الأبعاد والمتغيرات الجديدة للوجود الإيراني في جنوب سوريا

تقارير

الاثنين 14 كانون الثاني 2019 | 1:39 مساءً بتوقيت دمشق

ايرانالجنوب السوريالحدود السورية الاسرائيليةسوريادرعانشر التشيع

  • الأبعاد والمتغيرات الجديدة للوجود الإيراني في جنوب سوريا

    بلدي نيوز – (تركي مصطفى)

    تمهيد:

    تسعى ايران إلى ترسيخ مشروعها في الجنوب السوري، بعد مشاركتها المباشرة في المعركة ضد فصائل المعارضة وفق استراتيجيتين، الأولى: ترسيخ سلطتها العسكرية في محافظة درعا ومحيطها على طول الحدود السورية المشاطرة للمناطق التي تحتلها إسرائيل، والثانية: استغلال وجود سكان تشيعوا حديثا في درعا لتعزيز نفوذها وإيجاد موطئ قدم لها في الجنوب السوري.

    مقدمة

    يمكن إبراز موقع ودور الجنوب السوري لدى إيران، وتحديد طبيعة استراتيجيته عبر بيان حيويته، وما يتمتع به من ميزات وخصائص جيوبولوتيكية كثيرة، مكنته من أن يكون أخطر محاور الصراع السوري، وملتقى أهم نقاط التحكم الاستراتيجي، كونه الشريط المحاذي لـ "إسرائيل"، والمتصل بجنوب لبنان الذي تسيطر عليه مليشيا "حزب الله" من جهة، وبوابة تدفق القوة العسكرية الفارسية باتجاه الأردن ومن ثم الخليج العربي من جهة أخرى، وقد مكنته تلك الميزات من الارتباط العضوي والمصيري، عسكريًّا وسياسيًّا، بعملية التطويق التدريجي الآمن لـ "إسرائيل" بحزام فارسي ذي ثوب شيعي، وهذا ما جعله موضع تنافس وصراعات معقدة بين مختلف قوى الاحتلال والتسلط الإقليمي والدولي.

    وفي فصل آخر من مشهد الأحداث في سوريا، أعلنت روسيا و"إسرائيل" قبل أشهر التوصل إلى مقترحات بشأن الجولان السوري والجنوب، بعد لقاء وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدرو ليبرمان، ونظيره الروسي سيرغي شويغو في موسكو، حيث جرى التفاهم حينها بين الطرفين على عدة نقاط، كان من أبرزها بعد التخلص من فصائل المعارضة، إبعاد الميليشيات الإيرانية وراء محور دمشق – السويداء، مقابل عودة قوات النظام تدريجيا إلى كافة مناطق محافظة درعا وتجديد العمل باتفاقية فك الاشتباك بين إسرائيل ونظام الأسد.

    من هنا، يمكن استعراض موقع ودور الجنوب السوري في استراتيجيات قوى الصراع المختلفة، من خلال بيان ارتباط هذه القوى بالمنطقة المتنازع عليها، ومحاولات كل منها تقوية نفوذها، في مشهد تنافسي بين "إسرائيل" وإيران، وصل إلى المواجهة المسلحة، وإلى تدخل روسي أميركي ضاغط لإيجاد تسوية تضمن مصالحهما المتماهية مع المصلحة "الإسرائيلية"، مما يجبرهم البحث عن حلول عاجلة لترتيب أوضاع الحدود مع كلّ من "إسرائيل" والأردن، اللتين تريدانها خالية من الوجود الإيراني.

    هذه المدركات، وفّرت للقوى "الإيرانية" إمكانية التحكم والسيطرة في إطار التنافس والتخادم مع إسرائيل، لذلك نجد دولة مثل إيران تندفع إلى هذه المنطقة بشراهة واضحة، على اعتبار أن مصالحها تتجاوز مناطق نفوذها الحالي في كل من سوريا والعراق ولبنان واليمن، في محاكاة للدول الكبرى بأن لها مصالح استراتيجية مع "إسرائيل" للمشاركة في حفظ الأمن الإقليمي وتسوية قضاياها العالقة دوليا، بعد سقوط الجدار العربي الذي بناه الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في وجه إيران التي تقدمت باتجاه العراق وسوريا عبر أذرعها المذهبية والعنصرية السلالية الموالية لها في تلك المناطق، لتطويقها واجتياحها وهذا ما نفذته عمليا في مواجهة ثورات الربيع العربي، وتقويض دعائم الأنظمة السياسية المناوئة لها، وبالأخص دول الخليج، ومحاولتها اختراق مصر من عتبة سيناء المشاطرة لقطاع غزة، والنفاذ إلى الأردن على طريق تنفيذ أوسع لخريطة الهلال الفارسي التي تتجسد عمليا في التواجد الإيراني في الجنوب السوري.

