"الأسد" من الرقص على رؤوس الثعابين إلى جحر الثعبان الإيراني

الملف الإيراني

الخميس 28 شباط 2019 | 3:34 مساءً بتوقيت دمشق

بشار الأسدايرانروسيا مصير الأسدطهران

  • بلدي نيوز – (تركي المصطفى)

    مقدمة

    لم يعد أحد ينكر الخلاف بين روسيا وإيران حول مستقبل الأسد؛ فالروس أيقنوا ما قبل زيارة الأسد لطهران بأنه ليس سوى واجهة للميليشيات الإيرانية، والحقيقة أن الرؤية الروسية واقعية وتستند إلى تاريخ متشابك من العلاقات بين نظامي الأسد وملالي طهران، إلا أن ما لا تدركه موسكو، الخبرة والعلاقات الكبيرة، التي تتصف بها طهران في قدرتها الفائقة على استثمار نظام الأسد في تسخير التناقضات داخل المكونات السياسية والطائفية والمذهبية السورية والتلاعب بها وتوظيفها بما يخدم أجنداتها، وهذا ما لم تسلم منه حتى روسيا التي استغلت إيران انهماكها في بناء تحالفات وتفاهمات مع تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة، لتنشط في عمق نظام الأسد بشراء ولاءات الجنرالات بالعزف على وتر نوايا روسيا بالتخلص من الأسد، وكذلك نشطت في نشر التشيع في أوساط الأقليات ذات الأس الشيعي" علويين ودروز وإسماعيليين" مستغلة تاريخ الروابط الشيعية في إثارة غبار المواجهة ضد ما تسميهم " التكفيريين السّنة".

    بالمقابل أدركت روسيا مدى خطورة الاخطبوط الإيراني على مصالحها في سوريا، فتبنت جنرالا مغمورا لتأهيله كبديل للأسد، وشكلت له ميليشيا أطلق عليها "النمور" عرفت بتوحشها ضد الشعب السوري، وتمكن الأسد لاحقا من تفكيك النمور بمساع إيرانية، وبقيت مهام النمر داخل قاعدة حميميم العسكرية دون مهام أخرى مع ما يحمله النمر من صفات شخصية لا تؤهله للقيادة العسكرية خارج إطار الدعم الروسي، لأنه كان سادنا في مؤسسة أمنية أولى مهامها قمع الشعب السوري، وفيما انصرفت روسيا باتجاه إعادة هيكلة جيش الأسد من خلال تشكيل فيالق وألوية عسكرية، عادت إيران لاستقطاب شراذم قوى الأسد وتشتيت شملها في كل اتجاه، ودفع الأسد لمواجهتها إن تطلب الأمر، وهذا ما تواجهه "فصائل التسويات" في الجنوب السوري من حالات اغتيال واعتقال وملاحقة تقوم بها فرق الاغتيال الخاصة من ميليشيا حزب الله الناشطة في منطقة حوران، من هنا، لم تعد موسكو متمسكة بالأسد، ووضعته على طاولة المساومة في البحث عن تسوية سياسية وانتقال سياسي، تجسّد ذلك بتصريحات روسية رسمية مبطنة، أظهرتها الصور الصادمة القادمة من حميميم للأسد الذي بدا كجندي روسي يعمل تحت إمرة بوتين، فهرع الأسد إلى طهران للاحتماء بها في مؤشر واضح على احتدام الصراع بين إيران ومعها الأسد، وروسيا وما تمثل محليا وإقليميا، لا تزال نتائج هذا الصراع المتصاعد غير قابل للتحديد بشكل دقيق.    

    وللاقتراب مما يدور من صراع مكشوف بين الحليفين الروسي والإيراني، ولتفهُّم طبيعة هذا الصراع بينهما، والخلافات، التي تعصف بحلفيهما، وتداعياته المستقبلية، سنناقش ذلك من خلال مجموعة محاور تكتمل بها رؤية ما يجري وما هو متوقَّع.

    الأسد إلى جحر الثعبان الإيراني

    وأخيرا انتهت رقصات الأسد على رؤوس الثعابين الروسية والإيرانية والغربية وحتى الإسرائيلية، بعد فترة طويلة من حكمه الدامي حاول فيها إيجاد تحالفات وتوازنات وتفاهمات سياسية، ليجد نفسه سادنا عند الثعبان الإيراني، ناسيا أن سيده الروسي سيضع نهاية له، وهذا ما عنونه موقع القوميين الروس"sp " " لماذا قرر الكرملين التخلص من الأسد"؟

