هل تؤثر فقاعة التقارب "التركي-الروسي-الإيراني" على الثورة السورية؟

تقارير

الجمعة 19 آب 2016 | 7:24 مساءً بتوقيت دمشق

تركياروسياايرانالثورة السوريةالمقاومة السوريةتنظيم الدولةوحدات الحماية الكرديةقوات الاسد

  • هل تؤثر فقاعة التقارب

    بلدي نيوز – (أيمن محمد)

    وصلت القاذفات الاستراتيجية الروسية إلى مطار همذان العسكري الإيراني، وبدأت بقصف المناطق المدنية في سوريا، مفتتحة حملتها في سوريا بعدة غارات على مدينتي الرقة وحلب.

    خبر نشر القاذفات الاستراتيجية الروسية ليس بأهمية الأخبار الأخرى، التي رافقته والتي تحدثت عن تغير ما في الوضع الكلي في المنطقة، والتي بدأت بإعلانات عن قرب اتفاق بين الروس والامريكان حول عمليات مشتركة في حلب، وشبه اتفاق تركي روسي حول الوضع في سوريا، وحتى تقارب تركي روسي ايراني حول الوضع في سوريا كذلك .

    الوضع الميداني في حلب يعكس حالة ما من الترقب، فتوقف أو فتور عملية تحرير حلب، يستخدمه البعض للتأكيد على أن هناك أموراً في طور التحضير وربما التنفيذ، خصوصاً بعد فشل النظام في حصار حلب وكسر حصارها ثم التهديد باستعادتها بالكامل.

    من جهة أخرى، استيلاء الانفصاليين الأكراد على منبج رفع حالة التوتر في المنطقة، وخصوصاً أنهم بدأوا بمتابعة طريقهم باتجاه جرابلس الحدودية مع تركيا غربي نهر الفرات، والتي يتوقع أن تكون هدفهم التالي بعد منبج، الأمر الذي يتنافى مع "الوعود الأمريكية" بسحبهم من المنطقة بمجرد "تحريرها".

    العدو شمالاً

    منذ تأسيس الجمهورية التركية بعد إسقاط الخلافة في تركيا بعيد الحرب العالمية الأولى، عاش الاتراك سياسيا واجتماعيا عدداً من الأفكار والبديهيات، التي فحواها أن العدو يقبع شمالاً، وأن الجهة الجنوبية لتركيا من أقل الجهات التي يحتمل ورود الخطر منها، هذه النظرية كانت تحمل الكثير من الصحة والخطأ في نفس الوقت، خصوصاً مع الحرب الباردة، وما حملته من انضمام تركيا لحلف الناتو، ولكنها ترسخت بعد رضوخ الديكتاتور حافظ الأسد للتهديد التركي، والذي أفضى لتسليم زعيم حزب العمال الكردستاني "عبد الله أوجلان"، الذي تحول فجأة من ضيف شرف على نظام الأسد إلى سجين لدى تركيا، بعد عملية تسليم غير مباشرة، إثر تهديد تركي مقتضب باجتياح سوريا.

    الأمر الذي دعمه الغزو الأمريكي للعراق والذي رفضته تركيا، ومنعت دخول قوات أمريكية من أراضيها، والذي كان القوة الوحيدة جنوبها والتي تلاشت مع الغزو الأمريكي، ثم ظهور ما يسمى بكردستان العراق، الذي استطاعت تركيا احتوائه بشكل جيد جداً.

    العدو جنوباً

    رياح الربيع العربي التي عصفت بالمنطقة، غيرت الكثير من البديهيات في الوضع، الذي يمكن القول أنه كان شبه مستقر لعقود من الزمن، وأحد أهم هذه التغيرات هي بروز قوة معادية لتركيا شمالي سوريا، وهذه القوة هي حزب PYD، والذي يعتبر امتداداً لحزب العمال الكردستاني PKK الذي تواجهه تركيا منذ ثلاثين عاماً داخل أراضيها.

