الأسباب العميقة لسقوط البشير وبقاء الأسد

تقارير

الخميس 11 نيسان 2019 | 10:5 مساءً بتوقيت دمشق

عمر البشيربشار الاسدالشعب السودانيالثورة السودانيةالثورة السورية

  • الأسباب العميقة لسقوط البشير وبقاء الأسد

    بلدي نيوز- (تركي المصطفى)
    مقدمة
    بعد إسقاط الرئيس السوداني عمر البشير إثر انقلاب العسكر ضده، نتيجة تعاظم حركة احتجاج الشعب السوداني الذي انتفض بداية منذ نهاية العام 2018 على الغلاء، وطالب بتحسين الخدمات، لكن هذه الاحتجاجات ما لبثت أن شهدت تحولا جذريا، فقد رفع المتظاهرون أصواتهم مطالبين بإسقاط نظام البشير فور عودته من زيارة سرية إلى دمشق التقى فيها الأسد.
    وبعد أشهر من الاحتجاجات، اعتصم السودانيون أمام مبنى قيادة الأركان وطالبوا الجيش بالتدخل لعزل البشير، وفي صبيحة 11 أبريل/ نيسان 2019؛ بث التلفزيون السوداني بيانا للقوات المسلحة تزامناً مع انتشار الآليات العسكرية بمحيط القصر الجمهوري في الخرطوم، أعلن فيه إسقاط البشير، وكشفت الوقائع والأحداث التي شهدتها وتشهدها سوريا أن مجموعة قوى دولية تقف وراء التمسك بالأسد، وتقف كذلك خلف كل هذا الصخب والأحداث والاجتياحات والجرائم المروعة ضد الشعب السوري، وأن هنالك أيادٍ أخرى فوق الجميع لها ارتباطها الوثيق بكل ما يدور، وإن كانت روسيا وحدها من تشغل واجهة الأحداث الكبيرة، لكن الواقع غير ذلك، فما الروس والإيرانيون وحليفهما الأسد، إلا عجلة واحدة تدور في قاطرة كبيرة.
    وتأتي ثورات الربيع العربي على شكل كوابح للقاطرة التي تجرها خيول العسكر، لتطوي صفحات من الذل والاستكانة والتجهيل وتفتح صفحة جديدة في المنطقة المستلبة والتي شهدت انتفاضات متعددة، كان أكثرها دموية ما شهدته وتشهده سوريا في ثورتها التي حرضت الشعب العربي على اقتلاع الأنظمة المستبدة، مما شكل تحولات كبيرة في الحراك الشعبي العربي باتجاه الانتقال السياسي إلى نظم ديمقراطية، ولكن الموقف الإقليمي والدولي والدور الوظيفي التخادمي لنظام الأسد هو الذي يعرقل تحقيق السوريين انتصار ثورتهم، كما فعل الثائرون في السودان.
    الأسد والبشير.. التباين في القمع
    يتجلى التباين بين الثورة السورية وأختها السودانية لمتابعي أحداث ما يجري في البلدين، ما قالته صحيفة ليبراسيون الفرنسية فيما يخص ثورة السودانيين بعد أشهر قليلة على انتفاضتهم؛ "المحتجون السودانيون مستمرون منذ أربعة أشهر في التظاهر السلمي للمطالبة بسقوط نظام الرئيس عمر البشير، رغم الحظر والاعتقالات والاختفاء، ورغم الضرب بالعصي وإطلاق الرصاص وكسر الأيدي في السجون والصعق بالكهرباء".
    وأضافت الصحيفة الفرنسية، أن المحتجين ومعظمهم شباب يعتصمون منذ السبت وسط العاصمة، تحرسهم من بطش قوات أمن النظام مجموعاتٌ منفردة من الجيش، والذي بات موقفه حاسما في تحديد مصير الحراك، وكانت مجموعات المتظاهرين الصغيرة التي تتفرق بشكل منهجي، تتجمع من جديد وتتظاهر في الشوارع بعد عدة ساعات أو أيام أو أسابيع، بعناد ودون كلل حتى يوم السبت السادس من أبريل/ نيسان الذكرى السنوية لثورة 1985، التي أطاحت بالرئيس السابق جعفر نميري، في ذلك اليوم وعلى خلاف مئات المسيرات السابقة صمد المتظاهرون بقوة، وجابوا شارع ضاحية بري بالآلاف في تنظيم دقيق، قبل أن يعتصموا أمام مقر الجيش ليؤسسوا "ميدان تحرير" على غرار مركز الزلزال الشهير في الربيع المصري"، حسب تعبير ليبراسيون.
