العدوان الروسي على المناطق المحررة.. تصفية حسابات وترسيم حدود النفوذ بالنار

تقارير

الجمعة 22 شباط 2019 | 4:40 مساءً بتوقيت دمشق

روسيا تركياادلبقوات الاسدالميليشيات الطائفيةايران

  • العدوان الروسي على المناطق المحررة.. تصفية حسابات وترسيم حدود النفوذ بالنار

    بلدي نيوز- (تركي المصطفى)
    تمهيد
    يمثل التصعيد العسكري لقوات نظام الأسد وبمساندة الميليشيات الإيرانية في محافظة إدلب والمناطق المحررة المحيطة بها الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة السورية المسلحة، منعطفا خطيرا بين أطراف الصراع، وما يتردّد هذه الأيام بالتزامن مع التصعيد غير المسبوق، هو إثارة للجدل حول خلق أجواء تنذر بعمل عسكري واسع النطاق في خضم الإعلان الروسي الذي لم يوافق على اللجوء للحسم العسكري، لما يمثل من مخاطر قد لا تتحمل موسكو تداعياتها، حتما لن تكون معركة ادلب سهلةً كما يروج إعلام نظام الأسد، كما أن تبعات أية مغامرةٍ من هذا النوع ستفتح الحرب على مصراعيها وهذا ما يدركه الروس.
    مقدمة
    إن دوي المدفعية والصواريخ بمدياتها المختلفة، والسيارات المفخخة التي طالت عمق المنطقة المحررة وأودت بحياة المئات؛ تناقض التصريحات الصحفية التي أدلى بها بوتين راعي سوتشي وحليفيه الإيراني والتركي، التي تجمع على تثبيت وقف إطلاق النار في المنطقة الأخيرة من مناطق خفض التصعيد، فما يحصل يعطي تفسيرات لما وراء التصريحات مع اقتراب المنطقة من خيارات مختلفة بعد أن ظلت طيلة أشهر هادئة، نتيجة المواقف الدولية الرافضة للعمل العسكري في إدلب والقبول الروسي بوضع صيغة توافقية مع الشريك التركي في اللقاء الذي جمع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان في سوتشي، يوم 17 سبتمبر/ أيلول الماضي، والخروج بنتائج تهدف إلى حالة من التطبيع القسري بعد تجريد المعارضة من سلاحها الثقيل، انطلاقا من استراتيجية روسيا القائمة على مبدأ "المنتصر هو من يقدّم خيار القوة على خيار السلام"، وما قامت وتقوم به موسكو في سوريا على الصعيدين السياسي والعسكري يندرج تحت شعار القضم التدريجي للمناطق الخارجة عن نفوذ نظام الأسد، في خطوة واضحة لنقض اتفاقية نزع السلاح الثقيل من خطوط التماس واستقدام تعزيزات عسكرية كبيرة من سلاح ومليشيات تتبع لروسيا، وبالمقابل قامت الفصائل المقاتلة التابعة للمعارضة المسلحة باستنفار جميع مقاتليها وحصنت مواقعها في جبهات القتال للدفاع عن آخر معاقل الثورة.
    من هنا؛ فإنّ الاعتداءات اليومية للميليشيات الروسية على المنطقة العازلة تهدف إلى تهجير كل سكان المنطقة الواقعة شرقي الطريق الدولي حلب – دمشق، لتعزيز القبضة الأمنية الروسية على هذه المنطقة الخالية من السلاح الثقيل.
    الأهداف الاستراتيجية للقصف الروسي على المنطقة المحررة
    يبدو أن الروس يعتبرون مقررات "سوتشي" الأكثر فاعلية، والأسبق في التنفيذ من أي مسعى سياسي قدمته الأطراف الدولية في جنيف، أو في التفاهمات الثنائية بين واشنطن وموسكو لفرض السيطرة الروسية بالقوة المسلحة على البلاد كلها، ونسف كل مبادرات السلام التي دعت إليها في "أستانا" بعد الالتفاف عليها طويلاً، وفق استراتيجية من يجيد تقدير الموقف من الحسم العسكري تقديراً دقيقاً، لذلك جاء التصعيد العسكري لوصد الأبواب أمام أيّ مسعىً حقيقي للسلام وفق القرارات الدولية، ونسف حتى القرارات التي التزم بها بوتين مع الرئيس التركي في "سوتشي" في إشارة واضحة إلى الابتزاز السياسي الذي يجيده الروس، وفق استراتيجية الهيمنة المطلقة على سوريا بصرف النظر عن تشدقهم بمحاربة "الإرهاب".
