"منبج" في إطار "نبع السلام".. تفاهمات سياسية أم مواجهة عسكرية؟

بلدي اليوم

الجمعة 18 تشرين الأول 2019 | 8:17 مساءً بتوقيت دمشق

منبجنبع السلامالجيش الوطني الحرالوحدات الكرديةانسحاب القوات الأمريكيةالشمال السوريحلبنهر الساجورروسيا تركيا

  • بلدي نيوز- (تركي مصطفى)
    تُعدُّ منبج مفتاحا رئيسياً في عملية السيطرة على "شرق الفرات" لاستعادة المناطق السورية التي تسيطر عليها "الوحدات الكردية"، ليواجه "الجيش الوطني الحر" وحليفته أنقرة القوى الإقليمية والدولية بتعقيد مثير للجدل لرسم مستقبل المنطقة انطلاقا من منبج.
    مقدمة
    مع انطلاق العملية العسكرية التركية الجارية "نبع السلام"، انسحبت القوات الأميركية من منبج بعد تلكؤ زاد على السنة لتنفيذ خريطة الطريق التي اتفقت عليها الولايات المتحدة وتركيا في حزيران/يونيو 2018 لإخراج مقاتلي حزب "pyd" الكردي من منبج، فيما اقتصر تنفيذها على القيام بتسيير دوريات مشتركة، وهذا يشير إلى أن الولايات المتحدة لم تكن جادة حينذاك، وأن الاتفاق قد توقف العمل به، وصرح حينها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: "إن القوات التركية ستدخل مدينة منبج السورية إذا لم تُخرج الولايات المتحدة الوحدات الكردية من المنطقة"، وجاءت تصريحاته بعد أن قالت أنقرة "إنها ستشن عملية جديدة تستهدف المقاتلين الأكراد".
    وبالفعل مع بدء عملية "نبع السلام" اندلعت اشتباكات عنيفة بين "الجيش الوطني" من جهة، و"قسد" وقوات النظام من جهة أخرى، شمالي منبج، ليل الثلاثاء/الأربعاء الماضي، وتمكن "الجيش الوطني" من تدمير دبابة وقتل 4 عناصر للنظام.
    وكان "الجيش الوطني" قد حشد قواته على الحدود الشمالية لمدينة منبج السورية على خط نهر الساجور، وسط احتمال شنّ عملية عسكرية للسيطرة على منبج، إلا ان المسؤولين الأتراك أوقفوا الهجوم.
    هذا التباطؤ في تسوية ملف منبج زادت تعقيداته إثر تدخلات الأطراف الإقليمية والدولية المتناحرة لجعل هذه المنطقة ساحة صراع بين الأتراك وباقي المتحالفين من الأكراد وقوات نظام الأسد وروسيا، ما دفع تركيا للتغاضي عن أخطر الأوراق التي تمس كيانها السياسي بالرهان على تفاهمات مع موسكو من جهة، وواشنطن من جهة أخرى، بالإضافة لإدراكها أهمية "الجيش الوطني الحر" في هذه المنطقة الاستراتيجية.
    تجري هذه التطورات في الوقت الذي بادر فيه نظام الأسد بدفع من الروس، للتوجه نحو منبج تلبية لدعوة حزب "pyd" لأقرانه في قتل السوريين وهذا ما يتماهى مع مصالح الروس، التي أوحت تعليقاتهم بأن الحل في منبج لا يمكن فصله عن باقي تطورات الشمال السوري.
