تفاهمات "تركية-أميركية" تقترب من إعلان ترسيم "المنطقة الآمنة" شمال سوريا

تقارير

السبت 20 تموز 2019 | 4:38 مساءً بتوقيت دمشق

تركياأمريكاسورياإقامة منطقة آمنةشرق الفرات

  • تفاهمات

     بلدي نيوز - (تركي مصطفى)

    ملمح جيوسياسي

    يواصل الجيش التركي تعزيز قواته العسكرية المنتشرة في المناطق الحدودية المتاخمة لشرقي الفرات قادمة من مختلف الولايات التركية، وتضم هذه التعزيزات مدافع ثقيلة من طراز "فرتنا" ومدرعات ودبابات بالإضافة الى وحدات خاصة تركية، وذلك ضمن التحضيرات التي تجريها استعدادا لعملية مرتقبة شرقي الفرات.

    وشهدت مناطق الحدود الشمالية السورية المشاطرة لتركيا خلال سني الثورة، تناميا كبيرا في نشاط حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي "ب ي د"، الفرع السوري للعمال الكردستاني؛ حيث برز ذلك بشكل مقلق في المناطق السورية التي تطور الأمر فيها، متخطيا النمط التقليدي الكردستاني القائم على التخريب، إلى محاولة إقامة كانتون قومي، وفرض التغيير الديمغرافي بالقوة المسلحة، بحسب تقارير حقوقية، وذلك على نحو ما حدث في المناطق التي يسيطر عليها في تل أبيض ومدينة الرقة والقامشلي وغيرها من المناطق الشطرية مع تركيا القلقة على أمنها القومي لسوابق العمال الكردستاني (PKK) خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

    حيث وفر نظام الأسد الدعم اللامحدود للكردستاني في صراعه المسلح مع أنقرة والذي اندلع في 1984، حيث كان زعيمه عبد الله أوجلان يقيم في دمشق، وسمح للحزب بتأسيس معسكرات تدريبية فوق أراضيه. وفي أكتوبر/تشرين الأول 1998 بلغت الأزمة بين تركيا ونظام الأسد ذروتها حيث حشدت أنقرة قوات كبيرة على حدود البلدين، مهددة باجتياح الجانب السوري منها إذا استمر نظام الأسد في توفير ملجأ آمن لأوجلان.

    جرت وساطات إقليمية لاحتواء الأزمة شاركت فيها جامعة الدول العربية ومصر وإيران، وكان من نتائجها توقيع الدولة التركية مع نظام الأسد اتفاقا أمنيا بمدينة أضنة التركية يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول 1998، وشكل ذلك الاتفاق "نقطة تحول" رئيسية في مسار العلاقات بين سوريا وتركيا.

    في الآونة الأخيرة عندما تمكن "ب ي د" من اجتياح المناطق الحدودية، وسيطر على أغلب المراكز السيادية فيها، بمؤازرة مجاميع إسناد محلية معلومة الولاء والتبعية  لنظام الأسد، شرع بانتهاج طرق أخرى، لفرض وجوده على ما تبقى من مناطق شرق الفرات، عبر التوسع والانتشار باللجوء إلى خيار "حروب العنف" الذي اتبعه لإخضاع محافظة الرقة، أو في محاولة السيطرة على منبج، وصولاً إلى اجتياح ما تبقى من مناطق شرق الفرات المعروفة بـ"الجزيرة السورية"، تحت مدعى محاربة تنظيم "داعش"، بتمهيد من الطيران الحربي الأميركي.

    وفي السنوات الثماني الأخيرة، برز "ب ي د" كتنظيم مؤدلج مسلح ذي ارتباطات خارجية، تتصدرها علاقته مع الولايات المتحدة ونظام الأسد، فاشتبكت معه القوات المسلحة التركية في عدة معارك بمساندة فصائل الجيش السوري الحر، ثم توافد إلى صفوف "ب ي د"  مقاتلون أكراد من تركيا، بدافع قومي، لكون الحزب الكردي يسعى إلى إقامة كانتون قومي داخل بلد أغلب سكانه من العرب، أما الدافع الآخر فهو استمرار لعمليات التخريب التي تستهدف الدولة التركية وإن كانت بثوب ديمقراطي أحدثته الولايات المتحدة عندما كونت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).