    ما لم تراه مراكز الإعلام العالمي في الثورة السورية وأغفلت الحديث عنه؛ أنها ثورة شعبية عفويةٌ وذات مطلب واحد، وأن السوريين استمروا في التظاهرات السلمية طيلة العام الأول من الثورة وبشكل متواصل، وهم يتعرّضون لرصاص القناصة وشبيحة الأسد، مع ارتقاء عشرات الشهداء في كل يوم، قبل أن يظهر أي سلاح، فيما واجه "الأسد" الاحتجاجات السورية المطالبة برحيله بشريحة متوحشة مجتزأة من الجيش وخارجه، معروفة باسم "الشبيحة"، ثم باستقدام ميليشيات طائفية إرهابية من خارج الحدود للقتال إلى جانب قواته، في إعلان صريح وواضح لطبيعة الحرب العقائدية التي يخوضها، وهو استدعاء الروح المذهبية الشيعية لمواجهة "السنّة" ويقدر عدد تلك الميليشيات العابرة للحدود بنحو 70 ألف مقاتل، معظمهم من ميليشيا "حزب الله" اللبناني والميليشيات العراقية والإيرانية واليمنية الحوثية والأفغانية". ليستنجد أخيراً بروسيا بعد فشل "الحشد الشيعي" في القضاء على الثورة، وبعد تدمير المراكز العمرانية بالطائرات والمدفعية، يقوم هؤلاء باجتياحها واستباحة كل محرم من دم ومال وعرض، وهذا ما جعل الثورة السودانية تختلف حتى الآن في مسارها عن أختها السورية، وهو عجز نظام البشير لأسبابٍ متعدّدة عن استخدام السلاح الفتاك، أو حتى الخفيف لسحق الحركة الاحتجاجية واضطرار الجنرالات في النهاية إلى المناورة السياسية وفتح باب المفاوضات بشكل أو بآخر، لاحتواء الغضب الشعبي وتجنب الصدام الدموي ما أمكن مع المتظاهرين السلميين، ولكن تصميم الشعب السوداني على الإطاحة بالبشير، أجبرت الجنرالات على إعلان خلع الرئيس البشير.
    الأسباب العميقة لبقاء الأسد وخلع البشير
    من المفيد أن نذكّر أولئك الذين يعتقدون أن سبب تأخر الثورة السورية في الوصول إلى أهدافها، هو استخدامها السلاح، سنحاول في هذا الملف الوقوف على الأسباب العميقة لبقاء الأسد في الواجهة بمنصب رئيس أراكوزي مقيّد الصلاحيات طوعا لدولة فاشلة، نصفها خارج عن سيطرته بشكل كلي والنصف الآخر يتقاسمه مع الروس والإيرانيين:
    ـ أن أوربا المسيحية "الكاثوليكية" ترى في تجميع اليهود على الأرض الفلسطينية يشكل حركة إحياء جديدة لحملة صليبية؛ تمكنها من العودة ثانية إلى منطقة الشرق الأوسط العربية ــ الإسلامية، تعيد بها النفوذ الذي كان لها لأكثر من قرنين، هي فترة الاحتلال الصليبي الأوروبي للمنطقة العربية على ما هو معروف في تاريخ الحروب الصليبية، والذي يجعل التفكير السياسي يذهب في الاتجاه، هو أن الفكر الأوروبي كان يقوم نظريا على ركيزتين:
    الأولى: أن حاجة الدولة اليهودية ـ المفترض قيامهاـ إلى الحماية الأوربية الدائمة ومدها بأسباب الحياة وخاصة بالأموال والسلاح والتأييد السياسي، يجعلها كما كان يظن الأوروبيون أداة طيعة في أيديهم ضد شعوب المنطقة التي يتطلعون لاستعمارها من جديد.
    الثانية: عندما تأتيهم الفرص لتحقيق تلك التطلعات الاستعمارية فإنه بمقدورهم استخدام الدولة اليهودية التي ستصبح قوية بما تقدمه لها أوربا من خبرات علمية وتسليحية لضرب الطموحات العربية في الوحدة والتحرر السياسي والاقتصادي من الاستعمار الأوروبي، والسؤال ما علاقة كل هذا ببقاء الأسد على رأس السلطة في دمشق رغم كل الفظاعات والجرائم التي اقترفها؟
