"منبج" ملتقى جيوش العالم.. مواجهة عسكرية أم تفاهمات سياسية؟

تقارير

الجمعة 4 كانون الثاني 2019 | 2:31 مساءً بتوقيت دمشق

منبجتركياامريكاوحدات الحماية الكرديةقسدالجيش الحر سوريا

  • بلدي نيوز – (تركي مصطفى)

    تُعدُّ منبج مفتاحا رئيسياً في عملية السيطرة على "شرق الفرات" لاستعادة المناطق السورية، التي تسيطر عليها الوحدات الكردية، وقوات نظام الأسد مع الميليشيات الإيرانية، وتنظيم "الدولة" المتقهقر، ليواجه "الجيش الوطني الحر" وحليفته أنقرة القوى الإقليمية والدولية بتعقيد مثير للجدل لرسم مستقبل سوريا انطلاقا من منبج.

    لم تُنفَذ خريطة الطريق التي اتفقت عليها الولايات المتحدة وتركيا في حزيران/يونيو 2018 لإخراج مقاتلي حزب "pyd" الكردي من منبج. فيما اقتصر تنفيذه على القيام بتسيير دوريات مشتركة، وهذا يشير إلى أن الولايات المتحدة غير جادة، وأن الاتفاق قد يتوقف العمل به، حيث قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: "إن القوات التركية ستدخل مدينة منبج السورية إذا لم تُخرج الولايات المتحدة، الوحدات الكردية من المنطقة، وجاءت تصريحاته بعد أن قالت أنقرة: "إنها ستشن عملية جديدة تستهدف المقاتلين الأكراد".

    هذا التباطؤ في تسوية ملف منبج زادت تعقيداته إثر تدخلات الأطراف الإقليمية والدولية المتناحرة لجعل هذه المنطقة ساحة صراع بين الأتراك وباقي المتحالفين من إيرانيين وكرد، ما دفع تركيا للتغاضي عن أخطر الأوراق التي تمس كيانها السياسي بالرهان على تفاهمات مع موسكو من جهة، وواشنطن من جهة أخرى، بالإضافة لإدراكها أهمية "الجيش الوطني الحر" في هذه المنطقة الاستراتيجية التي تداعى إليها كل المتوحشين.

    تجري هذه التطورات، في الوقت الذي يستعد فيه نظام الأسد والإيرانيون، للتوجه نحو منبج تلبية لدعوة حزب "pyd" لأقرانه في قتل السوريين وهذا ما يتماهى مع مصالح الروس، حيث اعتبر لافروف، في 21 سبتمبر/أيلول "أن أكبر تهديد لسيادة سوريا ووحدتها يأتي من شرق الفرات، حيث تُقام تحت إشراف أمريكا كيانات مستقلة وذاتية الحكم"، وأضاف لافروف "سنصر على إنهاء هذا النشاط غير المشروع، ونقول ذلك للأمريكيين مرارا وتكرارا وفى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة". وقد أوحت تعليقاته بأن الحل في منبج لا يمكن فصله عن باقي تطورات الشمال السوري.

    ومع إعلان ترامب الانسحاب "التكتيكي" من سوريا حتى وجدت منبج نفسها محاصرة من كل جهاتها بجيوش عالمية وإقليمية وقوى محلية "الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران وقوات الجيش الوطني وميليشيات الأسد". في إطار الحرب الناشبة في ريف حلب الشمالي الشرقي ذات الأبعاد الاستراتيجية سياسيا وعسكريا، والمتصلة بنتائج وأهداف متباينة بين الحلفاء الأعداء من كل جوانبها وخططها العسكرية ونتائجها وآفاقها المحتملة التي دخلت خط المواجهة المسلحة بعد التواطؤ العلني بين قوات نظام الأسد والوحدات الكردية لقطع الطريق على "الجيش الوطني" ومنعه من التقدم باتجاه منبج، مما أثار جدلا واسعا بين المتصارعين، وأغضب أنقرة والجيش الوطني الحر  ليلتقي الجميع وجها لوجه في حيز جغرافي صار أشبه ببرميل بارود يحتاج لشرر ليكون الانفجار الكبير هناك على بوابة منبج العربية التي باتت مفتاحا لرسم مستقبل الشمال السوري.

    أهمية منبج في سياق التنافس بين المتصارعين

    خرجت مظاهرة شعبية في منبج من حي الحزاونة ترحب بـ"الجيش الوطني الحر" الذي حرر منبج من قبضة نظام الأسد باسطا سيطرته عليها حتى كانون الثاني/ يناير العام 2014م، وعرفت المدينة حينها استقرارا وازدهارا، إلى أن سيطر تنظيم داعش عليها لغاية آب/أغسطس 2016 م، حيث هيمنت الوحدات الكردية على المدينة العربية ومع ذلك انحاز غالبية السكان للجيش الحر، وفرّت أقلية منتفعة إلى مناطق نفوذ النظام.

