لماذا تخلّى الغرب عن حلب؟ - It's Over 9000!

لماذا تخلّى الغرب عن حلب؟

فاينانشال تايمز – (ترجمة بلدي نيوز)
أجريت ذات مرّة مقابلة مع شخص نجا كطفل من المحرقة في رومانيا في عام 1947، وكان قد دُعي هو و 500 طفل آخرين يتضوّرون جوعاً لاسترداد عافيتهم في بلدة أبلدورن الهولندية، "وصلنا إلى أبلدورن في وقت الغداء" كما أخبرني: "لقد أعطونا الخبز، و التهمناه كله، حينما قالوا لنا:" لا تأكلوا الخبز، لأنكم ستحصلون على البطاطس واللحوم" وإذا ما كنت تتضور جوعاً، وجئت إلى بلد حر، لا يوجد فيه أي نازيين، هناك حيث الناس لطيفون جداً معك ..."، هكذا قال قبل أن يبدأ بالبكاء.
لقد كنت أفكر في هذا الرجل أثناء مشاهدتي لحلب وهي تحتضر، لقد أصبحت مسألة التدخل العسكري في سوريا أمراً ميؤوساً منه الآن، وذلك بسبب كتلة القوى المتدخلة فيها، ولكننا نستطيع على الأقل محاولة إنقاذ أطفال حلب- أو إيواء الأطفال المهاجرين غير المصحوبين بذويهم والذين يعيشون الآن أوقاتاً عصيبة في أوروبا، إن رفضنا للقيام بذلك لا ينبع من منطلق أن معظم هؤلاء المهاجرين هم من المسلمين أو الأفارقة السود، وبالتالي أمر عرقي ونبذ للآخرين، إن الأمر الحقيقي هو أننا: تغيرنا نحن الغربيين.
ففي أعقاب المحرقة، حاولت أوروبا والولايات المتحدة التعويض عن سماحهم بحدوثها، بتبني شعار "أبداً مرة أخرى" ، حيث قامت أوروبا بعد الحرب بإيواء وتغذية الملايين من المشردين داخلياً في مخيمات مخصّصة.
وبقي اندفاع "أبداً مرة أخرى" خامداً بعد ذلك، حتى عاد إلى الظهور في أعقاب الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، و قال الرئيس بيل كلينتون في وقت لاحق بأنه يشعر "بالمسؤولية التي ستدوم مدى الحياة" لأنه سمح لذلك القتل أن يحدث، وفي وقت متزامن مع مجازر رواندا، قدم فيلم ستيفن سبيلبرغ "قائمة شندلر"- عن الرجل الذي أنقذ الآلاف من المحرقة- "أسر" توني بلير بمعانيه.
ومن ثم أدرك الغرب بأنه بوجود روسيا المروّضة حديثاً، فإنه يستطيع التدخل لوقف الفظائع، من عام 1995 حتى عام 2000، حيث أنهت الدول الغربية الحروب في البوسنة وكوسوفو وسيراليون، وعندما قرر بلير الدخول لإسقاط صدام حسين، اقتيد من قبل نرجسية متوهمة ومعتقدات باطلة حول أسلحة العراق، وكذلك أيضاً ببعض من المعتقدات الليبرالية.
لقد رأى كثير من الغربيين في ذلك الوقت تفوّقاً أخلاقياً عالمياً: لدينا النظام الأمثل، ونحن نساعد الأجانب، وكان هذا شعوراً وهمياً جزئياً ولكنه أعطى الغربيين رواية الفخر المشتركة.
ولكن هذا قد اضمحلّ الآن، فبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر توقّف الكثير من الغربيين عن رؤية المسلمين كبشر، في حين أن حرب العراق وبعد ذلك التدخل الليبي أضعف من ثقتنا بمسألة اتّخاذ أي إجراءات خارج البلاد، بينما الأزمة المالية في عام 2008 والتي ضربت الغرب، جعلته يركّز على مشاكله الخاصة، على أي حال، في ذلك الوقت كانت روسيا قد عادت لعرقلة خططنا الخارجية، كما منحها باراك أوباما الفضاء المثالي