معركة النفوذ على الحدود.. صراع إقليمي دولي شرق سوريا

تقارير

الخميس 3 تشرين الأول 2019 | 4:54 مساءً بتوقيت دمشق

الحدود السورية العراقيةمعبر البوكمال القائمطريق طهران دمشق البريحرب دبلوماسيةامريكااسرائيلايرانروسيا سورياالعراق

  • معركة النفوذ على الحدود.. صراع إقليمي دولي شرق سوريا

    بلدي نيوز – (تركي مصطفى)

    تمهيد:

    تشهد المنطقة المحاذية للحدود السورية العراقية, عند ممر "القائم-البوكمال", تطورات محمومة بين أطراف المواجهة تجسدها خطوة الحلف الروسي بفتح هذا الممر الاستراتيجي, لربط طهران ببغداد وبيروت فدمشق بطريق بري, مما سيشعل حرب دبلوماسية, بين الولايات المتحدة وروسيا, تتخللها مناوشات عسكرية إثر قيام طيران التحالف و"إسرائيل" باستهداف الميليشيات الإيرانية, لتتشابك فيها من جديد قواعد الصراع, وتتزايد الخلافات على المكان والاتجاه, وبين هذا وذاك, يقترب الشرر من برميل البارود في منطقة التهمت وهادها وفيافيها آلاف القتلى إيذانا باحتضار مشاريع وإحياء سواها في سياق تفاهمات لم تعد مجدية مع قرع طبول الحرب لرسم حدود النفوذ على السيادة السورية التي عبث بها الأسد على مدار سني الحرب.

    تقدم هذه الورقة وصفا موجزا للتطورات العسكرية الناشبة في المنطقة الشرقية بين تحالف الولايات المتحدة, وحلف روسيا, بالإضافة إلى بقايا خلايا تنظيم "داعش" التي تجوب الصحراء القريبة من الحدود السورية العراقية. ونوطئ لهذه الورقة باستعراض تحليلي موجز عن نتائج التطورات القائمة، وما يرافق ذلك من تحولات كبيرة بين أطراف الصراع الدولي في خطط المواجهة والأهداف المتباينة في السباق إلى تقاسم مناطق النفوذ, وما يمكن أن تؤول إليه الأحداث بكل تشابكاتها المعقدة. وأخيرا تحاول الورقة تصوير المشهد وفقا لشكل المنطقة المتغيرة واستنتاج المعطيات في شكلها المتوقع.

    مقدمة:

    مع بلوغ التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا عامه الخامس، أعاد نظام الأسد فتح معبر "القائم – البوكمال" على الحدود السورية - العراقية بدعم روسي إيراني في خطوة تدل على مواجهة ما تبذله واشنطن من جهود لقطع الطريق بين طهران ودمشق. فتجددت المواجهات العسكرية في المنطقة الشرقية من سوريا بين قوى الصراع المحلية والإقليمية والدولية كنتيجة طبيعية لحماية مناطق النفوذ وإعادة رسمها من جديد إثر قيام الميليشيات الإيرانية ببناء قواعد عسكرية جديدة في بادية البوكمال القريبة من المنطقة الحدودية, واجهتها مقاتلات التحالف الدولي وأجبرتها على إعادة انتشارها.

    ووفقا لاستمرار هذه المواجهات طرأت تغيرات على مواقف الأطراف في التحالفات والتكتلات, وما تشكل السيطرة على المنطقة الحدودية من قوة دفع لعجلة الحرب وصولا للهدف الأبرز المتمثل في السيطرة على المنطقة الشرقية الغنية بنفطها وثرواتها و جغرافيتها الحيوية.

