ظهور "البغدادي".. رسائل ومعطيات وفزاعة لترويع العالم

تقارير

السبت 4 أيار 2019 | 9:56 مساءً بتوقيت دمشق

تنظيم الدولةداعشسورياابو بكر البغداديالعراق

  • ظهور

    بلدي نيوز- (تركي المصطفى)
    ثمة سياق يمكن فيه ربط ظهور "أبو بكر البغدادي" بما جرى ويجري محلياً وإقليمياً ودوليا، حيث ظهر "البغدادي" فجأة وسط ذهول واستغراب الجميع وهو يهدد ويتوعد أعدائه.
    تناقش هذه الورقة كيف ظهر "البغدادي" وتنظيمه في حالة انهيار في كل من سوريا والعراق، أو بالأصح لماذا لم تستطع الولايات المتحدة وروسيا والميليشيات الإيرانية وحليفها الأسد وكل مدعي محاربة الإرهاب، الوصول إلى الرجل الأخطر عالميا، وهم يمتلكون أعدادا عسكرية كبيرة وعتادا متطورا وغطاء جويا متقدماً؟. كما نفصل في هذه الورقة أهم رسائل البغدادي المتباينة ونتوقف عند معطيات هذه الرسائل، فيما تركز الماكينة الإعلامية للغرب وحلفائه في المنطقة على مخاطر ظهور البغدادي لصرف أنظار العالم عن إبادة سكان المناطق المحررة في أرياف حلب وإدلب وحماة، فمنذ ظهور البغدادي في الفيديو المسجل الأخير، وعواصم الدول الكبرى تتنافس في إبداء قلقها على مصير المنطقة والعالم التي اشتركت في تدميرها.
    ظهور البغدادي.. كيف وأين؟
    تشهد الحرب الدائرة في سورية هزيمة تنظيم "داعش" في الباغوز آخر معاقله في (وادي الفرات)، أمام تقدم قوات سوريا الديمقراطي "قسد" التي تساندها طائرات التحالف الدولي، لتضيق الأرض بالتنظيم، بعد تنوع قواعد ووسائل الاشتباك، ما لبث التنظيم أن أعاد ترتيب صفوفه، استعدادا لجولة أخرى يهدد من خلالها مسرح العمليات العسكرية، وزاد من ذلك ظهور زعيمه البغدادي، مفسدا على أطراف الصراع نشوة "النصر" وداحضاً دعاوى الروس اغتياله، رغم تحديد موسكو متى وأين قتلته، فقد ظهر "البغدادي" في التسجيل المصور الذي نشرته مؤسسة الفرقان التابعة للتنظيم، والذي يحمل عنوان "في ضيافة أمير المؤمنين"؛ حيث بدا البغدادي بلحية طويلة نصف بيضاء ومسدلة ويفترش الأرض إلى جانب آخرين أخفيت وجوههم، ويعتقد أن الأشخاص الثلاثة هم: شقيقه الأكبر "جمعة" وصديق طفولته وسائقه وحارسه الشخصي "عبد اللطيف الجبوري"، وحامل رسائله "سعود الكردي"، يجتمعون في غرفة بيضاء عارية. وبدا البغدادي بصحة جيدة ولم تظهر عليه أي علامات واضحة للإصابة، على الرغم من التقارير العديدة التي وردت في السنوات الأخيرة بأنه أصيب في غارات جوية أو في معركة، ويوجد بجانبه بندقية كلاشينكوف من طراز - AK-74 - ظهرت في الفيديوهات التي أعدها زعيم تنظيم القاعدة "أسامة بن لادن".
    وليس واضحاً تاريخ تصوير الفيديو، غير أن البغدادي يقول في بدايته إن "معركة الباغوز انتهت"، في إشارة إلى طرد التنظيم من آخر جيوبه في شرق سوريا قبل نحو الشهر، وأضاف أن مقاتلي التنظيم نفذوا (92) عملية في ثماني دول، مشيراً إلى هجمات سريلانكا التي وقعت قبل أيام واعتبرها ثأراً لمقاتليه في الباغوز، كما تطرق إلى هجوم وقع بمحافظة الزلفي السعودية هذا الشهر، وكذلك إلى أحداث السودان والجزائر، الأمر الذي رأى فيه محللون محاولة لإثبات أن الفيديو جديد.
