ورقة سياسية وممارسات عنصرية.. لاجئو سوريا كالمستجير من الرمضاء بالنار

تقارير

الأربعاء 24 تموز 2019 | 3:30 مساءً بتوقيت دمشق

سورياملف اللاجئيندول الجوار السوريالاتحاد الأوروبيالمجتمع الدوليتركياالولايات المتحدةروسيا نظام الأسد

  • ورقة سياسية وممارسات عنصرية.. لاجئو سوريا كالمستجير من الرمضاء بالنار

    بلدي نيوز – (تركي مصطفى)

    مقدمة:

    تحوّلت سوريا إلى ميادين كبيرة لتجارب الدول الكبرى وأدواتها الإقليمية، والمنظمات الدولية ذات الأبعاد الاسترزاقية في الحرب المستعرة منذ ثماني سنوات، إذ تعمل على إذكائها؛ لضمان استمرارها بوتيرة ما حتى تتمكن من الحصول على مصالحها الكبرى، وهو ما حققته لهم قضايا الحرب السورية وبالأخص قضية اللاجئين.

    كانت وجهة اللاجئين السوريين أولا تركيا، بحكم دعمها للمعارضة واشتراكها مع سوريا بحدود طويلة، وسجلت "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" لجوء (3.5) ملايين سوري إلى تركيا، بينما يبلغ عدد اللاجئين السوريين في لبنان أكثر من مليون ونصف المليون لاجئ، وقد أغلقت السلطات اللبنانية الحدود منعا لاستقبال مزيد من اللاجئين السوريين، كما فرضت تأشيرة على دخول السوريين منذ مطلع عام 2015. وفي الأردن، سجلت "دائرة الإحصاءات العامة الأردنية" في التعداد الأخير، وجود مليون وربع المليون لاجئ سوري في المملكة. ونتيجة الأوضاع الصعبة في دول الجوار، اتجه السوريون المهجّرون إلى أوروبا، حيث عبروا من تركيا بواسطة قوارب متهالكة في بحر إيجة لبلوغ اليونان، ثم أوروبا الغربية، وقد قضى المئات غرقا في البحر، وعجزت أوروبا عن التعامل مع المشكلة، فاتخذت بعض الدول الأوروبية إجراءات أحادية الجانب، مثل صربيا والمجر وسلوفينيا التي أقامت الحواجز على حدودها. وصرحت "منظمة الهجرة الدولية، أن أكثر من (5000)  شخصا لقوا حتفهم أو اختفوا في البحر الأبيض المتوسط وبحر إيجة أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا. وبينما استقبلت ألمانيا والنمسا والسويد اللاجئين السوريين من دون قيود، وأسكنتهم في أمكنة خصوصية، أغلقت المجر محطة القطارات، التي كانت تضم المهاجرين السوريين، وقيدت حريتهم في التنقل، ومنعتهم لأيام من المغادرة إلى النمسا، كما بنت بلغاريا سياجا على طول الحدود مع تركيا لمنع المهاجرين من عبور أراضيها من أجل الوصول إلى دول أخرى في الاتحاد الأوروبي.

    يناقش هذا الملف قضية اللاجئين السوريين خلال الأعوام الماضية من عمر الثورة بعدما كشفت الوقائع والأحداث التي شهدتها وتشهدها المدن والبلدات الثائرة أن روسيا ونظام الأسد والميليشيات التابعة لإيران ليسوا وحدهم من يقف وراء كل هذا الخراب السوري بأحداثه المؤلمة سواء من خلال استخدام القوة المدمرة ضد مناطق نفوذ المعارضة أو من خلال القوة الناعمة لاحتوائها, وليسوا وحدهم من يقف وراء تفريغ تلك المناطق من سكانها، بل برعاية الأمم المتحدة وموافقتها في كل ما يدور، وإن كان نظام الأسد، وحده من يشغل واجهة الأحداث المحلية الكبيرة، لكن الواقع غير ذلك، فما هو إلا سلسلة تدور في عجلة عربة كبيرة، هي "عربة التهجير" بهدف تصفية الثورة السورية وتفريغها من مضمونها لتتحول من قضية شعب يطالب بالتحول الديمقراطي إلى مجرد ملف على طاولة "الكبار"، وتحويل الشعب السوري إلى أداة تسويقية، والمتاجرة بمعاناته واستثماره اقتصاديا واستغلاله سياسيا كورقة انتخابية, وتجريده من أبسط الحقوق، وهذا يعد جريمة شنعاء في حق الإنسانية التي يدعون بأنهم رعاتها.