    فالحلف الروسي الإيراني، الذي قاد حربه لقتل الشعب السوري الثائر، وسيطر على مفاصل نظامه، رهنته إيران لخوض منافستها الدائرة مع "إسرائيل" أولا، والمرتقبة مع تركيا ثانيا، وأخيرا ضد روسيا، إن تطور موقف موسكو الضاغط اتجاه المطالبة بإبعاده عن الحكم، وبطرد ميليشيات إيران من سوريا. حيث تبدو الأجندة الروسية ماضية في هذا الاتجاه، بعد تبرؤ الأسد من تنفيذ مطالبها، وإعلانها عن بيعه في سوق "النخاسة السياسي"، بالشكل الذي يخدم مخططاتها في ديمومة قواعدها العسكرية في سوريا. مما شكِّل الاحتقان القائم بين حليفيه، نتيجة محاولة استفراد كلّ منهما بالمناطق التي يهيمن عليها؛ فإيران تعمل على إحداث تغييرات في الأبعاد المختلفة لكيان الدولة السورية، وعزلها عن محيطها العربي، والإقليمي وحتى الدولي، في سياق صراع تاريخي، تحركه معتقدات إيرانية أيديولوجية وسياسية، تتداخل معها مصالح ذاتية اقتصادية، تتعارض جميعها مع مكونات المجتمع السوري، بما فيه الطائفة العلوية، حاضنة الأسد، علاوة على تضاربها مع المصالح الروسية في المنطقة. من هنا جاءت دعوة الروس لإخراج القوات الأجنبية من سورية، والمقصود بذلك أولا وأخيرا الميليشيات الإيرانية، ومن أبرز الأسباب الراهنة التي تقف خلف تدهور العلاقة بين طهران وموسكو، هي:

    - انهيار التحالف المصلحي بين روسيا وإيران، وانكشاف نوايا كل منهما تجاه الآخر، وما تحمله تلك النوايا من تهديد وجودي سياسي، رغم تعاونهما عسكريا، وإعلاميا، وسياسيا على إجهاض الثورة السورية بحيث لم تعد فصائل المعارضة تشكّل تهديداً بعد خنقها في جيب شمال سوريا، تحت القبضة التركية حليفة روسيا، والعدوة التاريخية لإيران، ولم يعد لروسيا مصالح في أي معركة قادمة بالتحالف مع إيران، لذلك تنتفي الحاجة لها ولميليشياتها، بعد أن أنهت مهمتها القذرة في سوريا في إطار مشروعها الامبراطوري، وإنفاقها مليارات الدولارات وسقوط الآلاف من قتلاها، لتصطدم مع شريكها الروسي صاحب الشهية المفتوحة على مشاريع اقتصادية، كإعادة الإعمار، والتسليح، والسيطرة على منابع الغاز السوري.

     وفي هذا السياق شدد سيرغي  ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي في وقت سابق على إنه من غير الصحيح تصنيف روسيا وإيران كحليفتين، وإنما "تعاونا فقط" في سوريا. وأشار المسؤول الروسي إلى أن "الإيرانيين كانوا مفيدين للغاية عندما عقدنا المؤتمر الوطني للشعب السوري في سوتشي، لكننا لا نتشارك النظرة ذاتها في كل ما يحدث".

    - التحالف الاستراتيجي القائم بين روسيا وإسرائيل، كحلف محوري في المنطقة تحافظ موسكو على أمنه وسلامة حدوده من أي تهديد، وكانت أولى إجراءاتها التنفيذية الامتناع عن بيع الأسد صواريخ "إس 300"، وترحيبها الضمني بالقصف الجوي "الإسرائيلي" لقواعد إيران وميليشيا حزب الله، وإعطائها فرصة تصفية الوجود الإيراني في سوريا.

    من هنا، رفض سيرغي ريابكوف، وصف بلاده بالحليفة لإيران فيما يتعلق بوجودها داخل سوريا، مشدداً على أن أمن "إسرائيل" هو أحد أهم أولويات روسيا. وقال ريابكوف في مقابلة مع شبكة "سي إن إن" الأميركية: "نحن لا نستخف بأية طريقة بأهمية التدابير التي من شأنها ضمان أمن قوي لدولة إسرائيل". وأضاف، "الإسرائيليون يعرفون هذا، وتعرف الولايات المتحدة هذا، وأي طرف آخر بما في ذلك الإيرانيون والأتراك والحكومة في دمشق، هذه واحدة من أهم أولويات روسيا".

    - تفاهم الولايات المتحدة مع روسيا، حول الوجود الإيراني العابث في سوريا خاصة، وفي المنطقة عموما، لذلك تطالب روسيا بالضغط على إيران لإخراجها من سوريا، وهو ما لم يتحقق دون عملية انتقال سياسي لا وجود للأسد وإيران فيها.

    من هنا حاول الأسد في زيارته إلى طهران الارتماء بحضن خامنئي ومحاباته في التركيز على ملف إدلب كنقطة خلاف إيرانية روسية، يمكن ولوجه منها لموازنة الموقف الروسي. وتدرك إيران أن انتهاء المعارك بين نظام الأسد والمعارضة السورية المسلحة، من شأنه تسريع عملية خروجها من سوريا.