    ليجد PYD  دعماً دولياً غير مسبوق، تسبب بتضخمه وسيطرته على مساحات واسعة شمالي سوريا، وتسخير القوى الجوية لأكثر من عشرين دولة لخدمته، وصل بها الأمر لحد قصف أي قرية يريد هذا الحزب إخراج أهلها منها، وهو الأن يسعى لفصل تركيا عن عمقها العربي، الذي تربطها به علاقة تعود لأكثر من 1000 عام، بشريط يمتد على طول الحدود الشمالية لسوريا، بعد أكبر عملية تطهير عرقي في القرن بحق العرب والتركمان في المنطقة .

    التغير الكبير الذي حصل للتهديد الذي يشكله PYD، وكونه حصل على اعتماد دولي كبير جعله أداة في يد الدول التي تعتبر تركيا خطراً استراتيجيا على المدى المتوسط، وتهديداً وجودياً على المدى الطويل، خصوصاً مع المشروع التركي الاستراتيجي الواعد، والتطور التركي الهائل في جميع المجالات، والتي تسعى لاستعادة أمجاد الامبراطورية العثمانية، التي كانت رعب الغرب لقرون.

    ما جعل تلك الدول وعلى رأسها أمريكا تغدق الدعم على هذا الحزب الذي حصل على كميات أسلحة متطورة، عجزت دول غنية جداً عن الحصول عليها، مع كم هائل من الدعم المعنوي والسياسي والعسكري، والاعتماد عليه كعنصر أساسي في الحرب على "الإرهاب".

    يضاف إلى ذلك القاعدة الروسية التي ظهرت في الساحل السوري، والتي تحولت فجأة لقاعدة للقاذفات تعتبر الأضخم إن لم تكن الوحيدة خارج روسيا، ونشرت فيها صواريخ بالستية من الممكن تحميلها برؤوس نووية، وبطاريات دفاع جوي هي الأحدث في العالم، إضافة لحالة التوتر الكبيرة التي حصلت مع روسيا بعد إسقاط تركيا لطائرة روسية، ساهم في تعقيد الأوضاع  في المنطقة ككل.

    يضاف لذلك ظهور تنظيم الدولة على الحدود الجنوبية مع تركيا، والذي تعتبره تركيا أيضا خطراً كبيرا، لكنه خطر طارئ مقارنة بالخطر المتمثل بالتنظيم الكردي.

    الإرهاب والانقلاب

    الوضع الذي برز في تركيا بعد الانقلاب الفاشل، وحالة العداء الغربي الشديد الذي برز بشكل التخلي عنها، وعدم دعمها ضد الانقلاب، جعلها تسعى للاستغناء عن الغرب وعلى رأسه أمريكا، التي وصلت علاقتها مع تركيا مرحلة سحب ذخائرها النووية من قاعدة انجرليك، والتي تعني أن تركيا (لم تعد بلدا موثوقاً لديها).

    جملة الإشارات التي وصلت لتركيا من الغرب ككل كانت سلبية، فحتى أبسط المعاهدات التي وقعتها تركيا مع أوروبا حول اللاجئين، لم تنفذها أوروبا، فضلا عن عرقلة دخولها في الاتحاد الاوروبي، وانتقاد أي تصرف تركي وحتى انتقاد القوانين المحلية التركية المختلفة.

    على النقيض من ذلك كانت روسيا أكثر دهاءً، وتواصلت مع تركيا مباشرة بعد فشل المحاولة الانقلابية، التي تتهم تركيا دولاً غربية بالمشاركة فيها بل والتخطيط لها، و ربما ساعدت  تركيا  استخباراتيا في  ما يمكن تسميته  استغلالاً للحظة  التي لن تتكرر للخروج من الأزمة التي وصلت إليها روسيا بسبب  تدهور وضعها الاقتصادي بعد القطيعة مع تركيا.

    التدمير الاستراتيجي

    يبدو أن هناك مجموعة من القوى وعلى رأسها أمريكا تعمل على خطة عميقة تهدف لتدمير تركيا تدريجيا ـ أحد أعمدة هذه الخطة ا فعلياً هم ميليشيات PYD، التي تعتبر تركيا توسعها في الشمال السوري أكبر الأخطار، وقد يفوق في نظرها الخطر الذي تمثله روسيا وإيران ويتجاوز بأضعاف خطر نظام الأسد الذي حولته الحرب في سوريا لمجرد تابع.