    الاستغلال السياسي للاجئين

    لا يعير المجتمع الدولي أدنى اهتمام بقضية اللاجئين السوريين واجتثاث أسبابها الأساسية المتعلقة بالحرب التدميرية الطاحنة ضد المناطق الثائرة  التي تشنها روسيا كمسعى استراتيجي لتوسيع دائرة الصراع، وتنويع أدوات المواجهة، وزعزعة الأمن والاستقرار في سوريا والإقليم ودول أوربا, كما أنّ حلفاء هذه الاستراتيجية، التي قضت على الآلاف من السوريين قتلا أو جوعا، ليست لديهم نية في التراجع عنها، وخاصة روسيا التي شرعنت نهج القتل لدفع السكان المدنيين إلى اللجوء لدول الجوار, وبعد استكمال عملية التشريد والتهجير القسري أصبحت سياسات التعامل مع اللاجئين في السنوات الأخيرة أحد أهم محركات السياسة في تركيا ولبنان والأردن ودول الاتحاد الأوروبي وفي الولايات المتحدة.

    وأدى تدفق اللاجئين إلى تلك البلدان لظهور تيار قومي متعصب يعتبرهم السبب في ارتفاع معدلات البطالة بين المواطنين، ويدعو إلى طردهم وإقامة الأسوار على الحدود لمنع وصولهم كما فعلت تركيا مؤخرا، وسن القوانين التي تحظر دخولهم إلى البلدان التي تحكمها الأحزاب اليمينية كالولايات المتحدة، وفرنسا وإنكلترا, ولكن أشدها وطأة على اللاجئين ومعاداة لهم، التيار الذي يقوده حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض بقيادة كمال كلجدار أوغلو. وذاك التيار الذي يتزعمه جبران باسيل وزير الخارجية اللبناني الذي تحميه ميليشيا حزب الله اللبناني.

    ظهر السوريون في تركيا كورقة انتخابية في المناظرة بين المرشحين إلى رئاسة بلدية اسطنبول الكبرى في جولة الإعادة. وبعد أيام من خسارة حزب العدالة والتنمية الحاكم انتخابات بلدية إسطنبول، وخلال اجتماع هيئة القرار المركزي في الحزب التي انعقدت في 11 تموز/يوليو لتقييم نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة، صرح الرئيس رجب طيب أردوغان أن حكومته ستتخذ خطوات جديدة تجاه السوريين في تركيا عبر ثلاثة إجراءات هي التشجيع على العودة وترحيل مرتكبي الجرائم وإيقاف خدمات الطبابة المجانية التي تمنح لحاملي بطاقة الحماية المؤقتة "الكمليك".

    ويمكن إجمال الأسباب التي أدت إلى التلاعب بقضية اللاجئين بالتالي:

    ـ ابتزاز الدول المضيفة للاجئين, الأمم المتحدة والدول المانحة لاستمرار تدفق الأموال بدون السماح للأمم المتحدة بالإشراف على ملف اللاجئين حسب الاتفاقيات الدولية.

    ـ  تهديد الدول المضيفة دول الاتحاد الأوربي بشكل دائم من أجل زيادة المساعدات لها مقابل منع هجرة السوريين إلى أوروبا.

    ـ الضغط التركي على دول الاتحاد الأوربي من خلال تسهيل مرور اللاجئين لدول الاتحاد، حيث انتقل قرابة مليون شخص من تركيا إلى بلدان الاتحاد الأوروبي، برا وبحرا بعد عامين فقط من بدء الثورة السورية. وبعد مفاوضات دول الاتحاد الأوربي مع تركيا للتوصل إلى اتفاق لضبط الهجرة, توصل الطرفان في مارس 2016 إلى  ما عرف باسم "اتفاق الاتحاد الأوروبي – تركيا". الذي ينص في أحد بنوده: " جميع المهاجرين غير الشرعيين الجدد الذين يعبرون من تركيا إلى الجزر اليونانية، ابتداءً من 20 مارس 2016، ستتم إعادتهم إلى تركيا"، وبالمقابل وعدَ الاتحاد الأوروبي بما يلي:

    ـ سيتم استقبال لاجئ سوري واحد من تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، بما يصل إلى  72,000 لاجئ كحد أقصى .

    ـ تقديم مساعدات تصل قيمتها إلى 6.7 مليار دولار أمريكي إلى "مركز للاجئين في تركيا".

     ـ السماح للمواطنين الأتراك بالسفر إلى الاتحاد الأوروبي بدون تأشيرات دخول.

