حرب روسيا "الدبلوماسية" ورسم حدود النفوذ في سوريا بالنار

بلدي اليوم

الجمعة 29 تشرين الثاني 2019 | 11:44 مساءً بتوقيت دمشق

روسياادلبحلبقصف روسيالجيش الوطني السوريالحسكةدرعاتل ابيضالقوات التركية

  • حرب روسيا

    بلدي نيوز- (تركي لمصطفى)
    تمضي روسيا وحليفها الأسد باتجاه التصعيد العسكري في محافظة إدلب، وبوتيرة أقل في مناطق شرق الفرات، واستباقا للجولة الثانية لانطلاق أعمال اللجنة الدستورية في جنيف؛ شنت الطائرات الروسية وتلك التابعة لنظام الأسد حملة جوية استهدفت مدن وبلدات "كفروما ومعرزيتا وبابولين والتح وكفرنبل وحيش وجبالا" بريف إدلب الجنوبي، كما شنّت طائرات النظام الحربية غارات على مواقع في "التح والبريصة وتل دم" جنوب شرق إدلب.
    وذكرت مصادر محلية لـ "بلدي نيوز"، إن الطائرات الروسية دمرت صباح الاثنين الماضي "فرن الإيمان" في قرية بنين بريف إدلب، جرّاء قصفه بشكل مباشر، ويعمد الطيران الروسي عادةً إلى تدمير جميع المرافق الحيوية وارتكاب المجازر بحق المدنيين، حيث شنّت الطائرات الحربية الروسية غارات مكثفة منتصف ليل الأحد – الاثنين الماضي، على مشفى "كيوان" الجراحي في بلدة كنصفرة بجبل الزاوية جنوب إدلب، ما تسبب بأضرار مادية جسيمة أخرجته عن الخدمة بشكل كامل علما أن المشفى يختص بتقديم الخدمات للأمراض النسائية والأطفال، ويخدم ما يقارب 300 ألف نسمة، ودمرت مروحيات نظام الأسد مشفى"الروضة" بكفر نبل الذي يُعتبر الوحيد المتبقي في منطقة جبل الزاوية بعد تدمير مشفى "كيوان" و"شنان"، وكذلك قصفت الطائرات المروحية التابعة للنظام على مدار الأسابيع الماضية بالبراميل المتفجرة بلدة ترملا ومحيط مدينة كفرنبل وبلدة أبلين وأطراف بلدة بلشون وقرية الشيخ مصطفى في ريف إدلب الجنوبي، تزامناً مع قصف بالمدفعية والصواريخ من قوات الأسد على قرى وبلدات سحال والبرج والبريصة والتح وتحتايا وبابولين وأم جلال وأم التينة بريفي إدلب الشرقي والجنوبي الشرقي. وترافق القصف مع تجدد الاشتباكات بين قوات الأسد وفصائل المعارضة السورية المسلحة في محاور قرى تل دم وسحال والفرجة والتينة بريف إدلب الجنوبي الشرقي في محاولة قضم مناطق جديدة في ريف معرة النعمان الشرقي بغية الوصول إلى الطرق الدولية.
    وأكدت مصادر مطلعة لـ"بلدي نيوز"، أن قوات الأسد مسنودة بالطيران الروسي سيطرت على قرى المشيرفة والزرزور وأم الخلاخيل والعديد من المواقع في محيطها، عقب انسحاب قوات المعارضة منها بعد معارك عنيفة بين الطرفين في ريف إدلب الجنوبي الشرقي.
    استراتيجية "الحرب الدبلوماسية"
    يأتي هذا التصعيد المتزايد كمناورة اعتادت روسيا عليها لفرض استراتيجيتها على الخصم وقد كشف هذا المشهد أن موسكو تنتهج استراتيجية "الحرب الدبلوماسية" أو استراتيجية المفاوضات مع الضغط العسكري المتواصل، مما يجبر الخصوم على قبول الشروط الروسية والاستسلام للقدر الروسي. والملاحظ أن تحركات روسيا العسكرية والسياسية نشطت مع اجتماعات اللجنة الدستورية نتيجة ضعف الموقف التركي للقبول بتنفيذ بنود سوتشي دون شروط، وقد أكد ذلك إعلان موسكو المتواصل بأنها عازمة على استمرار عملياتها العسكرية، وتفسير اتفاق سوتشي وفقا لرؤيتها الخاصة، وكعادتها حمّلت تركيا نظام الأسد مسؤولية هذا التصعيد والتداعيات الناشئة عنه.
    لم تتغير استراتيجية موسكو وحلفها باستهداف المناطق المأهولة بالسكان تارة بالطيران وأخرى بقذائف المدفعية، مما يشير إلى أن الاستراتيجيات المتضاربة بين تركيا ومن معها من قوى المعارضة السورية من جهة، وروسيا وأحلافها من جهة أخرى، سارت منذ التوافق الروسي التركي نحو تعقيد شديد، فيما يفترض حسب أهدافهما المعلنة في سوتشي دعم تطبيق هذا الاتفاق الذي يتغنى صانعوه بنجاة إدلب من مصير أخواتها غوطة دمشق والجنوب السوري وريف حمص الشمالي، لكن الاستراتيجية الروسية تركز على الجدول الزمني المرفق بالاتفاق المذكور الذي يقضي بإنهاء الوجود المسلح للمعارضة هناك، وهذا ما يؤكده استمرار التصعيد العسكري الروسي الذي يشير إلى اتساع هوّة الخلافات بين أنقرة وموسكو حيال مجمل الأوضاع في شمال غربي سورية، وأن روسيا تسير وفق سياسة قضم المزيد من المناطق المحررة في عمق محافظة إدلب وعلى الرغم من التحرك التركي لإيقاف الحملة العسكرية المسعورة، ارتكب الطيران الحربي الروسي وذاك التابع للنظام مجازر عديدة في مدينة معرة النعمان، وجبل الزاوية حصدت أرواح عدد من الأطفال ودفعت أغلب سكانها إلى النزوح، في مؤشر واضح على نيّتها المضي في سياسة قضم المزيد من المناطق المحررة الخاضعة لمنطقة خفض التصعيد.
    وتجلّت الخلافات الجوهرية بين الطرفين التركي والروسي حيال مجمل الأوضاع في شمال غربي سوريا، والتي لم يتمكنا بعد من حلها، بحسب ما تؤكد الوقائع الميدانية، ومما زاد الطين بلّة استهداف نظام الأسد بدعم روسي منطقة تريحين شمال مدينة الباب الخاضعة لنفوذ الجيش الوطني المدعوم من تركيا، مما أشعل النيران في مسار العلاقات بين تركيا وبعض قوى المعارضة.
    شرق الفرات ورسم مناطق النفوذ بالنار