    ـ إن دراسة الوثائق السرية التي أفرجت عنها وزارات الخارجية في الدول الكبرى صاحبة النفوذ الدولي ودوائر المخابرات العامة، وما نشره موظفو سفارات تلك الدول أو في أجهزة مخابراتها الخارجية من مذكرات وكتب؛ تحدثوا فيها عن تجاربهم في سوريا وعن شخصية حافظ الأسد الذي مكنوه من الاستيلاء على السلطة إثر انقلابات عسكرية متتابعة، هيئت القوى المخابراتية أسباب نجاحها، ومن تدعيم حكمه الذي يمارسه نيابة عن تلك القوى الدولية بكلّ ما يحقق مصالحها الاقتصادية والسياسية على حساب المصالح العليا للبلاد، وهذا ما جعل الولايات المتحدة تحافظ على نظام الأسد وتبارك وصول الوريث للسلطة، الذي جاء للحكم يرفع شعارات الإصلاح وتحرير الجولان والدخول بنادي "المقاومة" ضد "الشيطان الأكبر" و"إسرائيل"، ولكن سيرة الأسد في الحكم تكشّفت منذ ربيع دمشق واتضحت أكثر في الثورة السورية، في أن المخابرات الأميركية كانت ولا زالت راعية النظام وليس لـ "الأسد" فيه أكثر من القيام بدور الواجهة، على غرار الدور الذي يعطيه مخرج سينمائي إلى ممثل مغمور في الوسط الفني، أراد له المخرج أن يقوم بدور البطولة في الفيلم السوري الطويل وبالطريقة التي رسمها له، وقد راق لواشنطن تحقيق المصلحة في نجاح ممثلها في قتل الشعب السوري. فكان أخطر ما قام بتنفيذه، أن أقدم على استخدام الأسلحة المحرمة دوليا لمصلحة الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وكذلك استباحة المخابرات الإسرائيلية لدمشق إثر عملية" اللحن الحزين" التي نقلت فيها رفات عسكري إسرائيلي من مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك إلى "إسرائيل" بحماية نظام الأسد وإيران، وبالتالي حققت "القوى العالمية" ما يلي:
    ـ أن نظام الأسد الذي قام بمساعدة أمريكية أوروبية وإسرائيلية، قد حقق الهدف الاستراتيجي للغرب الاوروبي وللولايات المتحدة الأمريكية معاً، من حيث أنه شكل حاجزا ناريا أمام تطلعات الشعب السوري في الانتقال إلى نظام وطني ديمقراطي.
    ـ أن نظام الأسد الذي حوله الغرب إلى نظام مافيوي، يقوم بما هو مطلوب منه في تخويف العرب المجاورين له والبعيدين عنه، بهدف تحقيق المصالح الأمنية والاقتصادية لـ "إسرائيل" ولحليفتها وشريكتها الولايات المتحدة الأمريكية وكل القوى الطامعة بسوريا.
    خلاصة
    تبين بعد سلاسة الإطاحة بالرئيس السوداني عمر البشير العاجز عن استخدام القوة المفرطة ضد الشعب السوداني نتيجة موانع داخلية، أن كل أعمال العنف والجرائم التي ارتكبها ويرتكبها الأسد خلال ثماني سنوات، وما يزال على رأس السلطة، أنه لن يستطيع البقاء والاستمرار بالقتل، لولا رضى مراكز القوى العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تملك قرار الردع والمواجهة، والتي استشعرت الخطر تجاه مصالحها، مع تنامي القوى الشعبية الثورية ذات الطابع السني في سوريا، ومع كل هذا الإسفاف والعهر الدولي الحاضن للأسد، يقول الصحفي السوري أيمن مصطفى محمد: "إن صمود السوريين طوال تسع سنوات فتح أبواب الحرية لكل الشعوب العربية، ولن يقوى حاكم مستبد على الوقوف أمام حرية الشعب، وستفشل الدول الراعية للأنظمة الديكتاتورية آجلا أم عاجلا في دعم أي نظام وظيفي حال قرر الشعب الثورة ضده، فالشعب السوري الثائر، زعزع نظاما وجيشا ودولة عميقة مرتبطة بدوائر النفوذ الدولي، وأسهم في إسقاط عروش الطغاة في المنطقة، وأزهر الربيع في السودان وعجلة التغيير لن تتوقف إلى أن تنال الشعوب حريتها وكرامتها.

    عمر البشيربشار الاسدالشعب السودانيالثورة السودانيةالثورة السورية