ريف حماة.. رهان الموقع وتفاعلات المعركة سياسياً وعسكرياً

تقارير

الاثنين 10 حزيران 2019 | 10:22 صباحاً بتوقيت دمشق

ريف حماة الشماليريف حماة الغربيالجيش الحرتركياروسياواشنطناتفاق أستانااتفاق سوتشيهيئة تحرير الشامقوات النظام المعارضة السوريةادلبحلبحماة

  • ريف حماة.. رهان الموقع وتفاعلات المعركة سياسياً وعسكرياً

    بلدي نيوز - (تركي مصطفى) 

    يناقش هذا الملف المعركة الدائرة في ريف حماة الشمالي والغربي بين فصائل المعارضة السورية المسلحة من جهة، وبين القوات الخاصة الروسية والميليشيات الطائفية من جهة أخرى، في إطار المعارك الناشبة منذ أواخر شهر نيسان. ونوطئ لهذا الملف باستعراض تحليلي موجز لأهمية الريف الغربي لمدينة حماة في بعده العسكري المتصل بنتائج المعركة وأهدافها. ثم يتناول الملف بالتحليل جوانب هذه المعركة، خططا وتفاعلات ونتائج، كما يقف على آفاقها المحتملة اعتمادا على توجه عجلة المعارك ومحركاتها التي جعلت من الحرب في منطقة خفض التصعيد كما لو أنها تجري في طريق لا نهاية له. 

    مقدمة:

    منذ العدوان الروسي على منطقة خفض التصعيد الرابعة التي تشمل محافظة إدلب وأجزاء من المحافظات الشطرية المحررة (حماة وحلب واللاذقية)، دخلت خط المواجهة المسلحة بين فصائل المعارضة المسلحة من جانب، والميليشيات المدعومة من روسيا من جانب آخر، ولا تزال المعارك في تمدد مستمر على خريطة الريف الحموي الشمالي والغربي. أمام استمرار المعارك طرأت تغيرات واضحة على شكل القتال وخططه وإمكانياته ومواقف الأطراف في التحالفات والتكتلات الإقليمية والدولية، وما تشكله المعارك الدائرة من جدل حول فشل روسيا وميليشياتها في المنطقة التي تحاول قضمها على غرار مناطق خفض التصعيد في ريف حمص الشمالي والغوطة والجنوب السوري، وما يشكل تقدم فصائل المعارضة المسلحة في ريف حماة بدعم تركي من قوة دفع لعجلة الحرب وتأثيرا مهما في الاستراتيجيات المتضاربة بين أنقرة ومن خلفها دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة، وبين موسكو ومن يساندها من ميليشيات إيرانية مصنفة على لوائح الإرهاب، تجني ثمارها الثورة السورية وصولا لهدفها المرحلي المتمثل في العودة إلى ما قبل كفر نبوذة.

    الأهمية الاستراتيجية

    يمكن وصف ريف حماة الغربي بأنه الموقع الأكثر تأثيرا في المعارك الدائرة باعتباره بوابة مدينة حماة من الجهة الغربية، عبر طريق السقيلبية-حماة، كما يكتسب أهمية كبيرة، من خلال منطقة غربي العاصي التي تقطنها أغلبية موالية لنظام الأسد وتقع على تماس مع مناطق الساحل السوري، وتعتبر خزانا بشريا ضخما يمد قوات الأسد وميليشياته بالمقاتلين. ومنها يمر خط إمداد نظام الأسد الرئيسي وفيه يقع مطار جب رملة لحوامات البراميل، وكذلك مطار حماة العسكري الذي تنطلق منه طائرات الأسد لقصف المدن والبلدات الثائرة ضد نظامه. ويتبع ذلك قيمة استراتيجية وجيواستراتيجية للمنطقة من خلال تنوع تضاريسها بين السهلية والهضبية التي يخترقها نهر العاصي، مما أعطاها ميزة اقتصادية لها أهميتها الكبيرة في ظروف السلم والحرب. لذلك كان من أولويات المعركة التي أعلنتها الفصائل المعارضة في مرحلتها الأولى السيطرة على بلدات الريف الغربي، واسترداد القرى والبلدات التي خسرتها في المعارك الدائرة، وأطلقت عليها تسميات بحسب كل فصيل مشارك؛ فهيئة تحرير الشام سمتها "غزوة المعتصم بالله المدني" في حين أطلقت عليها الجبهة الوطنية للتحرير، معركة "دحر الغزاة"، أما جيش العزة فسمّاها " كسر العظم". ومع انتهاء المرحلة الأولى من العمل العسكري، وبدء المرحلة الثانية، أُطلقت على المعركة "الفتح المبين"، بعدما تم توحيد المسمى لكافة الفصائل.

