فيلم "دم النخل".. أداة حرب لترويع العالم وترويض السوريين

تقارير

الثلاثاء 17 أيلول 2019 | 9:31 مساءً بتوقيت دمشق

نجدة أنزورفلم دم النخلتدمرسورياالتضليل الاعلاميداعشآثار تدمر

  • فيلم

    بلدي نيوز - (تركي المصطفى)
    مقدمة
    ثمة سياق يمكن فيه ربط فيلم "دم النخل" للمخرج "نجدة أنزور" بما جرى في تدمر ويجري في سوريا، حيث تركز الماكينة الإعلامية للأسد وحلفائه على أهمية تدمر التاريخية لصرف أنظار العالم عن عملية إبادة السوريين وتشريدهم في كل أصقاع العالم، ومنذ أن سيطر تنظيم "داعش" على تدمر في مرحلة من مراحل الحرب، وعواصم الدول الكبرى تتنافس في إبداء قلقها على مصير آثار تدمر التاريخية التي نهبتها روسيا وإيران وميليشيات الأسد، هذه المشاعر تعكسها الأمم المتحدة على شكل قلق، في الوقت الذي تتعرض فيه المدن الثائرة على نظام الاستبداد لعملية تدمير وتطهير شاملة على يد ميليشيات إيران وشبيحة الأسد على الأرض وسلاح الجو الروسي، فيما تتباكى وزارة الخارجية الروسية معربة عن قلقها البالغ إزاء خطر تنظيم "داعش" على تدمر، معتبرة المساس بالآثار التاريخية عملا إجراميا عندما ظهر تنظيم " داعش" فجأة واستعاد السيطرة على المدينة التاريخية ببضعة مئات من المقاتلين.
    ما لم يذكره الفيلم عن تسليم المدينة لـ"داعش"
    الفانتازي "أنزور" تجاهل في فيلمه كيف أعاد تنظيم "داعش" سيطرته على تدمر بعد مرور أقل من سنة على خسارته الأولى للمدينة إثر قصف جوي روسي عنيف تمكن الروس عبره من بسط سيطرتهم على المدينة التاريخية، وعبروا عن انتصارهم بإقامة حفلة موسيقية على مسرحها الكبير تزامنا مع بناء قاعدة عسكرية لهم في محيط المدينة الأثرية، وبينما تنهار حدود "الخلافة" وتنكمش على أكثر من جبهة؛ فاجأ التنظيم العالم في ظهوره الأخير على مسرح تدمر التي يفصلها عن أقرب مدينة تحت سيطرته وهي الرقة مئات الكيلو مترات، رغم الرقابة الجوية الروسية الدائمة على حركة التنظيم وتنقلاته في البادية السورية ذات السهول المستوية الواسعة.
    "تدمر" وتراجيديا التواطؤ
    قال المخرج أنزور في المؤتمر الصحفي عقب عرض الفيلم الأول؛ إن الفيلم يصب "في صناعة ذاكرة سينمائية للحرب على سوريا لتكون وثيقة مستقبلية للأجيال المقبلة"، لكن الفيلم الواقعي بتوثيقه الحقيقي الذي تجاوزه "أنزور" هو الذي جسده نظام الأسد وميليشيات إيران ومن خلفهم الروس، يكمن في الـ "150" كيلو متر مربع المساحة التي سيطر عليها تنظيم "داعش" في بضعة أيام، ودحر ميليشيات إيران وشبيحة الأسد والحامية الروسية من المنطقة الواقعة بين تلال وسلسلة جبال شاعر والمرآة والهيال شمال غرب تدمر ومساحات سهلية واسعة وصولا إلى المدينة الأثرية. العملية التي تطورت بشكل سريع اتسمت بضلوع مخابراتي إيراني في التخلي عن المدينة لصالح التنظيم، في معركة هي الأصعب من الناحية التكتيكية، فالعوائق الطبيعية من تلال تمتد على مستوى البصر، وصحراء مترامية المساحة، تجعل من التقدم لوحدات المشاة مكشوفة أمام مراقبة طيران الاستطلاع