    إعادة تدوير الميليشيات الإيرانية

    مع بروز إيران قوة عسكرية متنامية على حدود الجولان السوري المحتل، محددة موقعها ضمن استراتيجية ذات أهداف ضاغطة على واشنطن لتسوية قضاياها المستجدة، من خلال انتشارها جنوب سوريا على طول الحدود المواجهة للجولان السوري المحتل، وفي القواعد العسكرية التابعة لنظام الأسد جنوب دمشق، وفي محيط مدينة السويداء، وأرياف درعا، بالإضافة إلى قواعد عسكرية أنشأها "الحرس الثوري" الإيراني بين عامي (2013- 2018)، حيث وضعت ثقلها العسكري في منطقة "مثلث الموت"، وهي المنطقة التي تربط محافظات ريف دمشق والقنيطرة ودرعا، وعززت سيطرتها على ذلك المثلث، بإنشاء قواعد عسكرية في تلال "فاطمة الزهراء"، لتصبح ثكنة ضخمة لـ "حزب الله" يمنع دخول ضباط قوات نظام الأسد إليها، ومنها يتم توزيع عناصر الحزب على نقاط المثلث الأخرى.

    وتعد منطقة تلال "فاطمة الزهراء"، موقعا  لقيادة العمليات في المثلث، والتي يتزعمها "الحاج أبوعبدالله"، أبرز قادة "حزب الله" في القنيطرة ودرعا، ويقوم "الحاج" بإصدار الأوامر الملزمة حتى لضباط قوات النظام في المثلث، ومنهم العقيد "هلال حصيدة" والرائد "أسد حسين".

    ويُعتبر "مثلث الموت" حالياً، قاعدة لعمليات المليشيات الهجومية في "كفر شمس وكفر ناسج والطيحة"، ونحو "الحارة" التي تحوي أعلى تلال المنطقة وأهمها استراتيجية.

    كما تتواجد إيران عسكرياً في الجنوب السوري في مدينة درعا، وفي سلسلة الجامعات الواقعة على أوتوستراد "دمشق-عمان"، وفي "خربة غزالة" وقرية "نامر" شرقي درعا، وفي "ازرع" والقطعات العسكرية المحيطة بها، وفي مدينتي "البعث وخان أرنبة" في القنيطرة، و "تل الشعار وتل الشحم وتل مرعي".

    هذا الانتشار الواسع يجعل منها قوة عسكرية مهيمنة على مناطق نفوذ الأسد، والحديث عن إبعاد المليشيات الإيرانية، وتلك التابعة لـ "حزب الله" عن الحدود "السورية-الإسرائيلية"، مسافة 80 كيلومتراً أو أقل، هي عبارة عن إعادة تدوير وتشكيل للميليشيات الإيرانية، كما حدث مع مليشيات "حزب الله وفاطميون والنجباء" المنسحبة من منطقة الحدود مع الجولان، والتي يعاد تجميعها وتشكيلها في "الحرس الجمهوري" وبالأخص اللواء " 105" والفرقة الرابعة.

    لكن إصرار إسرائيل على دفع الميليشيات الإيرانية عن منطقة الحدود بالقوة العسكرية من خلال استهدافها بالمدفعية والطيران عشرات الأهداف العسكرية الإيرانية في سوريا، إضافة للضغط الروسي المتواصل، اضطرها لإعادة انتشار عناصرها ضمن تشكيلات قوات الأسد، وذلك من خلال تغيير الزي العسكري لعناصرها، واتخاذ أعلام نظام الأسد راية لها. واستحداث أساليب أخرى لانتشارها في مفاصل المنطقة، ومنها:

    التوغل في الجنوب بغطاء أمني ومذهبي

     نظرا لأهمية المنطقة استراتيجيا، اهتمت بها إيران اهتماما بالغا، من أجل نشر التشيّع، وبما أن إسرائيل ترفض الوجود العسكري الإيراني على حدودها الشطرية مع سوريا، لجأت إيران إلى إيجاد مرتكزات بشرية تحفظ استمرارية وجودها في هذه المنطقة الحيوية، وإحداث نقاط فصل جغرافي بين مناطق الامتداد السني في كل من سوريا والأردن.

