وفق تفاهمات بين أطراف الصراع حينها.
    وعلى الرغم من أن واشنطن أبدت قبل قرار الانسحاب عبر تصريحات مسؤوليها، أن مهمّة قوّات التحالف الدولي مستمّرة وأقامت خمس نقاط مراقبة حدودية لقوات التحالف بغية طمأنة تركيا، والحؤول دون تفجّر الأوضاع في المناطق الحدودية، الأمر الذي دفع تركيا إلى الزج بمزيد من قواتها العسكرية ردّا على الإجراءات الأميركية التي تعتبرها أنقرة تحايلاً أميركياً على أسّ المشكلة، وهو قيام كيان برأس كردي جنوب حدودها.
    ولكن القرار الأميركي المفاجئ بالانسحاب، جاء بعد مكالمة بين الرئيس ترمب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يوم الاثنين الماضي، كشف فيها أردوغان عن خطط تركيا لشن هجوم ضد "الوحدات الكردية" في سوريا والعراق، ويقول مسؤولون إن تلك الهجمات التركية المحتملة قد أشعلت جدلاً في اجتماعات البيت الأبيض ومسؤولي البنتاغون ومجلس الأمن القومي، حيث أشاروا إلى رؤية الرئيس ترامب أن هجمات تركيا تشكل تهديداً للقوات الأميركية في سوريا، وأن احتمالات تعرض القوات الأميركية لأي ضربات أو سقوط قتلى وجرحى في تلك الهجمات سيؤدي إلى عمليات أميركية ضد القوات التركية، وبالتالي مواجهة عسكرية بين البلدين. وأوضح مسؤول بالبنتاغون؛ أن التوصيات التي قدمها البنتاغون هي انسحاب تدريجي للقوات الأميركية، لكن الرئيس ترمب فضّل سحب جميع القوات الأميركية في أسرع وقت ممكن.
    ويبدو أن التنسيق بين تركيا والولايات المتحدة يحظى بأهمية كبيرة، وذلك ضمن خطوات لبناء الثقة بين أنقرة وواشنطن، وضمن ترميم لعلاقات أكثر تطورا شملت إقرار بيع منظومة "باتريوت" الأميركية بقيمة 3.5 مليار دولار، وإقرار صفقة مقاتلات "إف 35" الأميركية للجيش التركي، وبحث تسليم المعارض التركي "عبد الله غولن".
    من سيملأ الفراغ الأمريكي في مناطق سيطرة "ب ي د"؟
    قبل الحديث عن التساؤل الذي يطرحه كثير من المراقبين لتطورات منطقة شرق الفرات بعد قرار واشنطن استعدادها لسحب قواتها بالكامل من شمال شرقي سورية، لابد من استعراض الوجود العسكري الأميركي في هذه المنطقة، حيث ينتشر ألفا جندي أميركي في قواعد عسكرية تتوزع على مطار رميلان، حيث الآبار النفطية التي تخضع لسيطرة "ب ي د"، وأقامت الولايات المتحدة هذه القاعدة في نوفمبر/تشرين الثاني 2016.
    ثم هناك قاعدة "خراب عشق" الواقعة جنوب مدينة عين العرب على بعد نحو 33 كم إلى الجنوب من الحدود التركية، وهي منطقة خاضعة لسيطرة " ب ي د"، وسبق أن اعترضت تركيا على إنشاء القاعدة في هذه المنطقة، ما دفع الولايات المتحدة لنقلها إلى قرية سبت ذات الغالبية العربية، وتعد هذه القاعدة الكبرى من بين قواعد القوات الأميركية.
    ومن القواعد الهامة أيضا؛ قاعدة الشدّادي بين محافظتيّ الحسكة ودير الزور التي تحتوي على مهبط للطائرات المروحية ومعسكر للتدريب، كما قامت القوات الأميركية مؤخراً بإنشاء قاعدة عسكرية في "حقل العمر" النفطي بالقرب من بلدة الشحيل في ريف دير الزور، والمُقابل لمدينة الميادين الخاضعة لسيطرة قوات نظام الأسد.
    يضاف إلى ذلك، قاعدة المبروكة، وهي معسكر صغير في قرية المبروكة فيها قوات أميركية صغيرة الحجم غرب محافظة الحسكة، ضمن مناطق سيطرة " ب ي د"، إضافة إلى قاعدة تل بيدر شمال غربي الحسكة، وقاعدة تل أبيض التي ينتشر فيها عدد كبير من الجنود الأميركيين يصل إلى 200 جندي.
    كما توجد قوات أميركية إلى جانب قوات من دول التحالف الدولي والمعارضة السورية المسلحة في قاعدة التنف السورية على المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني، وتفرض الولايات المتحدة إقامة منطقة "عدم اشتباك" لا تسمح بموجبها لأي قوات تابعة لميليشيات إيران أو الأسد بالاقتراب منها أو الدخول اليها.