الإيراني والروسي عدا عن القوات البرية المشتركة المحصنة التي تملك عتادا متطورا والتي انهارت بسرعة فائقة أمام زحف التنظيم على عدة جبهات فقتل مالا يقل عن 200 عنصر جلهم من عناصر "الشبيحة" والتي كانت تضم: "فهود حمص" وهي ميليشيا بقيادة أمين جمعة ومقرها حي الوليد في حمص، تدعمه مؤسسة البستان التابعة لرامي مخلوف، وجبهات قتالها "القريتين والضمير وتدمر وحقول الغاز شرق حمص"، وبعض الميليشيات الإيرانية بينهم ضباط، وتابع تقدمه باتجاه المدينة ليسيطر عليها بالكامل مع غياب تام للطيران الروسي وذاك التابع للأسد لانشغالهما حينها بتدمير مدينة حلب.
    هذه العملية السريعة للتنظيم في السيطرة على تدمر الاستراتيجية تحمل أسئلة دقيقة عن انهيارها السريع في تواطؤ ملحوظ تجسد في التخلي عن المدينة، يتقاسم مسؤوليته الأسد والروس لصرف أنظار العالم عن المجازر في مكان آخر.
    " دم النخل" واستحضار "داعش" وتدمر
    بالتزامن مع العرض التجريبي لفيلم "دم النخل"، يواصل تنظيم "داعش" هجومه على الطريق الممتد بين دير الزور وتدمر، وفي بادية حميمة شرق تدمر، حيث وسّع التنظيم عملياته العسكرية في كافة الاتجاهات مع تراجع الميليشيات وقوات الأسد وانحسارها باتجاه تدمر ودير الزور، مما يفتح احتمالات متنوعة أمام تقدم التنظيم بعد اقترابه من السيطرة على طرقات الإمداد الواصلة إلى دير الزور، فيما تنشغل الميليشيات المتعددة الجنسيات باستباحة المناطق المستولى عليها في ريفي حماة وإدلب، مما سمح لتنظيم الدولة استعادة قواه والمبادرة بالهجوم. وفي المحصلة، يحمل "دم النخل" باستحضاره "داعش" وتدمر عدة أهداف تكمن في:
    - صرف أنظار المجتمع الدولي عن المجازر الجماعية التي ترتكبها روسيا والميليشيات الإيرانية في منطقة خفض التصعيد الرابعة لما لتدمر من أهمية تاريخية.
    -تعميق الصراع الروسي - الإيراني نتيجة التفاهمات الأخيرة بين الولايات المتحدة وروسيا و"إسرائيل" على تحجيم دور الميليشيات الإيرانية في سوريا.
    - استغلال الروس مع نظام الأسد تمدد التنظيم لترويض أهالي حمص ومنطقة القلمون، وتهديدهم بفتح الطرقات للتنظيم باتجاه هذه المناطق في حال تمردها، ولهما سوابق عديدة في هذا الاتجاه كان أقربها ما جرى مع أهالي السويداء.
    "دم النخل" الأبطال والجبناء
    ظهر في إعلان الفيلم أحد عناصر ميليشيا الأسد يقول: "أني كنت مفكر داعش بدن يهجموا على تدمر بس مكنتش عارف إنن صاروا بنص تدمر"، باللهجة المحلية لأهل السويداء، هذه العبارة أثارت حالة من الغضب بسبب تصوير الجندي "الجبان" الذي يتحدث بلهجة أهل السويداء، بينما "البطل" يتحدث لهجة أهل الساحل.
    ولكن الفاتنازي "أنزور" لم يصور الانهيار السريع لميليشيات الأسد أمام تقدم "داعش" على أنه سياسي أكثر من كونه عسكريا فهو يعبر حينها عن رغبة إيرانية في حرمان روسيا من قاعدتها العسكرية في تدمر، حيث أجبرت الحامية الروسية على إخلاء قاعدتها بالتزامن مع تقدم التنظيم ورغبة نظام الأسد في حصول التنظيم على سلاح نوعي يستطيع من خلاله مقاومة عملية "درع الفرات" التي باتت على مشارف مدينة الباب الاستراتيجية.