    لمن اليد العليا في سوريا؟

    إيران

    ما يزال الإيرانيون هم القوة العسكرية الأولى المهيمنة على المناطق الواقعة تحت نفوذ نظام الأسد؛ فهم المسيطرون على مفاصل العاصمة دمشق، وتنتشر قواعدهم العسكرية بمحيطها، وعلى التلال المشرفة على الجولان السوري المحتل، كما تمكنوا من ترسيخ نفوذهم عبر شبكة من المصالح المشتركة، استأثرت المذهبية الشيعية على الجانب الكبير منها، ومنحوا امتيازات استثمارية على شكل رشاوى للعديد من ضباط الأسد الذين يتحكمون بالمؤسسة الأمنية، وعلى رأسها المخابرات الجوية، وكذلك لقيادات الميليشيات المحلية المتشيعة كلواء الباقر، اشتروا ذمم كثير من الشخصيات الاجتماعية والثقافية النافذة، مكوِّنين بذلك قوى محلية في سوريا دافعة لقوتهم الأولى في المنطقة، التي تتمثَّل بميليشيا حزب الله اللبناني.

    روسيا

    شكلت روسيا بشكل تدريجي قوات كبيرة في سوريا عمادها الفيلق الخامس اقتحام، وصنعت شخصيات عسكرية كـ"سهيل الحسن" لتعبئة طاقات العلويين المنهكة في العام 2015م عام التدخل الروسي، حينها كانت إيران تلعب الدور الأساسي في الهيمنة على قرار الأسد، لهذا ارتكزت استراتيجية روسيا على محدد رئيسي هو: تشكيل قوات بهدف تحقيق أهداف تدخلها في سوريا، ويتمثل الإطار العام لهذه الاستراتيجية في إضعاف الميليشيات الإيرانية في المناطق الخاضعة لنفوذ الأسد، وخلق انطباع سلبي داخليًّا وخارجيًّا إزاء قدرتها على تحقيق أي تقدم على الأرض دون الغطاء الجوي الروسي، ومن ثم راحت موسكو تعمل على إزاحة النفوذ الإيراني في المنطقة الوسطى اعتمادا على استراتيجية مرحلية وفق سياسة الهيمنة المرحلية دون وقوع تصادم عسكري مباشر، كالتحكم بالمعابر الرابطة بين مناطق نفوذ المعارضة وتلك الواقعة تحت نفوذ نظام الأسد، وآخر ما قامت به روسيا هو طرد عناصر مكتب أمن الفرقة الرابعة الموالية لإيران من معبر مورك، وكذلك السيطرة على الشريط الساحلي السوري بما يحوي من موانئ ومطارات وإقامة قاعدتين عسكريتين الأولى جوية في مطار حميميم شرق مدينة اللاذقية، والقاعدة الأخرى بحرية قبالة مدينة طرطوس، مما حرم إيران من الوصول إلى ساحل المتوسط، والهيمنة الروسية التامة على جهاز الأمن العسكري وفروعه في المحافظات السورية، وبناء قدراته وتعزيز تدريبه على حساب الأجهزة الأمنية الأخرى، ويجري الآن إزاحة الميليشيات الإيرانية من مواقعها في ريف حماة المشاطرة للمناطق المحررة، حيث عملت موسكو على بناء عدة نقاط مراقبة عسكرية في قرى الطليسية والكتيبة الواقعة بالقرب من معردس وفي مزرعة الترابيع جنوب حلفايا، وفي تل صلبا جنوب شرق السقيليبة وفي مبنى حوض العاصي في سهل الغاب، وكذلك في تل خنزير بريف إدلب الشرقي.

    خاتمة

    وضع الأسد نفسه تحت تصرف خامنئي لأنه يدرك عجزه عن تجاوز الأغلال الإيرانية في كيان نظامه، فالميليشيات الإيرانية منتشرة في كل مفاصله، وعلى كل جبهاته، وعلى مشارف قصره يقف قاسم سليماني ممثل لواء "القدس" الإيراني الذي ساقه إلى طهران، استباقا لزيارة نتنياهو إلى موسكو.

     من هنا، تعمل روسيا من خلال قوتها الجوية، والميليشيات المسلحة التي شكلتها في سوريا لتمكينها من الهيمنة المطلقة على سوريا، وذلك باعتمادها على أطراف داخلية عسكرية وسياسية، ولكن لا يعني أنّ التضارب الاستراتيجي الروسي الإيراني إهمال أهمية المصالح الظرفية القائمة في المشهد السوري المعقد، ولا تجاهل تأثير ميليشيات إيران، إلا أنه من الواضح أن الخلل في المصالح الاستراتيجية المتضاربة تجسّد بشكل واضح في زيارة الأسد الأخيرة، مما سيشكل محطة فارقة في علاقات إيران وروسيا، لذلك سنشهد في الأيام القليلة القادمة تصاعد الهجمات الإسرائيلية ضد القواعد العسكرية الإيرانية بموافقة موسكو الضمنية، وربما العلنية، ومحاولة إيران تهديد استقرار أمن المنطقة باحتضانها الأسد تحقيقا لأجنداتها، في مواجهة مفتوحة غير قابلة للتحديد بشكل دقيق.

    بشار الأسدايرانروسيا مصير الأسدطهران