    ومع إعلان ترامب الانسحاب من "منبج"، وجدت المدينة نفسها محاصرة من كل جهاتها بجيوش عالمية وإقليمية وقوى محلية "روسيا وتركيا وقوات الجيش الوطني وميليشيات الأسد"، في إطار "نبع السلام" الناشبة في الشمال السوري ذات الأبعاد الاستراتيجية سياسيا وعسكريا، والمتصلة بنتائج وأهداف متباينة بين الحلفاء الأعداء من كل جوانبها وخططها العسكرية ونتائجها وآفاقها المحتملة التي دخلت خط المواجهة المسلحة بعد التواطؤ العلني بين قوات نظام الأسد والوحدات الكردية لقطع الطريق على "الجيش الوطني"، ومنعه من التقدم باتجاه منبج، مما أثار جدلا واسعا بين المتصارعين وأغضب الجيش الوطني حليف أنقرة ليلتقي الجميع وجها لوجه في حيز جغرافي صار أشبه بالصفقة السياسية الكبرى لرسم مستقبل الشمال السوري.
    أهمية منبج
    يعزى التنافس الدولي والإقليمي والمحلي المحموم للسيطرة على منبج كونها الجزء الأكثر حساسية وتأثيرا في الخاصرة الطبيعية لأنقرة؛ فموقعها المشاطر للحدود مع تركيا والواصل بين مدينة حلب في المنطقة الواقعة غرب نهر الفرات "الشامية"، وشرق النهر "الجزيرة" وما يتبع ذلك من قيمة استراتيجية وجيو استراتيجية، كما أن إطلالتها على نهر الفرات عبر جسر قراقوزاق، وجريان الساجور من طرفها الشمالي، ونهر الذهب في جنوبها الغربي، حوّلها إلى مركز اقتصادي وسوق كبير للتجار من تل أبيض والرقة وعين العرب وجرابلس، مما أعطاها ميزة اقتصادية في ظروف الحرب الدائرة، ويعزِّز هذا الموقع أيضا السيطرة على شبكة من الطرق البرية الواصلة بين المناطق المترامية الأطراف.
    عسكريا: تكتسب المنطقة أهمية استراتيجية في ظروف الصراع المركب لاسيما بعد سيطرة الجيش السوري الحر على غالبية المنطقة والتحكم بالمنافذ الحدودية مع تركيا "جرابلس - باب السلامة – غصن الزيتون- تل أبيض – رأس العين"، بالإضافة إلى السيطرة على طرق إمداد قوات "قسد" الواصلة بين "الحسكة – حلب" ووأد حلمه مشروع "روجافا"، إلا أن حجم ذلك التأثير يتوقف على طبيعة التحكم بالمنطقة وطرق توظيفه.
    سياسيا: ما أنجزه "الجيش الوطني" في معركة "نبع السلام" والسيطرة على منطقة واسعة من "رأس العين وتل أبيض" نال تقدير الطبقة السياسية السورية المعارضة والحاضنة الشعبية للثورة السورية وغالبية أبناء المنطقة التي ترى في حزب "PYD"، سليل العمال الكردستاني بفروعه وتوابعه، وممارسته للقتل والإرهاب، وقوات نظام الأسد المدعومة بالميليشيات الإيرانية، قوى احتلال.