    وقد تفرغت إيران لاستكمال مشروعها الاحتلالي بعد التخلص من فصائل المعارضة التي استسلمت للقدر الروسي ودخلت بأغلبيتها في تسويات استغلتها إيران بذكاء، حيث ذكر المحامي همام فهمي من أهالي درعا لبلدي نيوز: "تلاعبت إيران وحزب الله بالتسوية التي كان من شروطها  انسحاب ميليشيات ايران من الجنوب السوري وذلك من خلال إيجاد مرتكزات دائمة في حوران فشكلت قوات اللواء الشيعي "313" من أبناء درعا، وغيرت اسم اللواء إلى " درع الوطن" بقيادة وسيم مسالمة".

    وأضاف فهمي" تسللت مجموعة من ضباط حزب الله مثل (الحاج أبو هادي وأبو ذر وأبو جهاد) إلى قرى حوران بذريعة البحث عن جثث لقتلاهم كغطاء للتوغل في عمق حوران، وأقاموا علاقات مع وجهاء محليين وقادة فصائل سابقين، واتفقوا معهم على تحقيق هدفين، الأول ، تكليف بعض منهم بشراء السلاح من الأهالي بأسعار مرتفعة، والثاني، فتح مكاتب سرية لتجنيد الشباب في صفوف حزب الله براتب مبدئي يعادل 300 دولار أميركي وتوفير الحماية الأمنية لهم من ملاحقة نظام الأسد بشرط ألا يصرح أحد منهم بانتسابه للحزب".

    وفي هذا السياق ذكر حذيفة حلاوة مراسل بلدي نيوز في درعا " يعمل حزب الله على التمركز في منطقة اللجاة، حيث أنشأ قاعدة عسكرية فيها لإقامة دورات تدريبية للمنتسبين الجدد في صفوفه".

    ـخلايا نسائية في الجنوب لنشرالتشيع

    تتبع إيران استراتيجية جديدة في الجنوب السوري تتمثل بإنشاء خلايا نسائية لاستهداف فئة الشباب لنشر التشيع، وقد ذكر المحامي فهمي "يتراوح عدد كل خلية بين 4-8 نساء وتقود الخلية امرأة، وتعمل كل خلية ضمن قطاع ومنطقة معينة منفصلة عن باقي الخلايا، ويشرف على عمل كل خلية أحد الأفرع الأمنية (أمن دولة- أمن عسكري- أمن جوي) ويوجه الجميع  ضباط مختصون من ميليشيا حزب الله".

    والهدف من هذه الخلايا كما يذكر المحامي فهمي: " الإيقاع بالشباب والوجهاء والشخصيات البارزة والمؤثرة ضمن المنطقة الرافضة للانضمام إلى صفوف حزب الله أو المشروع الشيعي في الجنوب أو حتى التعامل معهم"، ويفند آلية عمل الخلايا النسائية بقوله: "تقوم إحدى عناصر الخلية بالإيقاع بالهدف ثم ابتزازه جنسيا وتهديده لينصاع لحزب الله والمشروع الإيراني وتعليماتهم، وقد أنشئت عدة خلايا في الجيدور وداعل وجاسم". وحصلت بلدي نيوز من مصادر خاصة على أبرز المتشيعات في الجنوب، وهن: "هالة المحاميد، إعلامية، وسوزان رأفت بجبوج تشيعت وتزوجت من شيعي لبناني، وسارة القداح، إعلامية لقناة سما – تقارير لقناة المنار، ودعاء الرفاعي، تقارير لقناة المنار".