    عسكريا، يكتسب طريق "السقيلبية- محردة"، أهمية استراتيجية بعد قطع فصائل المعارضة طريق الإمداد السريع بين ريف حماة الشمالي والغربي، كما قطعت طريق السقيلبية- حماة. وإجبار مليشيات الروس على نقل القتلى والجرحى باتجاه مصياف، وسلوك طرق فرعية للوصول إلى منطقة السقيلبية. ويعتبر التحكم بطرق إمدادات الميليشيات الروسية وتحركاتهم، تهديدا لتماسكهم والتأثير على أفكار قادتهم ومقاتليهم، ويربك حساباتهم، ويحد من خياراتهم، وحجم التأثير يتوقف على طبيعة التحكم بها وطرق توظيفها. كما أن تعطيل مطاري جب رملة وحماة العسكري، ووصل المناطق المحررة في ريف حماة الشمالي بريفها الغربي تعتبر أهدافا معلنة للمعارضة المسلحة. هنا تجدر الإشارة إلى أن من بين ما ركز عليه الروس، إحكام قبضتهم على ريف حماة الغربي بوصفه ثقلاً جغرافياً وسكانياً لموالي النظام، ومركزاً لاحتضان المحتلين على امتداد التاريخ السوري المعاصر، ولا أدل على ذلك من الأحداث الجارية حيث تتمركز القواعد العسكرية الروسية والإيرانية بشكل مكثف في ريف حماة الغربي وسط تهليل وترحيب من النظام. في ظل هذه المعطيات، يمكن تفسير التعامل المبكر مع ريف حماة الغربي من قبل الإيرانيين ومن ثم الروس، بأنه خطوة عسكرية قطعت الطريق أمام أية محاولة لانتزاع هذه المنطقة لصالح الثورة السورية.

    ميدانياً

    تكشف المعارك الجارية في ريف حماة الشمالي عن وجود تنسيق عسكري عالي المستوى على الأرض بين فصائل المعارضة بمختلف تياراتها، قدمت خططا تكتيكية أبهرت نتائجها المراقبين، بكسر القوس الدفاعي الاستراتيجي الذي أنشأه الروس والممتد من محردة في ريف حماة الغربي مرورا بتل ملح والجلمة وصولا لمدينة السقيلبية. ولا بد من رصد سير المعارك وتفاعلاتها المهمة من خلال معرفة طرفي القتال.

    أولاً- فصائل الثورة المسلحة: وتضم هيئة تحرير الشام، و الجبهة الوطنية للتحرير، والجيش الوطني.

    ثانياً- القوات الخاصة الروسية: " سبستناز" المصنفة ثانياً عالمياً، تمتلك أقوى المصفحات و الدبابات، وأحدث تكنولوجيا الـ"gps" للرمايات المدفعية، ويقاتل تحت رايتهم "قوات النمر" و"الفيلق الخامس" و"لواء القدس". 

    خطط المواجهة وتكتيك المعركة

    تجري معارك ريف حماة الغربي وفق خطط استراتيجية فرضتها الأحداث العسكرية على فصائل الثورة المسلحة، ولا يمكن فصلها عما يجري في قمم "كبانة" الصامدة، أو أطراف جبل شحشبو، بمعنى أن الصورة هنا وهناك تصعيد عسكري واستماتة لكسب مزيد من الأرض يقابله تصعيد واستماتة للتشبث بالأرض واستردادها، وفي جانب التكتيك المتبع في معارك ريف حماة الغربي، فالملاحظ أن فصائل المعارضة تحولت من وضعية الدفاع إلى الهجوم وتطويره، مما مهد عمليا لتحرير منطقة واسعة في المرحلة الأولى من المعارك الطاحنة بعد أن كسرت خطوط دفاع القوات الخاصة الروسية "سبستناز" المصنفة ثانياً عالمياً، في تل ملح والجبين والضهرة، وبالسيطرة عليها تمكنت فصائل المعارضة من قطع طريق الإمداد السريع الرابط بين السقيلبية ومحردة، ومن ثم إجبار ميليشيات الروس على نقل القتلى والجرحى باتجاه مصياف، وسلوك طرق فرعية للوصول إلى منطقة السقيلبية. وفي المرحلة الثانية تصاعدت وتيرة الهجوم باتجاه مناطق جديدة تحت مسمى معركة "الفتح المبين" استهلها الثوار بعملية استشهادية، استهدفت مليشيات الأسد المتمركزة في وادي عثمان بين قرية الجلمة وبلدة كرناز. التي تقدمت إليهما طلائع الفصائل المسلحة وفرضت طوقا على قرية الجلمة، واشتبكت مع الحامية الروسية في كرناز، فيما كثفت نيرانها باتجاه الشيخ حديد بهدف السيطرة على الحماميات ومتابعة التقدم باتجاه كفر نبوذة.