    الفيلم الحقيقي يختصر ما جرى في تدمر على أنه "تراجيدية" واقعية لتعرية نظام الأسد والدول الداعمة لإرهابه وإظهاره بصفته الإجرامية، وتواطئه العلني بتسليم البلاد لاحتلالات متعددة.
    رسالة الأسد للسويداء في "دم النخل"
    أثار الفيلم" حالة من الغضب لدى السوريين بسبب تصويره أهالي السويداء بمظهر "الجبناء" خلال العمليات العسكرية في تدمر ضد تنظيم "داعش"، وكانت ردود الفعل الأولى عبارة عن رسالة من أم الجندي "أنس الجباعي" الذي ذبح على مسرح تدمر من قبل تنظيم "داعش"، لم يهرب ابن السويداء يا أيها المخرج ويا كاتبة العمل ويا من رضي بتمثيل هذا الدور الرخيص ضد أبناء وطنه أولا وأبناء السويداء ثانيا، أبناء جبل العرب ليسوا خونة، لا لتشويه تاريخ هذه المحافظة ولا لتشويه تاريخ بني معروف.
    وقال الإعلامي ماهر شرف الدين، عبر حسابه في "تويتر": "عندما يفتتح بشار الأسد فيلما لنجدت أنزور يصوّر فيه الدروز بأنهم جبناء، والعلويين بأنهم أبطال؛ فهذا أمر لا يمكن أن يكون عفويا خاصة أن بشار سبق أن تحدّث عن انزعاجه من رفض عشرات آلاف الشبان الدروز الالتحاق بالجيش، نعم نحن جبناء في ذبح أهلنا، وتركنا هذه البطولة لطائفتكم الشجاعة".
    وفي منشور لـ "جبر عقل" قال معلقا: "كنا نقول أن تسليم تدمر لداعش مسرحية أخرجها النظام وكان ضحاياها أناس حقيقيون، ولكننا لم نكن نعلم أنها أحداث لفلم عالمي، طلب مخرجه أن تكون أحداثه أكثر تشويقا ليكون ضحاياه من السوريين، لا فرق بين مسرحية الأمس واليوم عند الدروز"، ففي مسرحية تسليم القنيطرة كان الجبان والخائن ضابط درزي، وفي فيلم تسلم تدمر أيضا الخائن عسكري درزي". وأضاف، "شرف الخوف والخيانة لكل سوري حر لقضية كلها خيانة وحقد وثارات وعلل".
    خلاصة
    عمدت الماكينة الإعلامية الروسية الإيرانية وتلك التابعة لنظام الأسد إلى التركيز على المدينة ذات الصيت العالمي المدرج اسمها على قائمة تراث اليونسكو، لصرف النظر عن الإبادة الجماعية التي ترتكبها ميليشيات إيران على الأرض والروس من الجو ضد الأهالي في ريفي إدلب وحماة، وذلك بالتحذير من خطر تدمير التنظيم لأعمدة تدمر الرومانية ومدافنها ومعابدها الملكية.
    ومدينة تدمر التاريخية تتوسط آثارها بادية الشام، وكانت نقطة عبور للقوافل بين الخليج والبحر المتوسط وإحدى محطات طريق الحرير، وبلغت أوج ازدهارها في عهد ملكتها زنوبيا التي أعلنت قيام مملكة تمكنت من هزيمة الفرس في القرن الثالث الميلادي، وبما أنها وجهة سياحية بارزة يقصدها آلاف السائحين لمشاهدة آثارها التي تضم أكثر من ألف عمود وتماثيل ومعابد ومقابر برجية مزخرفة إضافة لقوس النصر والحمامات والمسرح والساحة الكبرى، من هنا ركز الإعلام على المدينة التاريخية لاستكمال مذبحة السوريين وإرسال رسائل طائفية لترويض السوريين، كان آخرها فيلم "دم النخل" وبالتأكيد لن يكون الأخير.

    نجدة أنزورفلم دم النخلتدمرسورياالتضليل الاعلاميداعشآثار تدمر