شرق الفرات.. خلافات حول المنطقة الآمنة وتصعيد عسكري

تقارير

الاثنين 29 تموز 2019 | 6:13 مساءً بتوقيت دمشق

الولايات المتحدةامريكاتركياقسدوحدات الحماية الكردية

  • شرق الفرات.. خلافات حول المنطقة الآمنة وتصعيد عسكري

    بلدي نيوز- (تركي مصطفى)
    مقدمة
    تعتزم تركيا ومعها الجيش الوطني الحر، اللجوء إلى الحسم العسكري كخيار ضرورة أمام تعثّر التفاهمات السياسية مع واشنطن، التي لم تتح سوى مزيدا من الوقت لحزب الاتحاد الديمقراطي "ب ي د" لتعزيز نفوذه في منبج ومنطقة شرق الفرات، وتجديد تحالفه مع نظام الأسد، كما تشي التعزيزات العسكرية التركية التي تصل تباعاً إلى الحدود مع سوريا بأنّ عملية عسكرية كبيرة يجري التحضير لها، هنا يمكن أخذ إعلان أنقرة الأربعاء الماضي فشل جولة المفاوضات التي أجراها وفد أميركي برئاسة المبعوث الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، بشأن الاتفاق على منطقة آمنة مقترحة في شمال شرقي الفرات، فضلا عن عدم إحراز تقدم فيما يتعلق بتنفيذ خريطة الطريق في منبج الموقعة بين الجانبين العام الماضي، مؤشّراً واضحاً على فشل الدبلوماسية التركية والأميركية في التوصل إلى تفاهمات حول هذه المنطقة، حيث قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو: "إن جيفري لم يقدم خلال مباحثاته في أنقرة ما يرضي تركيا، وإن واشنطن تماطل بشأن المنطقة الآمنة على غرار مماطلتها بشأن اتفاق منبج."
    وقال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان؛ "إن تركيا مصممة على تدمير الممر الإرهابي شرق الفرات في سوريا، مهما كانت نتيجة المحادثات مع الولايات المتحدة حول إنشاء منطقة آمنة"، وصعّد وزيرا الدفاع والخارجية في خطابهما عزم تركيا شن هجوم عسكري بري في منطقة تل أبيض السورية، وقال وزير الخارجية التركي، جاووش أوغلو، في تصريحات للصحافيين في العاصمة أنقرة؛ إن الاقتراحات الأمريكية المتعلقة بالمنطقة الآمنة في شمال سوريا "لا ترضي تركيا"، وأشار إلى عدم اتفاق البلدين "على عمق المنطقة الآمنة بسوريا، ولا على الجهة التي ستسيطر عليها، أو على إخراج وحدات حماية الشعب الكردية منها"، وشدد على ضرورة التوصل إلى تفاهم بشأن المنطقة الآمنة في أقرب وقت، وحذر من أن صبر تركيا قد "نفد"، واتهم أوغلو أمريكا أنها تماطل من خلال المقترحات الجديدةن مشبها ما يحصل بتكرار ما حصل في خريطة طريق مدينة منبج.
    تفاهمات علنية وأخرى سرية
    يبدو أن التفاهمات الأميركية التركية على تقاسم مكاسب الحرب في شمال شرق سوريا تعثرت، في ظل انكشاف التباين بين الطرفين حول قضايا محورية، ومع معاودة الأتراك حشد قوة عسكرية غير مسبوقة في مواجهة ميليشيا "ب ي د" بهدف التوغل التركي في منطقة تل أبيض وعين العرب، وما يثار بشأن الخلافات بين أنقرة وواشنطن من عراقيل تحتاج إلى تفسيراتٌ مختلفة، منها ما يرجّح التوصل إلى إعادة ترسيم المنطقة الآمنة، ليضمن كل طرف نفوذه على الأرض، وذلك ما يمثل عملياً الإطاحة الناعمة بنفوذ وحدات الحماية الكردية، ولعل أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين:
    ـ التباين حول تفسير اتفاقية أضنة كمرجعية للمنطقة الآمنة