    ترسيم حدود النفوذ

    تمثل منطقة الحدود السورية-العراقية, مركز تنافس بين مختلف القوى العسكرية المتصارعة في سوريا، ومحط اهتمامها، وقد تجلى ذلك منذ إقرار الفرز الجغرافي بين الضفة اليمنى للفرات تحت النفوذ المتعدد الجنسيات، واليسرى منه تحت النفوذ الأميركي، وعبرت يوم الأثنين الماضي أولى الشاحنات من المنفذ الوحيد الواقع تحت سيطرة الميلشيات الإيرانية على حدود العراق، ذلك أن المعبرين الآخرين يقع أحدهما تحت سيطرة القوات الأميركية بشكل مباشر، والآخر تحت سيطرة الوحدات الكردية، الحليفة لواشنطن, مما زاد من اشتداد التنافس على المعابر, التي هيمنت على غالبيتها الولايات المتحدة.

    ومع أفول تنظيم "داعش"، اختلطت حسابات ومصالح كافة القوى السياسية، لتبرز الميليشيات الإيرانية كقوة عسكرية متنامية, تجلت بمظاهر استقطاب متعددة لبنادق طائفية مأجورة ملحقة بالحرس الثوري الإيراني, وقد نشطت إيران في البوكمال والميادين وبلدات أخرى, وزجت بميليشياتها استعدادا لمواجهات عنيفة ضد تحالف واشنطن.

    دوائر الاشتباك المتجددة

    في ظل هذه الأوضاع هاجمت طائرات إسرائيلية مسيرة مواقع تابعة لميليشيات الحشد الشعبي في مدينة القائم على الحدود بين سوريا والعراق. وقال موقع "إيران انسايدر" المتخصص بالشأن الإيراني، إن الميليشيات تخشى من عمليات قصف مماثلة لتلك التي حصلت في مدينة القائم، لا سيما وأن إسرائيل تركز في الآونة الأخيرة على حركة الحدود السورية – العراقية. وتمكنت الميليشيات الإيرانية من فرض سيطرتها على مساحات واسعة جنوب غرب البوكمال 70 كم ابتداء من قرية حميمة شرقا وحتى محطة الضخ النفطية–T2 عقدة أنابيب حقول النفط السورية, وصولا إلى أطراف الميادين والبوكمال. مما سيؤدي إلى عزل هذه المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات الإيرانية.

    وتعرضت مقار ومخازن أسلحة تابعة لمليشيات إيران خلال الشهرين الماضيين، إلى قصف، يرجح أن يكون بطائرات مسيرة، وقد اتهمت إيران, كلا من واشنطن وإسرائيل بتنفيذه. وقالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إن غارات جوية استهدفت المليشيات التي تدعمها إيران في منطقة البوكمال القريبة من الحدود بين العراق وسوريا، نقلا عن تقارير إعلامية في كلا البلدين. وقبل أسبوع، قتل عشرون شخصاً من الميليشيات الإيرانية -بينهم قيادي- في غارة جوية على مقر للحشد الشعبي بمدينة القائم قرب الحدود العراقية السورية. وقالت مصادر عسكرية وقتها، إن القصف نفذته ثلاث طائرات إسرائيلية، اثنتان منها مسيرة وأخرى مقاتلة حربية، واستهدف عربتين ومخزنا للعتاد. وبحسب "هآرتس"، فقد "نسبت سلسلة من الضربات الأخيرة في العراق إلى "إسرائيل"، بعضها وقع بالقرب من الحدود السورية، وكانت تستهدف المليشيات الشيعية المرتبطة بإيران، وتهدف إلى إحباط محاولات تهريب الأسلحة إلى سوريا". وقال الخبير الأمني العراقي "هشام الهاشمي" لموقع (باسنيوز)، إن "أمريكا وإسرائيل تشددان الرقابة على منطقة البوكمال وترصدان جميع التحركات فيها لمنع نقل الاسلحة"، مبينا أن "إيران وحلفائها قاموا بإنشاء قاعدة منذ عام 2018 باسم (الامام علي) وهي منشأة فيها الكثير من البنى التحتية للتواجد في هذه المنطقة وإدامة التواصل بين الجزأين البريين العراقي والسوري". ولفت الخبير الأمني إلى أن "ايران تعول كثيراً على منطقة البوكمال لكونها تمثل عمق الربط بين العراق وسوريا باتجاه لبنان مع تواجد القواعد الامريكية قربها"، لافتاً الى أن "منطقة البوكمال تتواجد فيها الكثير من الفصائل المسلحة الاجنبية بينها فصائل عراقية موالية لإيران ولها أبعاد عقائدية مذهبية في تلك المنطقة مثل فصائل (حيدريون، والأبدال، وكتائب حزب الله العراق) بالإضافة الى فصائل اخرى من لبنان وافغانستان وباكستان واذربيجان".