    اليوم، يشعر سكان منبج بالقلق من الفوضى الأمنية التي أشاعتها وحدات الحماية الكردية حيث تنتشر أعمال النهب والاختطاف والمصادرات بحق ممتلكات عناصر الجيش الحر وأهاليهم من قبل حزب "pyd" الكردي، متهمة إياهم بالتعاون مع القوات العسكرية التركية في سوريا.

    ونتيجة لدعم واشنطن للأكراد وإنشائهم قاعدة عسكرية بالقرب من منبج، عين حزب "pyd" فاروق الماشي من عشيرة "البو بنا" واجهة لحكمهم، وأسّس مجلسا عسكريا صوريا يرأسه أحد قادة الحزب الكردي المذكور المرتبط بالقوات الأميركية التي تتحكم فعليا بالمدينة من خلال قاعدتها العسكرية التي لا تثيرها شكاوى السكان العرب ما دام حزب "pyd" يحقق مصالحها.

    ويعزى هذا التنافس للسيطرة على منبج كونها الجزء الأكثر حساسية وتأثيرًا في الخاصرة الطبيعية لأنقرة؛ فموقعها المشاطر للحدود مع تركيا، والواصل بين مدينة حلب في المنطقة الواقعة غرب نهر الفرات "الشامية"، وشرق النهر "الجزيرة" وما يتبع ذلك من قيمة استراتيجية وجيو استراتيجية، كما أن إطلالتها على نهر الفرات عبر جسر قراقوزاق، وجريان الساجور من طرفها الشمالي، ونهر الذهب في جنوبها الغربي، حوّلها إلى مركز اقتصادي وسوق كبير للتجار من تل أبيض والرقة وعين العرب وجرابلس، مما أعطاها ميزة اقتصادية في ظروف الحرب الدائرة، وأهمية كبيرة في دغدغة حلم الأكراد، ويعزِّز هذا الموقع أيضا السيطرة على شبكة من الطرق البرية الواصلة بين المناطق المترامية الأطراف.

    عسكريا: تكتسب المنطقة أهمية استراتيجية في ظروف الصراع المركب لاسيما بعد سيطرة الجيش السوري الحر على غالبية المنطقة والتحكم بالمنافذ الحدودية مع تركيا "جرابلس - باب السلامة – غصن الزيتون"، بالإضافة إلى السيطرة على طرق إمداد الكيان الكردي ووأد حلمه بالانفصال بعد السيطرة على منطقة عفرين، إلا أن حجم ذلك التأثير يتوقف على طبيعة التحكم بالمنطقة وطرق توظيفه.

    سياسيا: ما أنجزه "الجيش الحر" في عملية السيطرة على منطقة واسعة من الشمال السوري نال تقدير الطبقة السياسية السورية المعارضة والحاضنة الشعبية للثورة السورية وغالبية أبناء المنطقة التي ترى في حزب "PYD"، سليل العمال الكردستاني بفروعه وتوابعه، وممارسته للقتل والإرهاب، وقوات نظام الأسد المدعومة بالميليشيات الإيرانية، قوى احتلال.

    هنا تجدر الإشارة إلى أن من بين المسائل التي يركز عليها "pyd" و"قوات نظام الأسد"، استماتتهم في إحكام القبضة على المنطقة، والسعي لإخضاعها كاملة، بوصفها مركز ثقل جغرافي مثلما أنها مركز ثقل سكاني، ومصدرا داعما للثورة.

    في ظل هذه المعطيات، يمكن تفسير التعامل المبكر مع هذه المنطقة من قبل الروس والأميركيين بقطع الطريق أمام "الجيش الوطني الحر" المدعوم من تركيا كخطوة عسكرية في تمكين وكلائهم على تلك المنطقة، وحرمان أنقرة من الهدوء لما يمثله "pyd" من مخاطر على أمنها القومي.

    خلال سنوات الحرب تحولت منبج إلى تجمع عربي كبير، حيث نزح إليها عشرات الآلاف من مدينة حلب ومن الباب ومناطق مسكنة و السفيرة بالإضافة إلى هجرة أغلبية العشائر من الأرياف المحيطة بها "البو بنا وبني سعيد وجيس" مما أكسبها أهمية سياسية من خلال التنافس بين المتصارعين لكسب ودّ زعماء العشائر واستمالتهم بالمناصب والمنافع الشخصية واستبدال الرافضين منهم بشخصيات غير فاعلة سواء من قبل نظام الأسد أو من حزب "pyd" الكردي أو تنظيم داعش. غير أن كل هذه المحاولات لاستقطاب السكان لمصلحتهم، باءت بالفشل نتيجة القطيعة بين الشيوخ والعشائر، نظرا للتحولات الاجتماعية الكبرى في البنى العشائرية، وتوافقها مع الجيش الوطني.