    ومن المعتقد أن البغدادي -وهو عراقي- يختبئ في منطقة معزولة من المناطق الصحراوية الواسعة في الأنبار العراقية أو ريف حمص الشرقي؛ التي كان يسيطر عليها التنظيم، ويُعتقد أن مقاتلي التنظيم يشنون هجمات على غرار حرب العصابات ضد الميليشيات في البلدين.
    رسائل البغدادي
    أشاد البغدادي بتمدد تنظيمه على مناطق شتى من العالم، وحث أنصاره على مواصلة القتال، وأقرّ بمقتل عدد من قيادات التنظيم العسكرية والشرعية والإعلامية، متوعداً في الوقت نفسه بـ "الثأر" من التحالف الدولي، وتحدث البغدادي في التسجيل المصور الذي امتد لنحو 18 دقيقة، عما وصفه بـ "بشاعة" التحالف الدولي في المعركة الأخيرة في بلدة الباغوز السورية، ونعى عدداً من الأمراء والقادة والمساعدين له، الذين صنفهم ثلاثة؛ وهم الأمراء والولاة، والإعلاميون، وآخرون من الهيئة الشرعية، بينهم أسماء معروفة على مستوى التنظيم، وكان ممن أتى على ذكرهم أبو عبد الرحمن التميمي (سعودي)، وأبو هاجر عبد الصمد (عراقي)، وأبو الوليد السيناوي (مصري)، ثم أبو مصعب الحجازي (سعودي)، وتحدث البغدادي أيضا عمن وصفهم بـ "فرسان الإعلام" وعن صمودهم، وذكر المدعو أبو عبد الله الأسترالي، وخلاد القحطاني، وأبو جهاد الشيشاني، وأبو أنس الفرنسي، وأخوه أبو عثمان، كما نعى أحد أبرز قيادات التنظيم وعضو الهيئة الشرعية فيه، السعودي أبو رغد الدعجاني، موجهاً عدّة رسائل لأتباعه حصرا ويمكن إجمالها بالآتي:
    ـ الرسالة الاولى: انتهاج اسلوب تحرير المبادرة والمبادأة، أي اختيار المكان والزمان للقيام بعمليات إرهابية نوعية تزهق العدد الأكبر من الأرواح، كالذي حدث في كنائس وفنادق سريلانكا.
    ـ الرسالة الثانية: الانتقال من دولة الخلافة الواقعية إلى مرحلة الدولة الافتراضية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتسخيرها لخدمة "التنظيم"، وخصص هذا الاجتماع لإعادة التنظيم وبث الروح المعنوية من جديد، وتعيين ولاة وأمراء عوضا عن الذين قتلوا في المعارك الأخيرة وعن الهاربين، ومما لا شك فيه أن ظهور زعيم التنظيم يعزز الروح المعنوية لدى مقاتليه وأنصاره، وخاصةً أنه حرص على الظهور بمظهر القوي والواثق من قوة التنظيم حالياً ومستقبلاً.
    ـ الرسالة الثالثة: الدعوة الى توحيد الحركة الجهادية تحت زعامة البغدادي الذي ظهر وهو يتفحص "التقارير الشهرية" من مختلف فروع التنظيم بشكل عابر، وهذه لفتة أخرى للإشارة إلى إمساكه بإدارة التنظيم، علاوة على حديثه عن انضمام جماعات إليه في "بوركينا فاسو ومالي وخراسان"، داعيا المقاتلين في مالي وبوركينا فاسو إلى تكثيف ضرباتهم ضد فرنسا وحلفائها.
    معطيات الظهور
    هذا الظهور يفتح فصل جديد من الصراع والمزيد من المخاطر التي يشكلها التنظيم، وفق معطيات المقطع المصور والتي يمكن رصدها من خلال ما يلي:
