إدلب.. ما السيناريوهات المتوقعة؟

تقارير

الثلاثاء 30 نيسان 2019 | 3:32 مساءً بتوقيت دمشق

ادلبروسيا نظام الاسدسورياايرانتركيا

  • إدلب.. ما السيناريوهات المتوقعة؟

    بلدي نيوز - (فراس عزالدين)

    عقدة الملف السوري تموضعت عملياً في إدلب وعموم الشمال الذي تسيطر عليه الفصائل المعارضة، ومع ارتفاع حدّة النقاش حول وتيرة التهديد التي تتفاوت بين الحين والآخر، يصرُّ أصحاب الرأي السياسي أن الاتجاه في إدلب يسير نحو الحلحلة، فيما تختلف الرؤية العسكرية إلى حدٍّ ما باتجاه التشكيك في مقدرة الضامنين على فرض إيقاعهم على الأرض.

    إدلب بداية مسار

    اللافت أنّ التجاذب في طرح النظريات حول نهاية الصراع على أعتاب إدلب، لا يراعي بعض النقاط؛ وفي مقدماتها وجود التيار الجهادي، ومعه كلاحقة "المهاجرين الأجانب".

    بالتالي؛ فإن إدلب تعتبر اليوم بداية مسار، وليس نهاية أزمة دولية، بوجود فكر يصطلح على تسميته "عابر للقارات".

    حقيقةً؛ الغرب أدرك تلك العقدة مبكراً، بل أسس لها عملياً على خلفية عملية التهجير، وزج الناس في منطقة واحدة، بغض الطرف عن ولائهم الوطني أو ميولهم الإسلامية.

    بالتالي؛ التعاطي مع المسألة مخطط له مسبقاً، باعتبار رمزية الشام التي جعلتها "مغناطيساً" للسلفية الجهادية بالتحديد، وهو المطلوب.

    روسيا تعارض الحرب

    وفي استقراء قديم للموقف الروسي من محاولة "إعادة إدلب إلى حظيرة الأسد" بالقوة الخشنة، نجد الخطة ﻻ تلقى دعماً روسياً؛ ويرجح هذه الرؤية تعثر محاولات النظام السوري مراراً وبدعمٍ إيراني الدخول في مقامرة الحرب البرية.

    إلى جانب ذلك؛ فجميع الأطراف بما فيها موسكو، مستفيدة مبدئياً من الوضع القائم، وإن كانت لا ترغب في الإبقاء عليه طويلاً، لكنه يبقى ورقة مساومة لدى جميع اللاعبين، على الأقل حتى التوصل إلى صيغة تفاهمات سياسية مرضية بحيث تكون النتيجة التعادل الإيجابي للمتصارعين على تركة نظام الأسد.

    موسكو مستفيدة من الوضع الراهن في إطار صراع النفوذ مع واشنطن، بدلالة تحقيق مكسب كبير اعتبر هدفاً دبلوماسياً في مرمى طهران بعد أن انتزعت منها ميناء طرطوس مؤخراً، ما يعني بحسب الباحث السياسي محمود إبراهيم، مدير مركز برق للدراسات والاستشارات، "اتفاق طرطوس" طوق ينهي عمق الناتو المائي، ومعه طموح الأتراك في بحر إيجه، وفيه عادت روسيا بتموضع لم يتحقق لأحد في المنطقة منذ صلح الرملة بين صلاح الدين وريتشارد، بقيت خطوة نشر منظومة "إس 400" جنوب الأناضول حتى يتحول المتوسط وعمقه البري إلى سرك روسي". وهذا ما أشار إليه في سلسلته على صفحته الشخصية فيس بوك تحت عنوان؛ (بناؤون من أجل السلام).

    الموقف الإيراني

    وفي إطار الحديث عن الموقف الإيراني، يمكن أن يقاس عليه بل ويتماهى معه توجهات نظام الأسد، الذي لا يملك عملياً من أمره إلا الانسياق، وكلاهما يدركان أنّ قدرتهم على خوض تجربة عسكرية على أرض إدلب ستكون فاشلة، ما لم تحظى بغطاء جوي روسي؛ نتيجة تراجع قدراتهما العسكرية، ولتفوّق الفصائل المعارضة في التعبئة الميدانية عليهما، وهذا بدا واضحاً في معظم المناطق التي استطاع انتزاعها عن طريق قوةٍ فرضها الروس، تمثلت بشراء ذمم بعض الفصائل، ومسألة المصالحات التي لم تثمر في الشمال، بعد أن تمكنت المعارضة من إجهاضها.