    منبج في عين  اللوبي الإعلامي

    يدرك حلف "روسيا ونظام الأسد وإيران"، أنهم لا يستطيعون السيطرة على المناطق الخاضعة لسيطرة حزب "pyd" عسكريا بسبب وجود القوات الأمريكية في تلك المناطق. كما لم يكن هناك تقدما ملموسا في المفاوضات التي أجرتها الولايات المتحدة وتركيا، ولا نجحت مفاوضات حزب "pyd" الكردي مع نظام الأسد في دمشق، ولكن إعلان ترامب الانسحاب فاجأ كل الأطراف التي سارعت لحشد قواتها وميليشياتها على بوابات منبج ونشطت الآلة الإعلامية لحلف روسيا في التشويش عمّا يجري على حواف المدينة العربية بادعائه السيطرة على المدينة، وواصل اللوبي الإعلامي حربه النفسية تجاه مدينة منبج، بإعلانه سيطرة قوات الأسد على سد "تشرين" في ريف المدينة الشرقي، بل ذهبت وسائل إعلام موالية لروسيا إلى القول إن "قوات قسد تتهيأ للانسحاب من المدينة نفسها وتسليمها لقوات النظام". وواصلت صحيفة "الوطن" التابعة للنظام ترويج الأكاذيب حول مدينة منبج، فادّعت أن "ريفي منبج الجنوبي والشرقي مفتوحان أمام تقدم جديد للجيش باتجاه القرى الواقعة فيهما". ورفعت سقف تشويشها بالقول إن "أهالي مدينة منبج يرحبون بدخول الجيش إلى مناطقهم بعد أن رفعوا علم الجمهورية العربية السورية فوق منازلهم". فيما أكدت مصادر محلية لبلدي نيوز أن "سكان منبج يرفضون بالمطلق دخول نظام الأسد إلى مدينتهم، إذ تختزن ذاكرتهم جرائمه التي ألحقت أذى كبيرا بالسكان وبمنازلهم وممتلكاتهم التي دمرها طيرانه". وسبق أن تحرك اللوبي الإعلامي الإيراني وذاك التابع لأسد لخوض معركة إعلامية ونفسية في مدينة عفرين شمال غربي حلب، إبان تحرك الجيش التركي العام الماضي للسيطرة على المنطقة، فأرسل النظام إعلاميين وكاميرات لإظهار رغبة السكان في دخول قواته إلى عفرين لقطع الطريق أمام الجيش التركي وفصائل المعارضة المرتبطة به. ولكن سرعان ما تبيّن أن النظام عاجز تماماً عسكرياً، مع بدء الجيش التركي وفصائل المعارضة عملية "غصن الزيتون" التي انتهت بطرد الوحدات الكردية من كامل منطقة عفرين. ويحاول النظام ممارسة نفس "اللعبة" في منبج، وهو ما دفع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، للقول أخيراً إن "نظام بشار الأسد يشن حرباً نفسية على السوريين في منبج".

    هذه المدركات، خلطت الأوراق في منبج نتيجة تخبط الاستراتيجية الأميركية، أو تكتيكاتها المفتعلة لما يخدم مصالحها، لزعزعة الحلف الهش الرابط بين موسكو وأنقرة، حيث أجرت مفاوضات ماراثونية مع تركيا على مدى أشهر، حتى فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حلفاءه في منتصف كانون الأول/ديسمبر الماضي، حين أعلن سحب الجنود الأميركيين المنتشرين في سوريا وعددهم ألفان، في قرار كان له وقع الصدمة ثم عاد وخفف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تغريدة على "تويتر" من وطأة تصريحاته حول خططه للانسحاب من سوريا فوراً، متحدثاً عن "انسحاب بطيء" وعلقت وزيرة الدفاع الفرنسية بارلي على هذا الإعلان للصحافيين، قائلة: "بطيء لا يعني بالضرورة عدداً محدداً من الأسابيع، سنرى".