    ما يجب أن يشار إليه لفهم ما دار ويدور اليوم من تحرك سياسي وعسكري للتوصل إلى اتفاق على المنطقة الآمنة؛ أنها تأتي استنادا لاتفاق أضنة مع نظام حافظ الأسد عام 1998، ولإثبات قانونية عملياتها العسكرية تتعمد أنقرة إحياء وثائق اتفاقية أضنة التي تلزم "ورثة الأسد" في منطقة شرق الفرات بتنفيذ كامل بنود الاتفاقية، وعلى رأسها البند الذي ينص على "مكافحة الإرهاب عبر الحدود، وإنهاء سوريا كل أشكال الدعم لتنظيم العمال الكردستاني وإخراج أوجلان من الأراضي السورية ومنع المسلحين الأكراد من التسلل للأراضي التركية، واحتفاظ تركيا بممارسة حقها الطبيعي في الدفاع عن النفس وفي المطالبة بتعويض عادل عن خسائرها في الأرواح والممتلكات، إذا لم توقف سوريا دعمها للحزب الكردستاني فوراً، وإعطاء تركيا حق ملاحقة الإرهابيين في الداخل السوري حتى عمق خمسة كيلومترات، واتخاذ التدابير الأمنية اللازمة إذا تعرض أمنها القومي للخطر".
    ولسد الثغرات القانونية أبلغت أنقرة خطياً الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، وقبله بان كي مون والدولة التي تتولى الرئاسة الدورية لمجلس الأمن الدولي، بأهداف أية عملية داخل الأراضي السورية وسندها القانوني، غير أن "المنطقة الآمنة" التي اقترحها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اتصال هاتفي، نهاية العام الماضي، تعترضها عدة معوقات تتعلق بحدودها وعمقها الجيوسياسي ومصير "ب ي د".
    - حدود وعمق "المنطقة الآمنة"
    إن المنطقة الآمنة التي أعلنت تركيا استعدادها لإنشائها في شمال سوريا بموجب اقتراح الرئيس الأميركي بعمق 32 كيلومتراً وبطول 460 كيلومتراً على الحدود التركية السورية؛ ستضم مدناً وبلدات من 3 محافظات سورية، هي حلب والرقة والحسكة، وقالت وكالة "الأناضول" التركية: "إن أبرز المناطق المشمولة في المنطقة الآمنة، هي المناطق الواقعة شمالي الخط الواصل بين قريتي صرّين (محافظة حلب)، وعين عيسى وتل أبيض (محافظة الرقة)"، كما تضم المنطقة الآمنة مدينة القامشلي، وبلدات رأس العين، وتل تمر، والدرباسية، وعامودا، ووردية، وتل حميس، والقحطانية، واليعربية، والمالكية (محافظة الحسكة)، وكذلك ستضم المنطقة كلاً من عين العرب (محافظة حلب)، وتل أبيض (الرقة). وأكّد أردوغان، أكثر من مرة، إنّ تركيا سوف تنشئ على طول حدودها مع سورية، منطقة آمنة بعمق 20 ميلاً (32 كيلومتراً)، وتطالب أنقرة التزام تعهد الرئيس ترمب لنظيره التركي بهذا العمق والامتداد على طول الحدود من جرابلس على نهر الفرات إلى فش خابور على نهر دجلة قرب حدود العراق، لكن واشنطن أبدت استعدادها للتعاون على إنشاء منطقة بمرجعية اتفاقية أضنة عام 1998م، التي عقدها حافظ الأسد مع الأتراك، أي بعمق خمسة كيلومترات مع قبول بعض الامتدادات بعمق يصل إلى 14 كيلومترا في بعض المناطق، على ألا يشمل بعض المدن والمناطق ذات الكثافة السكانية "الكردية" وبالأخص القامشلي وعين العرب، وألا يكون امتدادها متصلا بين جرابلس وفش خابور.
    ـ إصرار أنقرة
    طالبت أنقرة فضلا عن تحديد امتداد وعمق المنطقة الآمنة بحسب تفاهمات أردوغان – ترامب، إخراج "ب ي د" ومن يدور في فلكه من قوات "قسد" من كامل "المنطقة الآمنة"، وما يتبع ذلك من إخراج جميع السلاح الثقيل الأميركي الموجود في المنطقة الذي قدمه التحالف الدولي ضد "داعش" إلى الوحدات الكردية، ووافقت واشنطن على إبعاد تلك الميليشيات والسلاح الثقيل ذو المديات الطويلة، وقال "مظلوم كوباني" قائد "قسد": "سنسحب كافة الأسلحة الثقيلة التي يصل مداها إلى داخل تركيا، مثل المدافع والدبابات، حتى إننا نمتلك أسلحة يصل مدى رميها إلى 20 كلم، سنسحبها هي أيضاً إن كان الأتراك يقولون بأنها تشكل تهديداً"، ولكن أنقرة صعدت من خطابها وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ إن تركيا مصممة على تدمير الممر الإرهابي شرق الفرات في سوريا، مهما كانت نتيجة المحادثات مع الولايات المتحدة حول إنشاء منطقة آمنة.
    منبج إلى الواجهة من جديد والتصعيد العسكري