    يجري الحديث الآن عن منطقة شرقي الفرات، حيث تعتزم تركيا ومعها الجيش الوطني الحر، اللجوء إلى الحسم العسكري كخيار ضرورة أمام تعثّر التفاهمات السياسية مع موسكو التي لم تتح سوى مزيدا من الوقت لحزب الاتحاد الديمقراطي "ب ي د" لتعزيز نفوذه في المنطقة، وتجديد تحالفه مع نظام الأسد، كما تشي التعزيزات العسكرية التركية التي تصل تباعاً إلى منطقة عين عيسى بأنّ عملية عسكرية كبيرة يجري التحضير لها، هنا يمكن أخذ اتساع هوة الخلاف حول بلدة عين عيسى في ريف الرقة الشمالي الواقعة على الطريق الدولي "حلب – الحسكة"، من خلال الحشودات العسكرية لـ "الجيش الوطني السوري" التابع للمعارضة والمدعوم من الجيش التركي، حيث أكدت مصادر محلية لـ "بلدي نيوز"، أن هذا الجيش يحشد بالقرب من مخيم بلدة عين عيسى، وكانت المنطقة قد شهدت اشتباكات دامية بين "السوري الوطني" و"قوات سورية الديمقراطية" (قسد) خلال الأيام القليلة الماضية، ولكن الجانبان الروسي والتركي حالا دون اتساعها.
    وتتجسد حدّة الخلاف الروسي التركي بالتصعيد العسكري في تلك المنطقة حيث قصفت طائرات مسيرة تركية، أول أمس الأربعاء، مواقع لقوات الأسد في تل طويل الواقعة بين تل تمر والمناجير في ريف محافظة الحسكة، ما أسفر عن إصابة عنصرين على الأقل من قوات النظام تمّ نقلهما إلى مشافي الحسكة. وأوضح بيان صادر عن وزارة الدفاع التركية، أن أنشطة التمشيط والبحث وإزالة الألغام والعبوات الناسفة متواصلة في المناطق التي سيطرت عليها القوات التركية ما بين مدينتي تل أبيض في ريف الرقة الشمالي، ورأس العين في ريف الحسكة الشمالي الغربي، على مسافة أكثر من 100 كيلومتر، وبعمق يصل إلى 30 كيلومتراً.
    إلى ذلك، انتقل التصعيد العسكري بين "قسد" و"الجيش الوطني" إلى ريف حلب الشمالي في غربي نهر الفرات، حيث جرت اشتباكات على محاور حربل وتل مالد بريف حلب الشمالي بعد منتصف ليل الأحد – الإثنين، ترافقت مع استهدافات متبادلة بالقذائف والرشاشات الثقيلة، وقصفت الوحدات الكردية، أمس، مناطق في مدينة أعزاز شمال حلب، وفق مصادر محلية تحدثت عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة آخرين بجروح، جراء انفجار عبوة ناسفة في المدينة التي تعد أكبر معقل للمعارضة السورية في ريف حلب الشمالي.
    تصعيد مفاجئ
    جاءت مفاجأة أنقرة بموقف موسكو حيال تطور عسكري وميداني غير متوقع، بعد قصف طيران مجهول، ليل الاثنين الماضي، مواقع في منطقة "درع الفرات" في ريف حلب الشمالي الشرقي الخاضعة للنفوذ التركي، وأوضحت مصادر محلية أن طائرات نفذت ما يقارب 8 غارات على تجمعات مصافي النفط في ريفي جرابلس والباب.
    وبحسب مصادر محلية، فإن أصحاب المصافي يشترون النفط الخام من مناطق سيطرة "قسد" ويعملون على تكريره وتزويد مناطق إدلب وريفي حلب الشمالي والشرقي بالمحروقات، مشيرة إلى أن الطائرات المجهولة قصفت "حراقات" نفط بدائية قرب قرية ترحين في منطقة الباب شرق مدينة حلب، شمالي سورية، ما أدى إلى مقتل 3 أشخاص.