    تفاهمات سياسية تضع منبج على مفترق طرق

    يعتزم الجيش الوطني الحر، مسنوداً بالقوات التركية، اللجوء إلى الحسم العسكري، كخيار ضرورة أمام تعثّر مساعي السلام التي لم تتح سوى مزيدا من الوقت لحزب "pyd" الكردي لتعزيز نفوذه في المنطقة، وتجديد تحالفه مع نظام الأسد، كما تشي التعزيزات العسكرية التركية التي تصل تباعاً إلى أطراف منبج بأنّ عملية عسكرية كبيرة يجري التحضير لها، هنا يمكن أخذ لقاء الوفد التركي الأخير في موسكو مع وزراء خارجية ودفاع البلدين ومسؤولين رفيعين، لمناقشة التطورات في سوريا، مؤشّراً واضحاً على نجاح الدبلوماسية التركية في التوصل إلى تفاهمات مع الروس، قاموا على إثرها بتحذير قوات نظام الأسد من التقدم باتجاه مدينة منبج، وقال وزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، بعد اللقاء، إن بلاده وروسيا "تمتلكان إرادة مشتركة لتطهير الأراضي السورية من جميع التنظيمات الإرهابية". وفي هذا الصدد نقلت قناة "A haber" التركية، أمس الخميس، نقلا عن مصادر دبلوماسية، بأن تركيا تمكنت من إقناع موسكو بالعملية العسكرية التي ستخوضها في شرق الفرات، وأوضحت القناة، أن روسيا وتركيا اتفقتا بشأن شرق الفرات، وأن موسكو "تفهّمت مخاوف تركيا وطلبت من النظام عدم التقدم"، وبحسب المصدر، أبدى الجانب الروسي اهتماما بالغا بخطة تركيا للدخول إلى شرق الفرات، من أجل إعادة الاستقرار للمنطقة، ومن ثم إعادة السوريين إلى هذه المناطق". ملخصا الموقف الروسي بأن "موسكو لا تعترض على العملية التركية المزمعة شرق الفرات، ولا توجد اعتراضات عليها مستقبلا، وبعد اللقاء مباشرة بدأت الاتصالات بين الجيشين التركي والروسي من أجل تنسيق العمليات المستقبلية في هذه المناطق، وهو تطور مهم".

    وما يزال كلا الطرفين الروسي والتركي، ينتظران وصول الوفد الأميركي إلى تركيا برئاسة مستشار الأمن القومي جون بولتون للحديث عن سوريا، حيث سيلتقي مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والمسؤولين الأتراك، وبعدها يذهب إلى موسكو ليلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويتحدث عن منبج وشرق الفرات، وعندها ستكون تركيا بانتظار الضوء الأخضر لبدء العملية العسكرية في منتصف يناير/كانون الثاني الجاري. بحسب مصادر دبلوماسية، وهو ما قد يضع المنطقة في أفقٍ جديد، يكون فيه تحالف الفرقاء في حالٍ أحسن مما هو فيه اليوم.

    خلاصة

    إلى ذلك، فإنه في ظل وجود عوامل كثيرة مرتبطة بالصراع بين مختلف القوى الدولية والإقليمية، فإن الحديث عن قرب انتهاء الصراع على منبج، لا يزال بعيدًا، ولا ينبغي الإفراط باقتفاء أثر الحرب الإعلامية المرافقة لنشاط كافة الأطراف، التي تضخِّم  مصالحها.

    وحتى الآن، لم يتغير موقف "واشنطن وموسكو" في الصراع على منبج، رغم ما أُثير حول النشاط الدبلوماسي التركي وما يحمله من تفاهمات سينتج عنه، ولكن ملف منبج  سيظل يراوح مكانه؛ لأن قطبي الصراع "واشنطن وموسكو"، لم يتفقا على صيغة سياسية ترضيهما وأحلاف كل منهما.

    ما يمكن تصوره حول مستقبل الصراع الدائر حول منبج، بناء على المواقف المتباينة بين مختلف القوى سواء بين الولايات المتحدة وحليفها حزب "pyd" الكردي أو بين روسيا ومعها الأسد، أو تركيا المتأرجحة بين القوتين، وما يترتب على ذلك من مواقف تدل حتى الآن على صعوبة الرهان التركي على موسكو، كما ثبت خطأ رهانها على سياسة واشنطن ودورها في المنطقة.

     كل ذلك يعني أن الخيار أمام الأتراك مساندة "الجيش الوطني الحر" في استعادة مدينة منبج سواء عبر التفاهمات مع واشنطن وموسكو، أو استخدام خيار الحرب، إذ لا تزال تركيا تمتلك أوراق ضغط تهدد من خلالها المصالح الأميركية – الروسية.

    وعلى ما يبدو أن تصريح أنقرة  في أنها أوقفت عملياتها العسكرية في كل من منبج وما بعدها في شرق الفرات بالتنسيق مع روسيا والولايات المتحدة، يؤشر على توافق القوى تكليف أنقرة بتسوية وضع منبج المرتبط بشكل وثيق بمستقبل الشمال السوري برمته.

    منبجتركياامريكاوحدات الحماية الكرديةقسدالجيش الحر سوريا