    ـ الدعوة إلى الثأر؛ وهي فكرة موجهة لأعضاء التنظيم وتنمّ عن تطور خطير، بحيث دعا فروعه في الولايات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط والعالم إلى القتال وطلب البغدادي من مسلحي التنظيم الاستعداد لحرب طويلة الأمد مع أعدائهم، وأمرهم بخوض حربٍ من شأنها أن تستنزف قدرات العدو، ويبدو أن البغدادي حرص على الاستفادة من هجمات سريلانكا، إذ أشاد بالذين قاموا بتلك الهجمات قائلاً: "إنهم أزعجوا الصليبيين في عيد الفصح، انتقاما لإخوانهم في الباغوز"، مضيفاً بأن تلك التفجيرات ليست إلا "جزءاً من الانتقام الذي ينتظر الصليبيين ورجالهم".
    ـ ترسيخ فكرة قيادته الجهاد العالمي المسلح؛ فقد أراد الرجل الذي شغل العالم لخمس سنوات من الخراب القول: إنه باقٍ على قيد الحياة رغم عشرات الإعلانات عن موته أو إصاباته البليغة، ليقطع حبل التكهنات والمحاولات لخلافته ووراثته، فهو ما زال في أتم صحته، ويجد ما يكفي من وقت لصبغ "لحيته الكثة التي ابيضت"، واتخذ من هيئة "أسامة بن لادن" في الجلوس، وما يحيط بها من "كلاشنكوف" من نفس النوعية وغير ذلك من معطى يفيد بأنه وحده "الخليفة" الشرعي والممثل الوحيد لإرث "بن لادن" والقاعدة و"الجهاد العالمي".
    ـ طي صفحة مرحلة "الدولة الجغرافية"، والانتقال إلى مرحلة الاستنزاف وحرب العصابات والعمليات النوعية بأدوات جديدة ووسائل مختلفة وساحات متعددة.
    ـ والمعطى الأخير كما أراده البغدادي؛ يخصّ كل الذين تعجّلوا في إعلان النصر على "داعش"، في أن المعركة لم تضع أوزارها بعد، وأن الذي تغير هو شكل الصراع ووسائله وربما ساحاته، بيد أنّ التنظيم "باق" ومستمر.
    خاتمة
    في المحصّلة، حدّد زعيم "داعش" قائمة أهدافه أو أهداف من يقف خلفه في المرحلة المقبلة، ويأتي على رأسها الأماكن التي ظهرت في ملفات التنفيذ في إفريقية والشرق الأوسط، وكذلك تنفيذ عمليّات إرهابيّة في أيّ مكان من العالم، ما يؤكّد أن الانتصارات العسكريّة التي سبق الإعلان عنها، لا تعني نهاية خطره، بل على العكس هو يريد الاستفادة منها للعودة بشكل أكبر وأخطر، إذ من المبكر الحديث عن انهيار التنظيم وهزيمته عسكريا رغم مؤشرات اندحاره، طالما بقيت الأسباب التي أنجبت التنظيم قائمة كأحد محركات الصراع في المنطقة، والمتمثلة في إطلاق يد الميليشيات الشيعية الإيرانية بشعاراتها الطائفية، وتلك الكردية بأحلامها القومية، واستمرار بقاء الأنظمة الديكتاتورية في سدة الحكم مع كل جرائمها الشنيعة، وما تقوم به روسيا من عدوان ضد السكان المدنيين في المنطقة المحررة، وتغليب الغرب مصالحه الخاصة على مصلحة الشعوب الأخرى بدوافع تاريخية ثأرية نفعية، وقد بات الفصل في الصراع القائم تتحكم به القوة لا إجراءات العدالة، في وقت تراجعت فيه سلطة ما يسمى بالشرعية الدولية.
    من هنا، ستبقى المنطقة مسرحا للتنظيمات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم "داعش" والميليشيات الشيعية الإيرانية، وهو ما يستوجب محاربة "الإرهاب" بالبحث عن أسباب نشأته وتناميه وإيجاد حلّ عادل للقضية السورية باقتلاع نظام الأسد من جذوره، باعتباره النظام الذي يمارس إرهاب الدولة وراعي الإرهابيين في المنطقة.

    تنظيم الدولةداعشسورياابو بكر البغداديالعراق