    ونقل موقع "بلدي نيوز" عن المتحدث الرسمي باسم "الجيش الوطني" الرائد يوسف الحمود، تأكيده أن "الطيران الذي أغار على المناطق المحررة في شمالي حلب، ليل الاثنين، هو طيران روسي"، وأضاف أن هدف هذه الغارات هو تدمير مراكز تكرير النفط وزيادة معاناة الشعب والضغط عليه أكثر من أجل إخضاعه، ومع أن نظام الأسد اعترف بمسؤوليته عن الغارات الليلية؛ إلا أنه لا يمكن له القيام بذلك بمعزل عن الموافقة الروسية وتقديم الغطاء السياسي والتسهيلات اللوجستية لتنفيذ هذا العدوان.
    ولكن ما تلحظه موسكو، هو التقارب التركي الأميركي سواء في اللقاءات المتبادلة بين أعضاء الإدارتين، أو القمة الثنائية التي جمعت الرئيسين التركي أردوغان والأميركي ترامب والتي خصصت للملف السوري، واتضحت نتائجها في الحملة العسكرية الروسية كرد فعل على هذا التقارب، مما يتوجب على أطراف الصراع المحلية والإقليمية انتظار التفاهمات الحاسمة لتقاسم "التركة" السورية.
    ويرى محللون سياسيون أن تفاهمات أنقرة مع كل من روسيا في إدلب، وكذلك شرق الفرات، لم تجدِ نفعا خاصة وأن الطرفين نقضا اتفاقات عدة على مدار السنوات الماضية، واتفاق سوتشي بين موسكو وأنقرة أكبر مثال على ذلك، وكذلك الصراع حول مصيرعين عيسى والذي ماطلت فيه الأخيرة ولم تتمكن تركيا من دخول المنطقة.
    فيما يرى البعض أن تركيا مضطرة في نهاية المطاف إلى الدخول في مواجهة عسكرية لن تكون في صالح كافة الأطراف، بعد فشل كل الاتفاقات السياسية ووصولها إلى طرق مسدودة، وتبقى ورقة اللاجئين في وجه أوروبا هي الورقة الأخيرة التي تملكها أنقرة، والتي من الممكن أن تشكل ضغطا على روسيا بهدف وقف العمليات العسكرية في إدلب والبدء بتنفيذ اتفاق شرق الفرات، لكن ليس بالشكل والمضمون الذي تريده أنقرة بالكامل وإنما وفق مبدأ "اللا منتصر".
    خاتمة

    كان الخيار العسكري هو الأسبق لفرض السيطرة الروسية بالقوة المسلحة على البلاد كلها، ونسف كل مبادرات السلام التي دعت إليها في "أستانا" بعد الالتفاف عليها طويلا، وفق استراتيجية من يجيد تقدير الموقف من الحسم العسكري بشكل دقيق، لذلك جاء سوتشي ذريعة لوصد الأبواب أمام أيّ مسعى حقيقي إلى السلام ونسف "قرارات جنيف" التي أقرها ممثلو الدول الكبرى لتسجل الدعوة إلى هذا المؤتمر شهادة أخرى، على أنّ تجربة الحسم العسكري في تثبيت سلطة الأسد المستولى عليها هي المألوفة في الاستراتيجية الروسية، وأنّ ما سوى ذلك للعب بالوقت ومحاولات ابتزاز سياسية، بهدف تمكين سلطة الأسد بالقوة وطي وثائق جنيف باعتبارها أقوى الوثائق السياسية الدولية لحل الصراع في سورية.

     

    روسياادلبحلبقصف روسيالجيش الوطني السوريالحسكةدرعاتل ابيضالقوات التركية