    الموقف التركي

    وبالمجمل يمكن أيضاً قراءة حجم التنسيق والتفاهم "الروسي-التركيّ" حول الخطوط العريضة للتعامل مع ملف إدلب، الذي ترك ظاهرياً لإدارة أنقرة، نتيجة قربها مع شريحة واسعة من الفصائل المعارضة العاملة على الأرض.

    تصريحات مصيرية

    والمتابع لمختلف تصريحات السياسيين الروس والأتراك يلاحظ تناغماً وفي أقل تقدير العزف على وتر إبعاد شبح الحرب، دون الحديث عن إزاحته كلياً.

    وعلى سبيل المثال؛ طرحت فكرة تجنيب "إدلب" عملية عسكرية شاملة، منذ نهاية العام الفائت، بحيث يكون التفاهم بين الأطراف الثلاثة (موسكو، إيران، تركيا) حول محاربة التنظيمات المصنّفة إرهابيًا، وضرورة الفصل بينها وبين الأخرى المعتدلة، المنخرطة في نقاشات "أستانا"، وضرورة إعطاء تركيا مزيدًا من الوقت للقيام بذلك.

    وعلينا التركيز هنا على نقطة؛ محاربة التنظيمات المصنّفة إرهابيًا، وضرورة الفصل بينها وبين الأخرى المعتدلة، لأننا سنعود إليها في سياق الكلام.

    الحرب بعيدة

    ويشير غض الطرف التركي منذ العام الفائت وحتى آخر غارة روسية هذه الأيام، عن معظم الضربات الجوية على جسر الشغور والغاب، وريف إدلب الجنوبي مع حماة، عملياً إلى أنه رسالة ضمنية وجهتها القيادة السياسية التركية إلى "هيئة تحرير الشام"، بعد تصنيفها لها ضمن قوائم الإرهاب، يوم الجمعة: 31/ 8/ 2018، بموجب مرسوم رئاسي، بأنّ الأمور متجهة إلى الأسوأ في حال قررت الأخيرة المضي في عنادها، بعدم حلّ نفسها، وتجنيب إدلب عملية واسعة النطاق، لا تستطيع تركيا منعها حينها.

    وتلك رسالة تحمل في طياتها تهديداً ناعماً للتيارات المعارضة التي قد تفكر في الخروج من تحت العباءة التركية.

    وترجح معظم الوقائع أن خيار الحرب وإن كان مطروحاً، لكنه يبقى حاضراً لإعطاء القدرة على المناورة في التفاوض أو ما يسمى "كسر عظم الطرف الآخر"، وهو هنا "المعارضة".

    بالتالي؛ استبعاد أي حرب شاملة على إدلب الآن، يعود إلى تفاهمات الثلاثي الضامن (روسيا-تركيا-إيران)، التي غالباً ما تتصادم مع الرغبة الأمريكية وأطماعها في المنطقة.

    الأمر الذي يبقي إدلب تمثِّل بداية مسار، يفضي إلى حلّ سياسيّ بموجب تفاهم جنيف رقم "2118"، وقرار مجلس الأمن "2254"، وهو ما تضمّنته خطة مؤسسة راند، التي سلمت إلى إدارة أوباما في: ديسمبر 2015، وأوكل شقها الميداني "الخشن" إلى الروس، الذين أنجزوه تقريباً.

    وما لم يتم إنجازه بعد، هو الشق المتعلق بإخراج الجماعات الجهادية من سوريا، وذلك ضمن تفاهمات "أستانا"، التي تمثِّل فيها تركيا حجر الزاوية، إلى جانب روسيا.

    كما أن تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، التي لم يستبعد فيها شن عملية عسكرية شاملة في محافظة إدلب شمالي سوريا، إلا أنه أشار إلى أن هذه العملية "ليست ملائمة الآن"، ترجح السيناريو الذي يرمي إلى إجهاض التيار الجهادي تماماً.