    تفاعلات المعركة

    عملت فصائل الثورة المسلحة بالتنسيق والتعاون فيما بينها على زيادة رصيدها، فتمكنت منذ انطلاقة المعركة " الفتح المبين" من تحرير مناطق إدارية مهمة (الجبين – تل ملح – مدرسة الضهرة)، محققة نتائج كبيرة يمكن رصدها من خلال امتلاك الفصائل المبادرة والمبادأة، وباتت الميليشيات الروسية تعتمد بشكل رئيسي على سلاح الطيران بكافة أنواعه، بعد أن عطلت جزئيا صواريخ المعارضة الطلعات المكثفة لمطار حماة العسكري، كما أدخلت الفصائل  الطائرات الصغيرة دون طيار، في منظومة تسليحها، لتمثل أداة رئيسة من أدوات استراتيجيتها العسكرية في المعركة الدائرة، لأغراض الاستطلاع، والمراقبة، والمسح، والقصف، وقد طالت هجمات هذه الطائرات مطار جب رملة لحوامات البراميل المتفجرة، فضلاً عن سيطرة الفصائل على الطريق السريع الواصل بين محردة والسقيلبية. وبعد التحاق فصائل مهمة من الجيش الوطني بالمعركة اتسعت دوائرها يمينا وشمالا ما يعني دخول مناطق أخرى ضمن دوائر المعركة، والاقتراب من مناطق الحاضنة الروسية حيث توجد أكبر التجمعات العسكرية في بريديج آخر خطوط الدفاع عن القرى المؤيدة في ريف حماة الغربي، ما اضطر الروس لاستقدام أعدادا كبيرة من التعزيزات بعد مقتل ما يقارب 500عنصر وجرح 1500 منذ بداية المعركة قبل أربعين يوماً. وإجبار الميليشيات الروسية على سحب قواعدها العسكرية من كرناز والشيخ حديد.

    القوات الخاصة الروسية بمواجهة فصائل المعارضة

    حاولت المليشيات الروسية القيام بهجوم معاكس انطلاقا من محور كفر هود باتجاه تل ملح  لكنها وقعت في كمائن أعدتها الفصائل على جانبي محور التقدم، واشتبك الطرفان من مسافات قريبة لساعات. وقتل في المعارك أكثر من 30 عنصراً من المليشيات. وأسرت هيئة تحرير الشام مقاتلين هما ابن رئيس مفرزة "الأمن السياسي" في السقيلبية ومرافقه. ودمرت الفصائل بالصواريخ المضادة للدروع 5 دبابات وعربتي ب إم ب، وست مركبات عسكرية، وقاعدتي رشاش ثقيل، واغتنمت كميات من الأسلحة والذخائر التي كان من المفترض أن تستخدمها المليشيات الروسية في تثبيت مواقعها في حال سيطرتها على تل ملح. وحاول الروس إيقاف تقدم المعارضة على محور الجلمة بعد استقدامهم تعزيزات كبيرة اشتبكت مع فصائل الثورة داخل القرية، وفاجأت "هيئة تحرير الشام" بسيارة مفخخة تجمعا كبيرا للميليشيات ما أسفر عن مقتل مجموعة كاملة من "قوات النمر" المدعومة روسياً. وطورت فصائل المعارضة خططها التكتيكية بتكثيف الإغارات والكمائن، وهذا ما دفع القوات الخاصة الروسية إلى إخراج عتادها الثقيل من كل محاور القتال، فضلاً عن قيام الفصائل بقصف مستودعات أسلحة تابعة للمليشيات الروسية في حيالين، أربك غرفة العمليات الروسية التي أوقفت عملياتها الهجومية بانتظار مزيد من التعزيزات بعد المقتلة الكبيرة التي منيت بها ميليشياتها. 