    ومنذ اندلاع الثورة السورية عام 2011م، اتهمت أنقرة الأسد بالتنسيق مع حزب "ب ي د" لتسليم المناطق الكردية المحاذية للحدود التركية إلى "الوحدات الكردية" وهددت تركيا بممارسة حقها في ملاحقة المتمردين الأكراد الأتراك داخل سوريا في حال الضرورة.

    وجاءت عملية "درع الفرات" العسكرية التي أطلقتها أنقرة في صيف 2016 "تطبيقاً تركياً" لبنود اتفاقية أضنة وملاحقها السرية.

    لم تتوقف تركيا في ملاحقة الوحدات الكردية، فأطلقت عملية "غصن الزيتون" في مستهل العام 2018م التي نفذها الجيش التركي إلى جانب فصائل "الجيش السوري الحر" ضد الوحدات الكردية في مدينة عفرين السورية، وأكّد حينها  كبار القادة الأتراك على أن العملية تأتي في إطار القانون الدولي وحقها الطبيعي في الدفاع عن النفس. وفي إطار الحقوق التي تمنحها الأمم المتحدة في ميثاقها للدول الأعضاء، ويشير خبراء قانون وباحثون أتراك إلى أن اتفاقية أضنة (1998) بين تركيا ونظام الأسد هي أبرز الأرضيات القانونية التي تستند عليها العمليات العسكرية التركية في شمالي سوريا.

    منظور قانوني

    ما يجب أن يشار إليه؛ لفهم ما دار ويدور اليوم من تحرك وتوسع للعمليات العسكرية التركية في مناطق  الحدود السورية،  أنها تأتي استنادا لاتفاق أضنة مع نظام الأسد عام 1998، ولإثبات قانونية عملياتها العسكرية تعمدت أنقرة تقديم رسالة خطية إلى ممثل نظام الأسد في القنصلية السورية في إسطنبول لتبلغه فيها بدء أي عملية عسكرية مع توضيح الأهداف مدموغة بنصوص اتفاق أضنة، وبما أن نظام بشار الأسد وريث لتركة الأسد الأب بصفته الوظيفية.

    فهو ملزم بتنفيذ كامل بنود الاتفاقية وعلى رأسها البند الذي ينص على "مكافحة الإرهاب عبر الحدود وإنهاء سوريا كل أشكال الدعم لتنظيم العمال الكردستاني وإخراج أوجلان من الأراضي السورية ومنع المسلحين الأكراد من التسلل للأراضي التركية، واحتفاظ تركيا بممارسة حقها الطبيعي في الدفاع عن النفس و المطالبة بتعويض عادل عن خسائرها في الأرواح والممتلكات، إذا لم توقف سوريا دعمها للحزب الكردستاني فوراً، وإعطاء تركيا حق ملاحقة الإرهابيين في الداخل السوري حتى عمق خمسة كيلومترات، واتخاذ التدابير الأمنية اللازمة إذا تعرض أمنها القومي للخطر". ولسد الثغرات القانونية أبلغت أنقرة خطياً الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وقبله بان كي مون والدولة التي تتولى الرئاسة الدورية لمجلس الأمن الدولي بأهداف أية عملية داخل الأراضي السورية وسندها القانوني.

    أهمية المنطقة الآمنة

    لم يتراجع قلق تركيا الأمني، بل تعاظم بقدر ما شهدته وتشهده الحدود الشطرية مع سوريا من تطوراتٍ خلال ثماني سنوات، وبات المطروح اليوم منطقةً تركيةً آمنةً بعرض 20 ميلا، وفق ما حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أي 32 كم.