    هنا تجدر الإشارة إلى أن من بين المسائل التي يركز عليها "pyd" و"قوات نظام الأسد"، استماتتهم في إحكام القبضة على منبج، والسعي لإخضاعها كاملة، بوصفها مركز ثقل جغرافي مثلما أنها مركز ثقل سكاني، ومصدرا داعما للثورة.
    في ظل هذه المعطيات، يمكن تفسير التعامل المبكر مع هذه المنطقة من قبل الروس والأميركيين بقطع الطريق أمام "الجيش الوطني" المدعوم من تركيا كخطوة عسكرية في تمكين وكلائهم على تلك المنطقة، وحرمان أنقرة من الهدوء لما يمثله "pyd" من مخاطر على أمنها القومي.
    لماذا توقفت معركة منبج؟
    فاجأ إعلان ترامب الانسحاب كل الأطراف التي سارعت لحشد قواتها وميليشياتها على بوابات منبج ونشطت الآلة الإعلامية لحلف روسيا في التشويش على ما يجري في حواف المدينة العربية بادعائه السيطرة عليها، وواصل اللوبي الإعلامي الروسي وتوابعه حربه النفسية تجاه مدينة منبج، بإعلانه سيطرة قوات الأسد على المدينة، حيث ذكرت مصادر عسكرية خاصة لـ " بلدي نيوز" أنه لا وجود حتى اللحظة لأي جندي لقوات الأسد في منبج، فيما دخلت خمس مدرعات روسية تحمل أعلام نظام الأسد إلى منبج وخرجت لاحقا إلى أطرافها، غير أن وسائل إعلام موالية لروسيا ذهبت إلى القول إن "قوات قسد تتهيأ للانسحاب من المدينة نفسها وتسليمها لقوات النظام"، وواصلت صحيفة تلك الوسائل التابعة للنظام ترويج الأكاذيب حول مدينة منبج، فادّعت أن "مدينة منبج وريفها مفتوحة أمام تقدم جديد للجيش"، والواقع أنه قد اندلعت اشتباكات عنيفة بين "الجيش الوطني" من جهة، و"قسد" وقوات النظام من جهة أخرى، شمالي منبج، ليل الثلاثاء/الأربعاء الماضي، وتمكن "الوطني" من تدمير دبابة وقتل 4 عناصر للنظام، وكان "الجيش الوطني" قد حشد قواته على الحدود الشمالية لمدينة منبج السورية، على خط نهر الساجور، وسط احتمال بشنّ عملية عسكرية للسيطرة على منبج، إلا ان المسؤولين الأتراك أوقفوا الهجوم.
    تجدر الإشارة هنا إلى أن "الجيش الوطني كان بإمكانه دخول منبج بسرعة أكبر وفرض أمر واقع، حيث لا توجد اتفاقات أو تفاهمات مسبقة بين الروس وتركيا حول منبج، والذي يبادر لفرض أمر واقع هو الأسبق للنصر ولا تزال الفرصة سانحة أمام الجيش الوطني لدخول منبج حتى دون الغطاء التركي، علماً أن أكثر من ألف مقاتل من منبج وريفها، من المنضوين في فصائل "الجيش الوطني"، قد استنفروا بعد وعود تركية لهم باستعادة منبج، بهدف طرد "ميليشيا الأسد" التي دخلت المدينة بعد اتفاق مع "قوات سوريا الديموقراطية".
    والواقع يشي بأن وضع منبج لم يطرأ عليه أي تغيير في الإطار الحقيقي للسيطرة المتمثلة بقوات "قسد"، حتى أن الرئيس التركي صرح بأنه لم يتغير شيء على الأرض في منبج عن الماضي ولم تسلم لأصحابها.
    في هذا الإطار، انسحبت فصائل "الجيش الوطني" من ثلاث قرى كانت قد سيطرت عليها شرقي منبج، قبل اجتماع مطول بين مسؤولين روس وأتراك في قرية عون الدادات على خط نهر الساجور، استمر أكثر من ساعتين.
    وأسفر الاجتماع بحسب مصادر خاصة من "الجيش الوطني" عن تثبيت النقاط الحالية، وعدم شن أي هجوم من الطرفين، خاصة مع تواجد قوات روسية في نقاط خط الساجور المقابلة لقوات "الجيش الوطني"، وتشير كافة المعطيات إلى أنه لا عملية عسكرية للجيش الوطني باتجاه مدينة منبج، بعد دخول القوات الروسية على خط المواجهة.
    خاتمة
    حتى الآن لم يتغير موقف "موسكو وتركيا" في الصراع على منبج، رغم ما أُثير حول النشاط الدبلوماسي التركي وما يحمله من تفاهمات ستنتج عنه، ولكن ملف منبج سيظل يراوح مكانه.
    ما يمكن تصوره حول مستقبل الصراع الدائر حول منبج، بناء على المواقف المتباينة بين مختلف القوى وما يترتب على ذلك من مواقف، تدل حتى الآن على صعوبة الرهان التركي على موسكو، كما ثبت خطأ رهانها على سياسة واشنطن ودورها في المنطقة.
    كل ذلك يعني أن الخيار أمام الأتراك مساندة "الجيش الوطني " في استعادة مدينة منبج سواء عبر التفاهمات مع موسكو، أو استخدام خيار الحرب، وعلى ما يبدو أن تصريح أنقرة في أنها أوقفت عملياتها العسكرية في منبج بالتنسيق مع روسيا، يؤشر على توافق بشأن تسوية وضع منبج المرتبط بشكل وثيق بمستقبل عملية "نبع السلام" التي أوقفها تفاهم تركي – أميركي جديد بعد اللقاءات المكوكية التي جمعت أمس الخميس الرئيس التركي أردوغان مع كل من نائب الرئيس الأميركي مايك بنس ووزير الخارجية بومبيو في أنقرة.
    وبناء على ما سبق؛ يتأجل الحسم بملف منبج إلى لحظة التفاهم بين روسيا وتركيا وباقي الأطراف الأخرى حول من سيكون الوريث للأمريكان.

    منبجنبع السلامالجيش الوطني الحرالوحدات الكرديةانسحاب القوات الأمريكيةالشمال السوريحلبنهر الساجورروسيا تركيا