    وكان بوتين أكد أمام الصحفيين خلال مؤتمر صحفي على هامش فعاليات منتدى "الحزام والطريق" في العاصمة الصينية بكين؛ على ضرورة التفكير في المدنيين قبل اتخاذ قرار بشن هجوم شامل في إدلب.

    نظرية الخطوة خطوة

    ولمزيدٍ من التأكيد فقد سبق أن كشف وزير الخارجية الروسي "سيرغي لافروف"، في شهر شباط/فبراير الماضي، عن خطة تتعلق بمنطقة إدلب تم الاتفاق عليها بين قادة "روسيا، وتركيا، وإيران" خلال قمة سوتشي، وذكر "لافروف"، أثناء مشاركته في مؤتمر ميونخ للأمن، أن القادة اتفقوا على إطلاق آلية لاستعادة إدلب سميت بـ"الخطوة خطوة"، وفقاً لقناة روسيا اليوم.

    لكن توضيحات لافروف كانت غير كاملة، فقد حدد آلية العمل تلك بوجود خطة تقضي بشروع العسكريين الروس والأتراك في العمل على تحديد مناطق داخل نطاق "وقف التصعيد" في إدلب لتسيير دوريات مشتركة فيها، وهذا من شأنه وقف لعمليات من جانب المعارضة وتحديداً الجهاديين، باتجاه العمق لدى مناطق الأسد، بالمقابل والمنطقي أن كلمة "خطوة خطوة" لها دلالاتها من اسمها، فإذا كانت الخطوة الأولى تسيير الدوريات فمن الطبيعي أن يتبعها خطوات عملية لاحقة.

    وبالتالي؛ فإنّ مجمل الكلام الأخير يدفع للبحث في مصير التيار الجهادي؛ وفي ضوء ما أفرزه التفاهم الروسي-التركي، وبمباركة إيرانية دون شك. حيث جدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يوم السبت السابع والعشرين من نيسان/أبريل الجاري، عزم بلاده على مواصلة اتخاذ الخطوات اللازمة لتجفيف مستنقع الإرهاب في سوريا.

    وعلى اعتبار أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، استبعد فكرة الحرب الشاملة، ولكنه لم يستبعد عمليات عسكرية؛ وبالتالي فإن القصف سيتواصل على الشمال السوري، وهذا ما يحدث عملياً.

    يسعنا القول؛ أنّ التوافق التركي-الروسي في أستانا أتى فقط بتأجيل حسم الملف في إدلب، وكان انعقاده على سبيل التباحث في النتائج السابقة وإقرارها.

    سيناريوهات محتملة

    ميدانياً؛ تواجه إدلب مجموعة سيناريوهات محتملة؛ في مقدمتها، بحسب بعض التحليلات السياسية:
    1- أن تعمل إيران على إشعال الجبهة، وهذا مستبعد؛ لأنها غارقة في مستنقع العقوبات الأمريكية، وتتحضر للمواجهة المرتقبة مع أمريكا جنوب وشرق سوريا.
    2- سيناريو الأرض المحروقة التي اتبعتها روسيا في الغوطة الشرقية، فيما لو اعتبر بقاء التنظيمات الجهادية واقعاً على الأرض، وبالتالي؛ سيشكل شماعة للروس، بالمقابل ثمة ما يضعف هذا التوجه، فالتيار الجهادي في منطقة الغوطة الشرقية لم يكن بتلك القوة التي يتحصن خلفها اليوم في إدلب والشمال عموماً، كما أنّ جيش الإسلام هناك أطبق فرض إيقاعه وحاصر تلك الكتلة وحجّمها.
    3- ءبالتالي؛ من المرجح الاستمرار في منهج "الخطوة خطوة" التي تحدث عنها، الرئيس أردوغان، الأمر الذي سيعني في الأيام القادمة التوجه لضرب التيار الجهادي، وهذا في الوقت الراهن يعتبر الخطوة الأولى في إزاحة عقبة الجهاديين، كبديل عن أي حرب شاملة ستكون أنقرة وحلفاء النظام أول الخاسرين فيها.