    وتتجلى عملية القصف العنيف التي تتعرض له المنطقة المحررة في سياقات متعددة، تتلخص في كيفية انتزاع عناصر الأهمية التي تعمل عليها المعارضة في المنطقة المحررة لتقوية موقفها العسكري والاقتصادي، وما تتيحه عملية القضم التدريجي لأجزاء منها من تحقيق موطئ قدم للروس على المرتفعات الشاهقة في جبلي الأكراد والتركمان إلى جانب الساحل السوري ومنطقة العلويين التي سيطرت عليها روسيا منذ العام 2015م، وأقامت عليها قاعدتين الأولى جوية في مطار حميميم بالقرب من اللاذقية، والأخرى بحرية في المياه الإقليمية السورية قبالة مدينة طرطوس.
    علاوة على هذه الأهداف، تسعى روسيا إلى تحقيق أهداف ذات ارتباط ببتر أذرع شريكها الإيراني، وبأمن ومصالح "إسرائيل" وحلفائها الإقليميين الداعمين لها في هذه الحرب، ويتجلى ذلك كما يلي:
    ــ أظهرت عمليات القصف المكثف على المناطق المحررة، على أن ما تقوم به روسيا هو خدعة، حيث أرادت من خلال "سوتشي" تمرير الاتفاق لاستدراج فصائل المعارضة إلى القبول به والتوقيع عليه، ثم لتقوم بنقض ما لا يتفق مع مصالحها لأنها منذ احتلالها سوريا قبل أربعة أعوام، لا تتعامل مع المعارضة وفق مبادئ قانونية سواء كانت دولية أو كانت هي من استصدرها، وكل ما تبديه من تراجعات ظاهرية قبل بلوغ هدف من أهدافها المرحلية لا يتعدى أن يكون تراجعا في التكتيك ضمن إطار الاستراتيجية العامة التي رسمتها لنفسها في سوريا.
    ــ بيّنت التقارير المراقبة لعمليات العدوان الذي تتعرض له المناطق المحررة، أن مصدر النيران هو من القوات الروسية المتمركزة في قرية صلبا الواقعة في ريف حماة الغربي، وفي تلة السيرياتيل بالقرب من تل خنزير والواقعة في ريف ادلب الشرقي، ومن الميليشيات المحلية التابعة للروس.
    ــ كشفت التحركات العسكرية الروسية أن الهدف منها ليس البدء بعملية عسكرية، بقدر ما هو بتر للأذرع الإيرانية وفق اعتماد استراتيجية لافروف في سياسة الخطوة خطوة، أو ما يسمى بسياسة الهيمنة المرحلية في السيطرة على معاقل النفوذ الإيراني دون وقوع تصادم عسكري مباشر، روجت له أطراف دولية واستندت إليه منابر إعلامية من غير التثبت من صحة تلك الروايات.
    ومن الواضح أن زحزحة الإيرانيين من معاقلهم في ريفي حماة الشمالي وإدلب الشرقي، تفرض على الروس إعادة انتشارهم في محيط منطقة "خفض التصعيد" الرابعة في إدلب، لتصبح المنطقة الممتدة من تل خنزير في ريف ادلب الشرقي وحتى كبينة في ريف اللاذقية الشرقي تحت السيطرة الروسية.
    ــ تزامن التصعيد الميداني في إدلب مع تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن إعداد قادة عسكريين روس خطة للقضاء على "جبهة النصرة " التي سيطرت على كامل محافظة إدلب، كما جدد المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وأفريقيا ميخائيل بوغدانوف، التشديد على "ضرورة القضاء على الإرهابيين في إدلب وفي كل المناطق السورية".
    وفي كلمة له خلال "منتدى فالداي" حول الشرق الأوسط، في موسكو، قال بوغدانوف: "هناك بعض المناطق في محيط إدلب لا تزال تتعرض لهجمات من الإرهابيين، ولا بد من تحرير كل هذه المناطق، ونحن مستعدون للتعاون مع جميع الدول الإقليمية والولايات المتحدة في سبيل القضاء على الإرهابيين بشكل تام، وهذا سيساعد على إنهاء وجود الإرهاب في سورية". وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قد قال قبل أيام: "لا يمكن الصبر إلى ما لا نهاية على وجود الإرهابيين في إدلب"، وفق تعبيره، لافتاً إلى أن "تحديد كيفية تحرير إدلب منهم مسؤولية العسكريين".