لذلك، وبالتالي أصبحت أزمة اللاجئين أحدث إصدار من فشل النخبة الغربية: وأظهرت شاشات التلفزة حشوداً من الناس وهم يحاولون الدخول عبر الحدود في حين يتشاحن السياسيون الغربيون في الاجتماعات بشأن سياساتهم اللاحقة، هذا هو سبب وصولنا إلى النقطة حيث يتهشّم جسد طفلة هزيلة تبلغ من العمر أربع سنوات في حلب، في انفجار قنبلة عنقودية قبل أن تتوفّى في مستشفى شبه مُدمّر، إن عدداً قليلاً من الغربيين لاحظوا حتى بعد ذكر حلب في مناظرة الرئاسة الأمريكية يوم الأحد، فقد كانت هناك زيادة بحث "غوغل" عن "حلب".
إن العديد من الغربيين يرغبون الآن بالمساعدة، يلاحظ تيم ديكسون من منظمة Tent Tracker بأن الاقتراع يبيّن أنه حتى بعد هجمات باريس في العام الماضي، فقد كان 71 % من الناس في مختلف الدول الغربية مستعدون لتقوم بلادهم باستقبال اللاجئين -ولكن المتطرفين فازوا في ذلك الجدال- لاسيما في البلدان الأكثر مسؤولية عن تخريب العراق وليبيا، يقول المحامي البريطاني لحقوق الإنسان فيليب ساندز "أعتقد أن بريطانيا تدير ظهرها لتلك القضايا بشكل فظيع" كما أضاف: "إنه من المحرج جداً أن تكون بريطانيّ".
إنه لأمر بغيض أن يقوم أحد ما بالسخرية من كل من يريد مساعدة اللاجئين على اعتبارهم نخبويّي العاصمة الساذجين، ومع ذلك إذا ما كان هذا هو موقفك، فإن عليك تقبّل وفاة طفل على أرضية مستشفى في حلب، كما أن عليك أن تقول لوالديه: "نحن نستطيع إنقاذه، ولكننا ببساطة لم نرغب في ذلك".
يقول بعض الغربيين الآن بأننا فقراء جداً لمساعدة الآخرين، ولكن من الواضح جداً بأن الدول الغربية تستطيع تقديم أفضل أوجه المساعدة، فما كان يملكه سكان أبلدورن في عام 1947 هو أدنى ما يملكه الغربي متوسط الدخل اليوم -بدخل 30000 يورو، و كان العجز في ميزانية العام الماضي لوكالة الأمم المتحدة للّاجئين يقدّر ب 9 مليارات دولار، أي بحوالي نصف ما ينفقه الأوروبيون على أغذية حيواناتهم الأليفة، ما تغير هو أننا قمنا ببساطة باختيار الحفاظ على أموالنا وشفقتنا لأنفسنا.
إن القضية الحاسمة عندما تقوم بالنظر إلى اللّاجئين ليست هي الثمن، ولكن ما إذا كنت تتساءل بداخلك "أيمكن لهذا الإنسان أن يكون أنا؟" قلّة قليلة من الغربيين اليوم يشعرون بأن الطفل الميت في حلب كان يمكن أن يكون طفلهم، إن الانفصال عن المشاعر الإنسانية لربما لم يكن نتيجة للتعاسة الغربية، ولكن للراحة الغربية الطويلة، بعد 71 عاماً من السلام.
"أبداً مرة أخرى" كانت مجرد مرحلة مررنا بها، سيغادر أوباما وهو يشعر "بالمسؤولية والعار اللذان سيدومان مدى الحياة" بشأن حلب، ولكنه لن يكون الوحيد.

مقالات ذات صلة

استهداف حواجز النظام في درعا و"قسد" تصعد في حلب

"أمن جرابلس" يعتقل عدة شبان شاركوا في احتجاجات الجمعة

وزير الداخلية التركي ينفي تصريحات نسبت إليه بشأن سوريا

مظاهرات شمال سوريا وإسرائيل تقصف نقطة لحزب الله في القنيطرة

سعر صرف الليرة أمام الدوﻻر اليوم الجمعة 12 آب

حفل زفاف جماعي لستين شابا في الشمال السوري (فيديو)