    رسائل أنقرة النارية

     الهجوم الذي تشنه فصائل المعارضة يدلل على عمق هوّة الخلاف بين الضامنين التركي والروسي، ما يعني أنّ شمال غربي سورية يتّجه نحو مزيد من تصاعد الحرب يجسده تقدّم فصائل المعارضة، بمباركة من تركيا بعد فشل كافة الجهود المكثفة مع الجانب الروسي خلال المفاوضات، لفرض وقف إطلاق النار، والعودة إلى ما قبل كفر نبوذة، لكن الجانب الروسي المماطل والمعطل تفاجأ بالضربات الموجعة لفصائل المعارضة التي أدت إلى تحرير مناطق جديدة في اتجاه عمق الخزان البشري المؤيد  للروس ونظام الأسد، ومقتل ما يقارب 500 عنصر وجرح 1500 جلّهم من عناصر الفيلق الخامس ولواء القدس الفلسطيني، فاضطرت روسية لتعويض النقص بزج مقاتلين روس ظهروا علناً في كرناز والشيخ حديد، وباتت فصائل الثورة بمواجهة القوات البرية الروسية في محور ريف حماة الغربي، مما حدا الأتراك إلى مدّ الفصائل بأسلحة نوعية في المعركة، منها مضادات متطورة للدروع، وبعض المضادات الجوية للحد من تفوق الطيران، والسماح للمعارضة إرسال المئات من مقاتليها إلى الجبهات بريف حماة والعدد الأكبر من المقاتلين الواصلين حديثاً إلى ميدان المعركة هم من "أحرار الشرقية" و"الفرقة 20" و"الفرقة التاسعة" و"جيش الشرقية" وغيرها من الفصائل التابعة لـ"الجيش الوطني"، وهي تعزيزات كبيرة ومؤثرة. وهذا ما مكّن الفصائل من إحراز تقدم على الأرض، و تطوير التكتيك العسكري وفق استراتيجية الكمائن والإغارة للتنكيل بالروس واستنزاف قدراتهم العسكرية، وكل هذا يتضمن رسائل واضحة عن الحزم التركي في شمال غربي سورية، وإجبار الروس على العودة إلى ما قبل كفر نبوذة سواء عن طريق المفاوضات أو عن طريق الحرب.

    نتائج

    يتوقف استثمار معركة ريف حماة على تطوير التفاهم البيني لفصائل المعارضة المسلحة، عسكرياّ وسياسياً مما يفرض عليها التخلص من حساباتها الضيقة، لتكون معركة حماة ناجزة ومحركة لعجلة النصر، وتحقيق الأهداف السياسية للمعركة، لا يتم دون نقل المعارك إلى مناطق الخزان البشري الطائفي الداعم للروس وللأسد والذي بات جغرافياّ تحت مرمى نيران الفصائل. ولعل المصالح المتضاربة في سياق تنافس الدول الكبرى التي تحرك وتراقب ما يجري في سورية تقف إلى جانب تركيا في ما يخص موضوع إدلب، وخصوصاً الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهو ما يضع الجانب الروسي تحت تأثير ضغوط كبيرة. لذلك ستعود روسيا للتمسك بمسار أستانا، وإلا ستعرض مكاسبها لمخاطر كبيرة، بعد أن أدركت قدرات الفصائل عسكرياً وما يقابلها من ضعف وتآكل للميليشيات التي تدعمها، لذلك زجت بقواتها الخاصة على الأرض في محاولة لإيقاف زحف فصائل المعارضة، مما سيجبرها إن بقي الوضع على ما هو عليه إلى التوافق مع تركيا في العودة إلى طاولة المفاوضات ولكن هذه المرة دون عنجهية الروس المعهودة  التي تمرغت بأوحال التقهقر في ريف حماة الغربي. 

    ريف حماة الشماليريف حماة الغربيالجيش الحرتركياروسياواشنطناتفاق أستانااتفاق سوتشيهيئة تحرير الشامقوات النظام المعارضة السوريةادلبحلبحماة