    بتوافق مع الرئيس التركي أردوغان الذي أبلغ ترمب خلال اتصالات ولقاءات سابقة، أنه ينطر بإيجابية إلى مقترح المنطقة الآمنة، وأنه كان مقترحاً تقدم به للإدارة الأميركية السابقة، وأن ترمب عبّر عن سعادته بالتعاطي التركي الإيجابي مع المقترح.

    وعن هذا التوافق، قال حينها مولود جاويش أوغلو وزير الخارجية التركي "إن فكرة المنطقة الآمنة، التي تحدث عنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، هي في الأساس مطروحة من قبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ بداية الأزمة السورية"، لكن الولايات المتحدة وقوى أوروبية رفضت المقترح.

    غير أنّ العمليات التي نفّذتها تركيا في أعزاز وجرابلس والباب وعفرين، شكّلت مناطق آمنة بحكم الأمر الواقع، وكانت نتائج هذا الأمر إيجابية بالنسبة للسكان المحليين.

    وفي تطور هام يرسم ملامح مستقبل سوريا بعد الحرب، وافقت كل من بريطانيا وفرنسا على إرسال قوات إضافية إلى سوريا. كما أن قرار الانسحاب الذي أعلنه ترامب في نهاية العام الماضي والذي أثار عاصفة استياء وأدى إلى استقالة وزير الدفاع وعدد من المسؤولين رفيعي المستوى، أصبح من الماضي، إذ عمدت الإدارة الأميركية، تحت ضغط المؤسسة العسكرية والكونغرس، إلى تعزيز تواجدها في سوريا بعيدا عن رغبات الرئيس الأميركي ومتطلبات حملته الانتخابية للعام القادم.

    بهذا المعنى تأتي مشاركة قوات إضافية من فرنسا وبريطانيا، ومن المتوقع إعلان دول أخرى مشاركتها قريبا، في إطار تكريس الوضع السياسي والأمني الحالي لمناطق شمال سوريا، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بالتعاون الدولي مع تركيا، من هنا، أكد وزير الخارجية الروسي لافروف أنه "بطبيعة الحال، ستكون المصالح الأمنية لدول المنطقة بما فيها تركيا جزءاً من الاتفاقيات التي نسعى إلى بلورتها".

    وأعلن لافروف، في تصريح سابق أن اقتراح تركيا لإقامة منطقة عازلة على الحدود في شمال سوريا محور أساسي للبحث في كل  قمة روسية – تركية.

    وبالتالي سوف تبقى القوات الأميركية في سوريا ويجري تعزيزها بمشاركة عدد من الدول الأوروبية، من جهة أخرى، شهدت مناطق شرق الفرات تصاعد وتيرة انخراط المملكة العربية السعودية، في تحديد مستقبل شمال سوريا.

    ونجحت الضغوط الأميركية على حزب (pyd) والمشاورات السعودية مع القبائل العربية في الحدّ من التصادم العربي- الكردي.

    عودة تركية

    بدت أنقرة أكثر جرأة وأظهرت استعدادا للتصادم مع حلفائها، إيران وروسيا، بما يخص مناطق خفض التصعيد. حيث دعمت تركيا علناً فصائل المعارضة بشكل واسع وغير مسبوق منذ توقف الدعم عنها عام 2017. وأوقعت فصائل الثورة خسائر فادحة في صفوف الحلف الروسي في مناطق ريفي إدلب وحماة.

    بل وفتحت الفصائل المسلحة جبهة ثالثة على الساحل السوري، في تنسيق للعمل العسكري على عدة جبهات لم يحدث منذ عام 2016. والأهم من كل هذا إعلان الجبهة الوطنية للتحرير المدعومة من تركيا استهداف مطار حميميم بالصواريخ.

    باختصار، يشير الدعم الهائل الذي حظيت به تلك الفصائل إلى تمسك تركيا بمنطقة نفوذها شمال سوريا، علاوة على تصعيدها العسكري شرق الفرات لتنفيذ المنطقة الآمنة التي أعلنت استعدادها لإنشائها في شمال سوريا بموجب اقتراح الرئيس الأميركي، ووفق هذه التطورات، اتفق وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، ونظيره الأميركي بالوكالة مارك إسبير، على قيام وفد أميركي بزيارة تركيا، لبحث الملف السوري.