     من هنا, يتواصل الاستهداف بالطيران الإسرائيلي خلال الشهريين الماضيين على امتداد المنطقة الشرقية في إشارة إلى تغير قواعد الاشتباك، وتعمد واشنطن إلى إدخال هذه المنطقة في ظلام معلوماتي للحفاظ على قاعدة منع التصادم مع الروس.

    روسيا واستثمار خلايا "داعش"

    شنت روسيا حربا إعلامية ضد واشنطن وحلفائها تارة, وبالتحرش العسكري تارة أخرى, كالدفع بميليشيات إيران الشيعية, عبر التلويح  بالتقدم شرق الفرات. ومن خلال المتابعة وتطورات الأحداث المتلاحقة تبين أن روسيا حذرت الميليشيات الأساسية التي تعتمد عليها بالتوقف عن تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها إدارة الرئيس دونالد ترامب, وبعدم الاقتراب من القواعد الأميركية في المنطقة الشرقية, وإفساح المجال أمام خلايا تنظيم "داعش" للتمدد في الجيب الواصل بين منطقة حميمة شرقا وصولا إلى المحطة الثانية غربا مسافة 120 كم والتوسع شمالا حتى تخوم الميادين والبوكمال.

    لكن التجهيزات الكبيرة التي يقوم بها التحالف الدولي في قاعدة التنف تشير إلى استعداد عسكري لاجتثاث بقايا التنظيم المتحرك في هذه الرقعة ومن ثم السيطرة على الحدود العراقية ـ السورية وصولا إلى مناطق نفوذها شرق نهر الفرات، والتحكم بحركة معبر القائم الحدودي الذي يعتبر عقدة الممر البري الإيراني الواصل بين طهران والبحر المتوسط.

    خلاصة

    لا يخفى على أحد أن هناك حسابات دولية وإقليمية تقف خلف هواجس افتتاح الممر البري الرابط بين سوريا والعراق عند نقطة البوكمال-القائم في المنطقة الشرقية، سواء من قبل بعض دول التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة, أو الحلف الذي تتزعمه روسيا, وبينهما تتنامى خلايا تنظيم "داعش" الذي يتنفس بأوكسجين دول التحالف والحلفاء, وبالتالي لا يمكن تصور الجهود الدولية والإقليمية المتصارعة، وإسهاماتها المادية والبشرية الكبيرة في هذه الحرب، بأنها تهدف بشكل حصري إلى القضاء على تنظيم "داعش"، أو مواجهة " النفوذ الإيراني" إنما إلى تحقيق أهداف ومصالح خاصة بكل طرف، ولذلك فإن أقل ما يمكن تفسيره عن مقاصد الولايات المتحدة من هذه الحرب هي السيطرة على حقول النفط، بينما تسعى إيران للوصول السهل إلى البحر المتوسط عبر البوكمال والبادية السورية, ويعمل الروس على إبراز قوتهم كطرف دولي يهيمن على مناطق سيطرة الأسد.

     

    الحدود السورية العراقيةمعبر البوكمال القائمطريق طهران دمشق البريحرب دبلوماسيةامريكااسرائيلايرانروسيا سورياالعراق