    تركيز تركيا على الوضع الداخلي بعد الانقلاب الفاشل، وتركيزها على حل مشاكلها الداخلية واحتواء المشاكل الخارجية، أو تأجيلها لأطول وقت ممكن، يجعل من المهم لتركيا الوصول لصيغ ما مع روسيا، التي يمكن القول جدلاً أنها المسيطر على بعض خيوط الأحداث في شمالي سوريا، فأمريكا التي تسيطر فعليا على كل شيء يحدث في الشرق الأوسط، أعطت روسيا ظاهريا بعض الخيوط، لكي لا تتحمل مسؤولية كل شيء في المنطقة ولتحول روسيا لهدف وتؤلب الشعوب العربية والإسلامية عليها، وتخرج هي من المشهد بدعوى أن روسيا موجودة، وأن أوباما شخص ضعيف ومتردد، وليس قادراً على اتخاذ أي قرار في المنطقة، وهو أمر خاطئ تماما ومضلل لأقصى الحدود.

    و أكبر دليل على ذلك أن أمريكا لم تسمح لروسيا بإطلاق طلقة واحدة في العراق، على الرغم من أن قاذفاتها الاستراتيجية تمر كل يوم فوق أجواء العراق، قبل أن تقصف المدن السورية، ولكن لا تستطيع روسيا ضرب أي هدف إلا برضى أمريكا أو تغاضيها على الأقل.

    تقارب خطر

    التقارب (الروسي-التركي-الإيراني) يهدف أساساً إلى جر تركيا بشكل أو بأخر بعيداً عن أوروبا، وتوريطها في "تفاهم" مع أعدائها التاريخيين، إيران التي تعتبر الهزيمة التي تلقتها على يد تركيا الأقسى في تاريخها منذ الفتح الإسلامي، ثم روسيا التي لم تتوقف حروبها مع تركيا لأكثر من أربعة قرون، هذا "التفاهم" والذي لا يمكن بحال من الاحوال إطلاق أي تسمية أخرى عليه، لا يخرج من إطار محاولات تركيا الخروج من الضغط الذي تتعرض له من الغرب داخلياً وخارجياً.

    فأمريكا التي منعت تركيا من التدخل بشكل حقيقي وفعال في سوريا منذ بداية الحرب، حماية لنظام الأسد والميليشيات الكردية، هي التي تمنعها الآن من فعل أي شيء حقيقي لإبعاد الخطر عن حدودها الجنوبية، وهي نفسها التي تخلت عنها مع نشر روسيا لطائراتها وصواريخها النووية في سوريا، ثم تخلت عنها لحظة الانقلاب.

    أما روسيا وإيران فهرعتا لإظهار "حسن النوايا" مع فشل الانقلاب، الأمر الذي شجع تركيا على التخلي نسبياً عن حذرها المعهود معهما، والاستجابة لهما، خصوصاً مع حالة الجفاء مع الدول العربية بمجملها التي فشلت في تشكيل أي حلف مع تركيا ولو بالحد الأدنى.

    هذا التقارب الذي لا يمكن سوى وصفه بالسير وسط حقل من الألغام، ولا يمكن القول أنه خارج عن الإرادة الأمريكية، التي تسعى لسلخ تركيا عن عمقها التاريخي والجغرافي والعقائدي، ودفعها باتجاه أعدائها، الذين تربطهم فعلياً علاقات تبعية وتحالف مع أمريكا، والموغلين في دماء السوريين والمسلمين عموماً و الذين لطالما تحدث المسؤولون الأتراك  عنهم وعن جرائمهم في سوريا.

    ففي هذا التقارب بين تركيا وروسيا وإيران ستظهر تركيا بمظهر يشبه حالة التخلي عن الشعوب المستضعفة، التي تعيش الظلم والموت بسبب إيران وروسيا، والتي تعتبر تركيا ملاذها وأملها الأخير، وستظهر بمظهر الدولة التي تخلت عن التزامها الاخلاقي والعقائدي تجاه المظلومين، هذا الالتزام الذي كرره المسؤولون الأتراك دائما خلال السنوات الستة الماضية، ونفذت تركيا بموجبه الكثير للمدنيين السوريين والفلسطينيين والليبيين واليمنيين، سواء اللاجئين منهم في تركيا أو المظلومين في أراضيهم.