    ـ إحياء المفاوضات المتوقفة بشأن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

    ومنذ أكثر من سنة مضت، ثمة "عنصرية واضحة ظهرت في لبنان ضد اللاجئين السوريين مع تولي الوزير جبران باسيل مهامه في الخارجية اللبنانية, حيث بدأت عمليا حملة أمنية واسعة في لبنان تستهدف اللاجئين السوريين وترحيلهم قسرا إلى مناطق سيطرة نظام الأسد وبالأخص الشريحة المعارضة، ونقلت مصادر مختلفة عن قيام النظام بتصفية المئات من هؤلاء الذين سلمتهم السلطات اللبنانية. ويرى مسؤولون لبنانيون يتزعمهم الوزير جبران باسيل صهر رئيس الجمهورية اللبنانية الحالي ميشال عون, وقادة ميليشيا حزب الله اللبناني, أن تدفّق أعداد كبيرة من اللاجئين السنّة في الأغلب، يشكّل تهديدا للتوازن الطائفي الدقيق في البلاد. حيث تعترف الدولة اللبنانية رسميا بـ18 طائفة دينية، بينما توزَّع المناصب الحكومية العليا بين الطوائف الدينية الرئيسة على أساس ميثاق وطني تم الاتفاق عليه بين الزعامات السياسية في البلاد في زمن الاستقلال, وثمّة مخاوف من أن يتسبّب اللاجئون بحدوث تغييرات جذرية في التوازن الديموغرافي بين الطوائف قد يفتح الباب أمام مطالب بإعادة النظر في أساس هذا الميثاق. وعندما أعلنت الأمم المتحدة عن خطط لبناء مخيمات للاجئين في مناطق مختلفة من لبنان، اعترض نائب أمين عام ميليشيا حزب الله، نعيم قاسم قائلا "لا يمكننا أن نقبل وجود مخيمات للاجئين السوريين في لبنان، لأن أي مخيم سيصبح جيبا عسكريا يتم استخدامه كمنصة لإطلاق حملات ضد سورية ومن ثم ضد لبنان". والحقيقة أن حزب الله التابع لإيران كان قلقا من أن تميل كفّة الميزان الديموغرافي في البلاد بعيدا عن هيمنته نظرا إلى أن معظم اللاجئين هم من الطائفة السنّية. حيث وظف حزب الله الوزير باسيل كرأس حربة ضد اللاجئين السوريين بما يحاكي تصريحات قاسم.

    التمييز العنصري

    مع تصاعد تناحر الأحزاب السياسية في الدول الغربية تحولت قضية اللاجئين من حالة إنسانية إلى لعبة سياسية، يستخدمها السياسيون المعارضون، وكان من أولى نتائجها تعاظم حدّة العنصرية داخل المجتمعات الأوروبية تجاه اللاجئين بشكل مطّرد، مع ازدياد موجات النزوح من الحدود التركية المفتوحة والبحر المتوسط إلى الداخل الأوروبي، وظفتها الأحزاب اليمينية، كورقة ضغط لجني مكاسب سياسية لها؛ حيث لعبت تلك الأحزاب على وتر خوف المجتمع البريطاني الكاثوليكي المحافظ من المسلمين، لتحقيق مكاسب في الانتخابات البرلمانية, كما رفضت المشاركة في الخطة الأوروبية الموحدة التي تقضي باستضافة المهاجرين السوريين في أوروبا، واكتفت بتخصيص نحو مليار جنيه إسترليني مساعدات إنسانية لهؤلاء اللاجئين، كما أنها مارست التمييز العنصري ضد اللاجئين، بعدما عمدت الشركة التي تعاقدت معها الحكومة البريطانية والمكلفة بإسكان اللاجئين السوريين إلى طلاء أبواب منازلهم باللون الأحمر لتمييزهم، ما أدى إلى تعرضهم للاعتداءات العنصرية، وذلك وفقاً لما ذكرته صحيفة التايمز، كما أن طالبي اللجوء في مدينة ويلز البريطانية يضعون سوارا يميزهم لأجل نيل حصصهم من الطعام, فضلا عن ممارسات التمييز العنصري للنساء المسلمات، ومن دلائل التمييز العنصري ترحيب بريطانيا بالمستثمرين السوريين فالمستثمر الذي يجلب إلى بريطانيا مليون جنيه استرليني يتم منحه إقامة لمدة 3 سنوات، وكلما زاد المبلغ كلما كان حصوله على الإقامة أسرع، ففي حال استثمر 3 ملايين يستطيع الحصول على الإقامة الدائمة خلال عامين. ومع تنامي المجموعات العنصرية في الأحزاب اليمينية المتطرفة كحزب البديل لألمانيا والحزب القومي الألماني اليميني المتطرف وحركة "بجيدا", أي, (وطنيون أوربيون ضد أسلمة الغرب) وهى حركة سياسة ألمانية, كل هذه الأحزاب والتيارات المتطرفة قامت بأعمال عنصرية وحشية أهمها إحراق النيران في عدة مراكز سكنية للاجئين وهدفهم الرئيسي طرد المسلمين من الغرب لأن عددهم المتزايد من الممكن أن يؤدى إلى أسلمة أوروبا, مما أدى إلى تراجع شعبية أنجيلا ميركل في المشهد السياسي  الألماني. ويتعرض اللاجئون السوريون في لبنان من وقت إلى آخر لحملات تشويه وكراهية، فضلا عن مقاطع مصورة "عنصرية" يقدم فيها لبنانيون على ضرب سوريين والسخرية منهم.