    وعلى الرغم من الشره الذي يبديه حزب " ب ي د" الكردي في السيطرة على كل مرابض القوة العسكرية في منطقة شرق الفرات، إلا أنهم يدركون ضخامة القوة المتسابقة إلى المنطقة، وبالأخص القوات التركية التي حُشدت على الحدود في مقابل التمسك بها، وقدرتهم على بلعها بمفردهم في الوقت الراهن، ولذلك ترك القرار الأميركي المفاجئ بالانسحاب الوشيك من سوريا، قيادة "ب ي د" في حالة من الفوضى أمام "سيناريوهات مفتوحة"، وأقربها محاولة بناء تحالف مع الروس بهدف تسليم الشريط الحدودي مع تركيا لميليشيا الأسد كخطوة تسبق العملية العسكرية التركية، ونقلت مصادر مختلفة عن اجتماع ضم ممثلين عن " ب ي د" وقوات الأسد، بهدف تسليم حقول النفط للأخيرة مقابل حمايتها من التوغل التركي المرتقب.
    وقد بدا خطاب قيادة "ب ي د" في أعقاب القرار الأميركي بالانسحاب، مؤكدا على هذا المذهب بالارتماء بأحضان القوة الأكبر التي سترث الفراغ الأميركي في المنطقة، حيث رُصدت أصوات من داخل صفوف "ب ي د" تتهم مواقف أميركا السلبية من قضايا الشعوب، كالتصريح الذي أدلت به رئيسة اللجنة التنفيذية لـ "فيدرالية ب ي د" شمال سوريا، فوزة يوسف، والتي ترى في القرار الأميركي عاملا لتكبيل طموح حزبها الانفصالي، ومثلبة تدمغ بها حليفهم السابق بالتواطؤ مع الأتراك.
    ولا يخفى على أحد أن هناك حسابات دولية وإقليمية تقف خلف القرار الأميركي بالانسحاب من المنطقة الشرقية، سواء من قبل الحلف الذي تتزعمه روسيا والتي أوعزت لنظام الأسد بالاستعداد العسكري للتوجه شرقا، وفي هذا السياق أكدت مصادر خاصة لبلدي نيوز انسحاب رتل من 60 آلية لقوات النظام من "كراح وخنيفس وأم حارتين" في ريف حماة الشرقي وريف ادلب الشرقي، باتجاه مطار حماة العسكري كنقطة للتجميع، استعداداً للتوجه إلى البادية السورية، وذلك لاستلام مواقع في حال انسحاب "قسد" من البادية، أو استعداداً لمعارك ضدها.
    وإن بدت أنقرة مرتاحة لقرار ترامب، فإن موقع "ديبكا" الاستخباراتي الإسرائيلي، أكد أن الرئيس ترامب أرسل المستشار الخاص لسوريا، جيمس جيفري، لتوقيع اتفاق سري مع أردوغان حول حركة الجيش التركي في الشمال السوري بعد الانسحاب الأميركي من سوريا، فيما أشار الرئيس التركي أردوغان، إلى تشكيل آلية ثلاثية حول سوريا يتولاها ضامنو "آستانا" للعمل على إرساء الأمن في المنطقة، غير أن القرار الأميركي في الانسحاب من شرق الفرات أطلق سباقا بين تركيا وروسيا و إيران ونظام الأسد، بهدف ترتيبات ملء الفراغ للانسحاب الأميركي أو احتمال انفجار عسكري كبير ليس بمقدور أحد التكهن بمآلاته.
    خلاصة
    تشير التجهيزات العسكرية التركية، على حدود منطقة شرق الفرات إلى استثمار القرار الأميركي بمطاردة خصومها من حزب " ب ي د" الكردي، خاصة أن جملة من الاعتبارات تدفعها للقتال إثر تمدده على رقعة جغرافية محاذية للشريط الحدودي مع تركيا، وما يشكله من تهديد لأمنها القومي.
    ولكن هذه العملية التي تعتزم أنقرة القيام بها، متوقفة على تفاهمات مع الولايات المتحدة وترتيبات مع كل من "روسيا وإيران"، ووفقا للقرار الأميركي في الانسحاب فإن السيطرة على شرق الفرات تشكل قوة دفع لعجلة الصراع، وتأثيرا مهما في مناطق أخرى يجني ثمارها الفائز وصولا للهدف الأبرز المتمثل في السيطرة على المنطقة الشرقية الغنية بنفطها وثرواتها وجغرافيتها الحيوية، فيما يشير السباق إليها على أنها بانتظار جولات ومعارك أخرى، حتى يُوقفها حل سياسي لا تظهر ملامحه في الأمد المنظور.

    شرقي الفراتوحدات الحماية الكرديةقسدتركياالولايات المتحدةامريكاالجيش الحر نظام الاسدسوريا