    ففي هذه الحالة ستكسب أمريكا والغرب نقطة مهمة، وهي كسر صورة تركيا الدولة السنية القوية التي تعتبر "القلعة الأخيرة" في وجه إيران، ما سيسهل عليها التفرد أولا بالسوريين، وبالأخص الثوار السوريين، الذين يقاتلون روسيا والنظام وايران منفردين، خصوصاً إذا حدثت أي تفاهمات مع روسيا كان نظام الأسد طرفاً فيها ولو من بعيد.

    حيث حدثت الكثير من الفبركات والاختلاقات الإعلامية لصحف ووسائل وصفحات فيسبوك محسوبة على "محور الممانعة"، تتحدث عن اتفاقات وهمية بين تركيا وروسيا وحتى مع النظام!

    لكن أهم المحاولات العملية من طرف روسيا والنظام لإظهار وجود شكل من أشكال هذه التفاهمات بين تركيا وروسيا، هي مسرحية معارك النظام ضد PYD في محافظة الحسكة.

    والتي قصف فيها النظام لأول مرة حلفاءه الأكراد (لم يقع قتلى خلال الغارات)، في محاولة لإعطاء انطباع أن هنالك شكلاً من أشكال الاتفاق أو التهدئة مع تركيا وأن روسيا والنظام مستعدان للتخلي عن الأكراد ومصالحة تركيا، في حين تتابع قوات النظام العمل المشترك مع الميليشيات الكردية في باقي مناطق الحسكة وحلب، دون أي عوائق.

    ففي حين تعطي روسيا انطباعاً أنها تسيطر أو تتحكم ولو جزئياً بالميليشيات الكردية في سوريا، يبقى التحكم الأساسي بها بيد أمريكا، الأمر الذي تدركه تركيا جيداً، والذي يظهر جلياً في تصريحات رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم، الذي قال أن تركيا تنتظر من أمريكا الوفاء بالتزاماتها بسحب الأكراد من منبج.

    الأمر الذي لا يبدو أنه سيحدث، والذي تدعمه فكرة تقدم الأكراد نحو جرابلس بعد سقوط منبج، وإعلانهم المستمر عن عزمهم وصل كانتون عفرين شمالي حلب، الأمر الذي يعيه الأتراك بشكل جيد، ويعلمون أنهم الآن وحيدون بشكل غير مسبوق.

    تفاهم مؤقت

    حالة التفاهم هذه لن تدوم طويلاً، فسبب التفاهم مؤقت ومحدود، فتركيا التي ستكتشف كذب روسيا وإيران قريباً جداً، ونفاق أمريكا، لديها من وسائل الضغط والقوة ما يسمح لها بالضغط على أوروبا ومن خلفها أمريكا للحصول على ما ترغب به، والذي أكده الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" عندما صرح عن  احتمال تدخل عسكري تركي شمالي سوريا، الأمر الذي يعني أن تركيا قد تتخلى عن سياستها الناعمة تجاه الغرب وتدخل بثقلها الحقيقي بعيداً عن الديبلوماسية وحالة "صفر مشاكل"، التي أوصلتها لوضعها الراهن بعد ترددها في حسم الملفات التي تفاقمت لدرجة أصبحت تهديداً مصيرياً لتركيا على المدى المتوسط إلى الطويل.

    الفقاعة

    جملة الأمور التي عرضت سابقا تؤكد بشكل قطعي أن "الفقاعة" الحالية للعلاقات الإيرانية الروسية التركية في المنطقة ستزول بسرعة، مع انتهاء تأثير الأوضاع الداخلية التركية على أدائها الاقليمي، وتغير الإدارة الأمريكية مع الانتخابات القادمة، وعدم حدوت تغيير حقيقي في وضع الميليشيات الكردية على الأرض، وبخاصة إذا استطاعت بدعم غربي-روسي من ربط عفرين بباقي المناطق التي تستولي عليها شمالي سوريا، ما يعني أن تركيا لن تتخلى عن التزاماتها الأخلاقية والتاريخية تجاه السوريين، وثورتهم بكل ما تحويه تلك الكلمة من عمق استراتيجي وتاريخي وعقائدي واقتصادي.

    تركياروسياايرانالثورة السوريةالمقاومة السوريةتنظيم الدولةوحدات الحماية الكرديةقوات الاسد