    ويعني التصعيد الإعلامي في تصريحات موسكو عن إخفاق الدول الضامنة في تحقيق تقدم إضافي في اتفاق خفض التصعيد خلال قمة سوتشي الأخيرة، وهذا ما يفسر لجوء روسيا للتصعيد العنيف في إدلب، في محاولة لتأليب السكان المحليين على تركيا ووضعها في مأزق كونها أحد الضامنين.
    تداعيات العدوان الروسي على المنطقة المحررة
    يثير العدوان الروسي الأخير تساؤلات مختلفة حول مستقبل إدلب، إذ تبذل أنقرة جهودا مضاعفة لاحتواء عمليات التصعيد العسكري وفقا لتفاهمات اتفاق "سوتشي" التي بموجبها أنشئت منطقة منزوعة السلاح في محافظة إدلب، تتحمل أنقرة فيها المسؤولية عن ضبط الأمن، وما تقدمه موسكو من ذرائع لعدوانها على المنطقة المحررة ليس سببًا كافيًا لإجراء عملية عسكرية واسعة النطاق، ستسفر عن تدفق ملايين اللاجئين ومقتل آلاف المدنيين، وتخريب البنية التحتية المدنية بحسب المسؤولين الأتراك، لذلك أعلنت رفضها شنّ روسيا حملة عسكرية واسعة على إدلب، مشددة على أن اتفاق "سوتشي" مع روسيا لحماية المدنيين في المنطقة، وأعلنت مرارا بمنعها قوات نظام الأسد من مهاجمة منطقة تضم نحو أربعة ملايين مدني؛ ما سيتسبّب في خلق أزمات كبرى لهم، كما أن تجنيب المنطقة أي حرب مهم جداً لتقديم الحل الإنساني والسياسي، بالإضافة إلى أن تداعياتها ستؤثر سلبا على روسيا في الساحة الدولية في ظل الظروف الدولية المتوترة.
    يضاف إلى ذلك تصريحات المسؤولين الأتراك في جوابهم لوفد مدني من أهالي سهل الغاب، والذي طالب الجيش التركي المتواجد في نقطة شير مغار بوقف القصف قائلا: "هناك اتصالات مستمرة بين الروس والاتراك لمعالجة مسألة الخروق المتكررة"، ورجح الاتراك أن الأمور "تسير نحو الأفضل مستبعدين قيام النظام بعملية عسكرية برية لاجتياح المنطقة أو قصفها من قبل الطائرات، طالما أن نقاط المراقبة موجودة"، ونفى المسؤولون الاتراك الأخبار عن انسحابهم، رابطين وجودهم في المنطقة بإيجاد حل نهائي للوضع في سوريا يعيد إليها الأمان والاستقرار.
    من هنا، يبدو أن ملف إدلب الداخلي ستتولاه تركيا من خلال الاجتماعات السرية الموسعة التي جرت وتجري بين جميع الأطراف المدنية والعسكرية خلال الأيام الماضية، والتي ركزت في مباحثاتها على مستقبل المنطقة وتنظيمها بجيش واحد وحكومة مدنية واحدة، بعد حل الحكومتين (المؤقتة والإنقاذ)، وإعطاء صلاحيات واسعة لهذه الحكومة لتتولّى إدارة المنطقة جهة مدنية يدعمها الجيش الموحد الجديد.
    خلاصة
    يتجلى العدوان الروسي على المناطق المحررة من خلال تصفية حساباتها مع شركائها عبر الميليشيات المسلحة التابعة لها، والتي شكلتها في سوريا لتمكينها من الهيمنة المطلقة على سوريا على حساب شريكها الإيراني في الجريمة المنظمة ضد السوريين، وباتت روسيا وميليشياتها تحيط بمنطقة خفض التصعيد من نقطة السيرياتيل في تل خنزير بريف إدلب الشرقي، وحتى كبينة في أعالي جبال ريف اللاذقية الشرقي، وبالمقابل فإن تركيا تبذل جهودا كبيرة لمنع نشوب الحرب في إدلب، وفي حال حدوث تهديد حقيقي فإنها لن تقف على الحياد وتنسف كل مكتسباتها الاستراتيجية في سوريا، بل ستتعاون مع فصائل المعارضة للتصدي لأي عدوان ضد المناطق المحررة، ولكن على ما يبدو أن أنقرة تمكنت من إقناع روسيا بمنع شن الحرب، لأن حدوثها سيتسبب في كارثة إنسانية كبيرة، كما أن الحرب تمثل مشكلة بالنسبة لتركيا خاصة في ظل وجود ملايين اللاجئين السوريين فيها، ولا شك أن تداعياتها الكارثية ستشمل الدول الأوربية، ولهذا يستبعد غالبية المراقبين عدوان واسع يرّوج له نظام الأسد الواقع بين النار الروسية والجحيم الإيراني.

    روسيا تركياادلبقوات الاسدالميليشيات الطائفيةايران