    تُعدُّ منبج مفتاحا رئيساً في عملية السيطرة على "شرق الفرات" لاستعادة المناطق السورية التي تسيطر عليها الوحدات الكردية، حيث لم تُنفَذ خريطة الطريق التي اتفقت عليها الولايات المتحدة وتركيا في حزيران/يونيو 2018 لإخراج مقاتلي حزب "ب ي د" من منبج، وتقول أنقرة بضرورة إخراج ألف عنصر من هذه الميليشيات إلى شرق الفرات وتشكيل مجلس مدني جديد بدل المجلس الحالي، وتسيير دوريات مشتركة عبر حدود التماس، فيما تقول واشنطن بأن الوحدات الكردية خرجت من منبج، وأن الموجودين هم مقاتلون محليون وأن المجلس المحلي منتخب ويمثل أهالي المنطقة.
    هذا التباين الأميركي التركي يشير إلى أن الولايات المتحدة غير جادة، وأن الاتفاق قد يتوقف العمل به في تسوية ملف منبج وكذلك محادثات شرق الفرات، وهذا ما حدا بتصعيد أنقرة موقفها سياسيا، وحشد قواتها وفصائل الجيش الوطني الحر على الحدود، وفتح الجيش التركي ثغرات قرب الحدود في مناطق مقابلة لتل أبيض وأبلغ فصائل الجيش الوطني بالاستعداد لمعركة شرق الفرات، كما حشدت قواتها على أطراف منبج.
    في المقابل، زار قائد القيادة الأميركية الوسطى الجنرال كينيث ماكينزي شرق الفرات، وعزز التحالف الدولي دورياته في تل أبيض ومدن كردية في إشارة لمواجهة أي عمل عسكري تركي.
    من هنا، جدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الجمعة الفائتة تهديداته، قائلا: "بغضّ النظر عن نتيجة المحادثات التي تجري مع الجانب الأميركي حول إنشاء منطقة آمنة، فنحن مصممون على تدمير الممر الإرهابي شرق الفرات بسورية"، ولفت أردوغان خلال اجتماع مع رؤساء فروع حزب "العدالة والتنمية" في الولايات التركية بالعاصمة أنقرة، إلى أن "من يمارسون البلطجة بالاعتماد على قوات أجنبية في المنطقة، إما أن يدفنوا تحت التراب أو يقبلوا بالذل"، وتابع هذه النبرة التصعيدية وزيرا الدفاع والخارجية في خطابهما عزم تركيا شن هجوم عسكري بري في منطقة تل أبيض السورية، وقال وزير الخارجية التركي، جاووش أوغلو، في تصريحات للصحافيين في العاصمة أنقرة؛ إن الاقتراحات الأمريكية المتعلقة بالمنطقة الآمنة في شمال سوريا لا ترضي تركيا، وأشار إلى عدم اتفاق البلدين على عمق المنطقة الآمنة بسوريا، ولا على الجهة التي ستسيطر عليها، أو على إخراج الميليشيات الكردية منها، وشدد على ضرورة التوصل إلى تفاهم بشأن المنطقة الآمنة في أقرب وقت، وحذر من أن صبر تركيا قد نفد، واتهم أوغلو أمريكا أنها تماطل من خلال المقترحات الجديدة، مشبها ما يحصل بتكرار ما حصل في خريطة طريق مدينة منبج.
    خلاصة
    تبدو فكرة المنطقة الآمنة ضرورة أمنية لمواجهة التهديدات التي تخلفها الأنشطة غير المشروعة الممارسة في المجال السوري لمنطقة الحدود، فيما تنتظر أنقرة من واشنطن إثبات ذلك عمليا، إذا ما تجاوزت القيود التي تفرضها المصالح الأنانية والمتعارضة، كونها ترى في الوحدات الكردية ذراع العمال الكردستاني المصنف إرهابيا، شريكا لها، وذلك ما قد يزيد من حدة الخلاف حول التطبيق العملي للمنطقة الآمنة، وآليات التعامل معها، إقليمياً، ودولياً. وبالأخص مع تعاظم تعقيدات المشهد الحالي شرق الفرات بالنسبة لجميع الأطراف، ومع إصرار أنقرة عدم السماح باستمرار الوضع الراهن على حدودها الجنوبية، فإنّ قدرتها على خوض معارك عسكرية دون التوافق مع واشنطن تبقى رهن الاحتمالات المستبعدة، لأن التصعيد الميداني قد يفاقم توتر العلاقات الأميركية التركية أكثر مما هي عليه، لذلك لن يخرج التصعيد القائم عن إطار الحرب الإعلامية عبر التهديد بعمل عسكري، لإحداث تغيير في الموقف الأميركي المساند للميليشيات الكردية المصنف بعض أجنحتها الفاعلة على لوائح الإرهاب.

    الولايات المتحدةامريكاتركياقسدوحدات الحماية الكردية