    استثمار اللاجئين

    فتحت ألمانيا أبوابها أمام اللاجئين السوريين متذرعة بأن ما تقوم به الدولة الألمانية يندرج تحت الدوافع الإنسانية والواجبات الوطنية الألمانية لمساعدة اللاجئين والتسامح معهم واحتراماَ لثقافة حقوق الانسان, ظهر ذلك كثيرا في تصريحات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل: " لن يكون هناك تسامح للذين ليسوا على استعداد لمساعدة اللاجئين فالمساعدة واجبة لأسباب إنسانيّة وأخلاقيّة". ولكن الدوافع الحقيقية من تلك السياسة كانت لكسب تعاطف وتأييد الرأي العام الألماني خاصة وأن هذه التصريحات كانت في الشهور الأولى للثورة السورية, أما الدوافع  الاقتصادية فهي الأهم, فألمانيا من الدول التي تعاني من خلل في تركيبتها السكانية لأن نسبة كبار السن أكبر من الشباب؛ فطبقا للمكتب الإحصائي الاتحادي أن عدد سكانها سوف يتناقص في عام 2021م, وهذا يمثل تهديداً على الاقتصاد القومي لألمانيا, ومن أجل الحفاظ على ريادتها الأوروبية استقبلت اللاجئين الذين معظمهم من الفئة الشبابية لتجديد شبابها مرة أخرى والعمل على إدماجهم في المجتمع ليصبحوا مواطنين فاعلين مما يسهم ذلك في انتعاش الاقتصاد الألماني بلا شك وتوسيع قوتها الصناعية والمحافظة على قيادتها للاتحاد الأوروبي التي تعتمد على حجم سكان الدولة.

    ومع تصاعد وتيرة الصراع، عمدت الدول المجاورة لسورية إلى التشدّد في سياسات اللجوء، وتحوّلت سياسة استقبال اللاجئين الإنسانية التي تم تبنّيها عند اندلاع الثورة في سوريا، إلى أجندة أمنية وبات اللاجئون رسميا وشعبيا في  منظور كلٍّ من الأردن ولبنان، يشكلون عبئا وتهديدا أمنيا على الدول المستقبلة".

    خلاصة

    تمتد حرب الإبادة التي يشنها نظام الأسد منذ عهد الأسد الأب المؤسس للمسالخ الدموية السورية حيث هاجم بتوحش الشعب السوري، في إطار حملة قمع حركات المعارضة، وتوطيد سلطته في سوريا. ففي العام 1982 دمّر المعالم الحضارية في مدينة حماة فضلا عن مقتل ما بين 25 إلى 35 ألف من السوريين, هذا التوحش مهّد السبيل للأسد الوريث إلى حملة إبادة أوسع بكافة أصناف الأسلحة ومنها الكيماوي دمرت مدنا وبلدات وقرى سورية على رؤوس أهلها وهجرت أكثر من نصف السكان أي ما يقارب 15 مليون لاجئ يتوزعون على دول الجوار ودول الاتحاد الأوربي، والباقي لجأ إلى المنطقة الخارجة عن نفوذ نظام الأسد.

    ومما ساهم في تأجيج هذه الحرب, هي المواقف الدولية والإقليمية تجاه الحرب السورية، والتي تجسدت بالتدخل الروسي الداعم لنظام الأسد. مما أدى لارتفاع  الخسائر في الأرواح والبنية التحتيّة المادية والاقتصادية، نتيجة القصف الروسي غير المسبوق وفق استراتيجية عسكرية متماثلة مع نظام الأسد تستند إلى عمليات تشريد السكان على أساس الهوية، بقصد التطهير العرقي. وهذا ما وصفته الأمم المتحدة عبر مقررها الخاص المعني بحقوق الإنسان للنازحين، ومما فاقم قضية اللاجئين التنافس الجيوسياسي على سوريا بين القوى الإقليمية والدولية، ولاسيّما إيران وروسيا وتركيا والولايات المتحدة. وأدى إلى تفاقم قضية اللاجئين بكل تداعياتها الأمنية والسياسية والأخلاقية.

     

    سورياملف اللاجئيندول الجوار السوريالاتحاد الأوروبيالمجتمع الدوليتركياالولايات المتحدةروسيا نظام الأسد