    افتتاح مقرات تدريب عسكرية جديدة

    كانت بداية نجاح إيران وحزب الله في تجنيد مئات المقاتلين من أهالي حوران انطلاقا من الريف الشرقي من اللجاة شمالا وحتى نصيب جنوبا، وأقاموا لهم دورات تدريبية في كل من قرية أيب في ريف درعا الشرقي التي أشرف عليها "حزب الله"، والثانية في منطقة المزة غرب دمشق لصالح الحرس الثوري الايراني والمسؤول عنها منصور الرويضان الذي كان قائدا سابقا بجيش العشائر، كما شهدت القنيطرة تشكيل كتائب تابعة لحزب الله قبل اخضاعها للروس، وتضاعفت أعداد المنتسبين إليها من مقاتلي " المصالحات" وغالبيتهم من قرى (جباتا الخشب والكوم وجبا وعين عشة وخان أرنبة). وشكل حزب الله أول كتيبة له بمنطقة خان أرنبة بقيادة "أحمد كبول" الملقب أبو ضرغام. وتتبع مجموعه كبول لضابط لبناني بالحزب يدعى الحاج حمزة. وكتيبة أخرى بقيادة "رضوان الشبعاني" تتبع لضابط بحزب الله يدعى ماجد منصور (لبناني الجنسية)، يرتدي زي قوات الأسد برتبه عقيد، مسؤول عن عدة مجموعات لحزب الله في القنيطرة، ويقوم بزيارتها بشكل دوري لتفقد مجموعاته وإعطاء التوجيهات اللازمة".

    وتنتشر المقرات العسكرية الجديدة لإيران وميليشياتها في مناطق متفرقة من الجنوب، كمقر الحرس الثوري في اللواء (52) بمدينة الحراك، وهو مقر سري تدار منه نشاطات الحرس الإيراني، وهناك مقر آخر للضباط الإيرانيين بفندق قصر النخيل بالقرب من معبر نصيب.

    قادة من فصائل الجنوب تحت إشراف إيران وحزب الله

    بعد أن أبرمت قادة فصائل المعارضة في محافظتي درعا والقنيطرة في شهر تموز من العام الماضي اتفاقات مصالحة مع روسيا نصت على تسليم السلاح وخروج الرافضين للتسوية نحو الشمال السوري. تمكنت إيران وذراعها اللبناني حزب الله من تجنيد عدد من قادة تلك الفصائل ومنهم بحسب المحامي فهمي: "منصور الرويضان قائد في جيش العشائر يحمل بطاقة أمنية تابعة للحرس الثوري الايراني، وفيصل الصبيح قائد في ألوية العمري، وعلي الشتيوي، ومصطفى الكسم قيادي في فرقة 18 آذار، ووسام مسالمة الملقب العجلوقة شقيق مصطفى الكسم قائد سابق بفرقة 18 آذار، ومحمود عقلة النجار الحريري من بصر الحرير، ومروان الحريري قيادي في فرقة صلاح الدين، و(محمد يوسف شريحي ، وأحمد معن بكر، وحسين بكر) هؤلاء كانوا قادة  سابقين في لواء فرسان الجولان من بلدة جباتا الخشب ".

    خلاصة

    تلعب إيران وميليشياتها في الجنوب السوري دورا قذرا في تشويه المنطقة، ذات التوجه السني المناوئة للمليشيات الشيعية، من خلال تجنيد مئات الشباب في صفوفها عبر وسائل وأساليب الترغيب بالمال والنساء، والترهيب بدمغ الرافضين لمشروعها بالقاعدية والداعشية والتكفيرية، وتدور المعركة السياسية على هذا التشخيص عبر مختلف وسائل إعلام اللوبي الإيراني، وهذا ما انتهجته إيران في العراق بعد سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين، حيث قوَّت الميليشيات الشيعية المسلحة لتتصدر مواجهة ما يسمى "الإرهاب السني" بالإنابة عن الأمريكيين والغرب، وفق أجندات ومنافع مشتركة تحاول إيران التذكير بها لمدّ الجسور بينها وبين "تل أبيب"، على طريق تبريد النزاع القائم كما فعلت في جنوب لبنان من خلال اتفاقية الخط الأزرق، التي أنهت الصراع من جهة مليشيا "حزب الله" منذ العام 2006م، والعمل على إخماده نهائيا بعد التوصل إلى صيغة تخدم المخططات الإسرائيلية، والأحلام الصفوية الإيرانية التي هي التحقيق السياسي للوجه الديني المشترك بين التلمودية والخمينية، فبات النزاع بين "طهران وتل أبيب" كأنّه نزاع حدود بين دولتين متجاورتين، لا نزاع قوى استيطانية على أرض اقتلع منها أصحابها بالحروب والتحالفات بينهما على مدى عقود.

    ايرانالجنوب السوريالحدود السورية الاسرائيليةسوريادرعانشر التشيع