    وما يرجح هذا السيناريو؛ التسريبات التي تنتشر في الداخل من مصادر خاصة مقربة من متزعم هيئة تحرير الشام، تفيد أن الرجل يرقص على الحبل؛ لتحقيق مكاسب مستقبلية، وما يزال يمسك العصا من المنتصف، مع تلميح إلى ضوء أخضر تركي في هذا الجانب، باعتباره الشخصية الوحيدة القادرة على تعطيل أي دور لأصحاب التوجه السلفي الجهادي.

    ومن جهةٍ أخرى؛ فإن المصادر ذاتها تشير إلى عزم "الجولاني" حل الهيئة، بانتظار الوقت المناسب؛ حرصاً على عدم تفككها وانهيارها بشكلٍ كلي.

    ويعتبر حل الهيئة لنفسها؛ دون دراسة واقعية للمسألة معضلة في الساحة؛ باعتبارها ستدفع التيار الموالي للقاعدة بالظهور مجدداً، والانحياز إلى صف "حراس الدين"؛ الذي ﻻ يزال يقود عمليات نوعية وإغارات ضمن غرفة عمليات "وحرض المؤمنين"، بالتشارك مع "أنصار التوحيد، وأنصار الإسلام".

    لماذا الخطوة خطوة؟

    سياسياَ وعسكرياً؛ تمكنت أنقرة من ضمان تحركات بعض الفصائل التي باتت تعيش تحت الوصاية التركية.

    وبالمجمل؛ تكمن الخطورة في تحويل إدلب إلى أفغانستان ثانية، وبمعنىً آخر، إشعال "حرب العصابات" التي برعت فيها "جماعة القاعدة"؛ وتمتلك هذه الأخيرة من النفس على قيادة دفة المعاركة لأسباب كثيرة، ليس أولها أنها معركة وجود فقط، بل لاعتبار ما حققه الفرع الأم من نجاح على حساب الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان مؤخراً.

    ﻻ شك أنّ قتل وإجهاض أي فكرة يستحيل عبر الآلة العسكرية مهما بلغت قوتها، بل إن ردة الفعل تكون أقوى من الذين يحملون الفكرة وتشربوها؛ فكيف إذا كانت عن عقيدة؟

    موسكو وأنقرة تدركان تماماً خطورة الموقف، وأنّ الساحة تنتظر انفجار قنبلة موقوتة، بالتالي؛ الخطوة خطوة؛ تلزم الجانبين التروي في سبيل تحقيق هدف آخر بمرمى التيار الجهادي، وهذا ما يتم عملياً تداوله ونشره، بغرض إنهاك هذه التنظيمات معنوياً ومادياً.

    البدائل المطروحة

    وليس من مصلحة المجتمع الدولي نقل المهاجرين (الأجانب أو حتى من يحملون الفكر السلفي الجهادي) من سوريا إلى منطقة أخرى، كاليمن؛ لأنّ ذلك سيعني إعادة تموضع هذه الجماعات في مكانٍ آخر، بالتالي، نقل المعركة فقط.

    فيما يرجح محللون إمكانية شراء ذمم بعض الفصائل للانقضاض على هذه التيارات، أو حرب التصفيات بحق قيادات التيار الجهادي بالكواتم والعبوات الناسفة، وتسجيلها باسم خلايا تنيم الدولة، داعش.

    ومن جهةٍ أخرى ﻻ يستبعد إعادة سيناريو "معسكر أشرف" في العراق الذي يضم بداخله ما يعرف باسم (مجاهدي خلق) المعارض للنظام الإيراني، دون تحديد المكان والزمان لإجراء مثل تلك الخطوة.

    بالمحصلة؛ ما يتم العمل عليه مؤخراً هو بدء عزل الأجانب في شمال سوريا، واحتواء وجودهم تدريجياً، وليس شرطاً إقامة منطقة خاصة بهم على غرار ما ذكرنا، لكنه يبقى خياراً مطروحاً قابلاً للتطبيق على الأقل إلى أجلٍ يعرفه أصحاب القرار.

     

    ادلبروسيا نظام الاسدسورياايرانتركيا