    وقالت وزارة الدفاع التركية، في بيان لها، إن أكار وإسبير بحثا خلال اتصال هاتفي بينهما، المستجدات في سوريا، والمنطقة الآمنة في شرق الفرات التي اقترحتها الولايات المتحدة في ديسمبر (كانون الأول)، وحسب البيان، قال أكار إن الجيش التركي هو القوة الوحيدة الجاهزة والمؤهلة والمناسبة لإنشاء المنطقة الامنية شمال شرقي سوريا، وإن بلاده مضطرة إلى اتخاذ التدابير ضد الهجمات المكثفة من الحدود السورية، وأولويتها تتمثل في حماية مواطنيها وحدودها.

    وذكر البيان أن "أكار وإسبير" اتفقا على مواصلة الحوار بين البلدين، وإرسال وفد أميركي إلى أنقرة على وجه السرعة، هذا الأسبوع، لبحث موضوع إنشاء المنطقة الآمنة في سوريا.

    وفي هذا السياق، تحدث المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري، الذي زار تركيا أكثر من مرة، لإجراء مباحثات حول هذا الموضوع، عن إقامة منطقة آمنة بمساحة محددة، قرب الحدود التركية، لإبعاد حزب (pyd ) الكردي عنها، بينما تطالب تركيا بمنطقة بعمق 40 كيلومتر من حدودها، كما تطالب أنقرة، واشنطن، بالالتزام بتنفيذ تعهداتها بإخراج "الوحدات الكردية" من منبج بموجب اتفاق وقع بين الجانبين في 4 يونيو (حزيران) 2018. ولم تحسم الولايات المتحدة بعد حدود أو أبعاد المنطقة الآمنة المقترحة، وتقول أنقرة إن الاتصالات لا تزال مستمرة بين الجانبين بشأنها.

    رؤية تحليلية

    تشترك فصائل المعارضة مع الجانب التركي للعمل على تحقيق أهداف المنطقة الآمنة لتكون أساساً لمنطقة خالية من ثالوث الإرهاب المتمثل بـ" نظام الأسد وحزب الاتحاد الديمقراطي "ب ي د" والميليشيات الإيرانية"، وصولا لتحقيق الأهداف المرجوة من هذه العملية، كـ(منع حدوث موجة نزوح جديدة، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى المدنيين بالمنطقة، وتطهير الحدود من المنظمات الإرهابية والمساهمة في زيادة أمن الحدود، وتسليم إدارتها للعرب تحت إشراف وتمويل تركي دولي). وعلى الرغم من تماثل مواقف النظام و"حزب ب ي د"، برفض فكرة المنطقة الآمنة شمال شرقي سوريا، فإنه لا يجوز وفق القانون الدولي اعتراض نظام الأسد على هذه المنطقة التي تأتي تطبيقا تركياً لبنود اتفاق أضنة وملاحقه السرية التي أبرمها حافظ الأسد مع الدولة التركية، وبما أن نظام بشار الأسد وريث لتركة الأسد الأب بصفته الوظيفية  فهو ملزم بتنفيذ كامل بنود الاتفاقية. هكذا تبدو فكرة المنطقة الآمنة ضرورة أمنية، لمواجهة التهديدات التي تخلفها الأنشطة غير المشروعة الممارسة في المجال السوري لمنطقة الحدود، فيما تنتظر أنقرة من واشنطن إثبات ذلك عمليا، ويشير تصاعد الحراك الدبلوماسي التركي - الأميركي إلى تفاهمات بين الطرفين حول الاقتراب من التطبيق العملي لتحقيق فكرة المنطقة الآمنة وآليات التعامل معها، إقليمياً، ودولياً.

    تركياأمريكاسورياإقامة منطقة آمنةشرق الفرات