الغزل السياسي مع الشيطان السوري "بشار الاسد" - It's Over 9000!

الغزل السياسي مع الشيطان السوري "بشار الاسد"

(فورين بوليسي) - ترجمة بلدي نيوز

قدِم الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، يوم الثلاثاء، إلى واشنطن ترافقه طبول الحرب والأصوات المطالبة بحمل السلاح، فالرئيس وزعيم الحزب الاشتراكي (الكسترد) كما يصفه الفرنسيون بسخرية لضعفه، قد تحول هذه الأيام إلى (رامبو).

ويبدو أن أولاند ووزرائه لا يتوقفون عن ذكر كلمة "الحرب" منذ هجمات 13 تشرين الثاني في باريس، والتي أسفرت عن مقتل 130 شخصاً، فالمسؤولون الفرنسيون يحاولون دون أي تخطيط مسبق، أن يستجيبوا وأن يظهروا كمن يستجيب لتهديدات الجهاديين والتي اختمرت على مدى العامين الماضيين.

المقاتلات الفرنسية (رافال)، تقصف الآن أهدافاً لتنظيم "الدولة الإسلامية" في سورية والعراق، كما وتم تمديد حالة الطوارئ وحذر رئيس الوزراء "مانويل فالس" السكان من التهديدات الإرهابية  (الكيميائية والبيولوجية).

 ويجري حالياً بحث سبل تطوير التعديلات الدستورية، ويناقش السياسيون قوانين جديدة من شأنها أن تكون أكثر صرامة من القديمة التي صدرت بعد هجمات (شارل ايدو) في كانون الثاني العام الماضي، والتي أطلق عليها النقاد اسم "قانون باتريوت الفرنسي".

يبدو أن باريس قد بدأت تشعر بما شعرت به واشنطن في مرحلة ما بعد 9/11 الرهيبة، عندما كان العالم إما "معنا أو ضدنا"، فكما شنت أمريكا حربها آنذاك ضد "محور الشر"، تحولت فرنسا إلى رامبو متجهة إلى واشنطن.

هذه المرة، كانت الزيارة خاطفة على الطريقة الأمريكية، فمن اللحظة التي نزل فيها الرئيس الفرنسي من الطائرة الرئاسية (إيرباص A330-223) وحتى عندما حملته نفس الطائرة في منتصف الأسبوع الماضي إلى روسيا، كان أولاند يحمل رسالة واحدة لنظيره الأمريكي :"أوروبا في خطر! أسرع اوباما - وقم بالأمور المتوجبة عليك".

لكن المشكلة هي أن هجمات باريس وأزمة اللاجئين، كشفت أننا لا نملك الوقت، فنحن في حالة طوارئ، وقد قال دبلوماسي أوروبي للجارديان الاسبوع الماضي، لم يشأ الكشف عن هويته، وبدا كأحد المحافظين البريطانيين: "الأوربيون ينقسمون، والقارة بأكملها تتزعزع، لذلك علينا أن نتصرف بسرعة، ونقول للإدارة الأمريكية بأن المصالح الجوهرية لحليفكم الأوروبي على المحك".

ولكن كيف تحققت أمنية المحافظين الأوربيين واليمنيين بتحويل المهاجرين السوريين من مجرد "سرب من الناس القادمين عبر البحر الأبيض المتوسط"، كما قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، إلى قطيع من الإرهابيين عقب هجمات باريس .

ومما يحسب لأولاند - عدم تبنيه حملة التقريع الموجهة ضد اللاجئين على الرغم من أنه يواجه انتخابات إقليمية الشهر المقبل، حيث من المتوقع أن يحقق حزب الجبهة الوطنية الفرنسي بقيادة مارين لوبان تقدماً كبيراً، وعلى الرغم من أن قضية الهجرة موضوعة على جدول أولاند، لكنها ليست بأهمية إيجاد حل ما لأزمة "تنظيم الدولة الإسلامية"، والذي يعتبر أحد مصادر أزمة اللاجئين السوريين.

فالأولوية الأهم أمام الرئيس الفرنسي تتمحور حول تأسيس تحالف عظيم لمحاربة "الدولة الإسلامية في العراق وسورية"، وهذا يتطلب من الولايات المتحدة وروسيا وضع خلافاتهما جانباً للقضاء على العدو المشترك مع دفعة بسيطة من فرنسا.

ويبدو أن روسيا تتقرب من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، عقب هجمات باريس، وبعد إقرار جهاز الأمن الفيدرالي الاسبوع الماضي بأن قنبلة أسقطت الطائرة الروسية (9268) في صحراء سيناء.

ففي تقارب ديبلوماسي نادر بشأن سورية، وافقت روسيا على القرار الفرنسي في الأمم المتحدة الأسبوع الماضي، داعيةً الدول الأعضاء إلى اتخاذ "جميع التدابير الضرورية" لمكافحة "الدولة الإسلامية".

أما على الجبهة العسكرية فتقوم روسيا، فرنسا والولايات المتحدة بتنسيق الضربات الجوية وتنبيه بعضهم البعض لتجنب التصادم الجوي خلال قصفهم أهدافاً للتنظيم في الصحراء السورية الشرقية.

إلا أن إسقاط تركيا، العضو في حلف الناتو، لمقاتلة روسية زاد من التوتر وأكد على حتمية التعاون حتى لا تخرج الأمور عن نطاق السيطرة، فقد اتفقت  جميع الدول على أن يكونوا حلفاء ضد ما يسمى "الخلافة"، غير أنهم لم يتفقوا حتى الآن على مصير الملك الأسد في دمشق، وعلى مدى الأشهر الماضية خففت واشنطن وباريس بشكل كبير حدة موقفهم بأن  "الرئيس بشار الأسد يجب أن يرحل"، إلى "الأسد قد يبقى لبعض الوقت"، حتى يتم التوصل إلى الانتقال إلى المجهول العظيم.

وفي خطاب مثير أمام جلسة خاصة للبرلمان في أول يوم عمل بعد هجمات باريس، ظهر على أولاند تحول في الموقف المتشدد لفرنسا، عندما أشار إلى أن الأولوية القصوى الجديدة في البلاد هي للمعركة ضد "الدولة الإسلامية".

ولذلك تكون هجمات باريس قد صنعت المعجزات للأسد، فعلى جانبي المحيط الأطلسي بدأ أصحاب النفوذ بمحاولة تقبل وتحمل هذا النظام، وفي مقابلة مع شبكة سي بي اس نيوز، اعترف النائب السابق للمخابرات الفيدرالية مايكل موريل، أن استراتيجية واشنطن تجاه سورية لم تنجح وأن الوقت قد حان للبحث عن حل آخر، وختم بقوله "الأسد جزء من المشكلة... لكنه قد يكون جزءاً  من الحل ايضاً".

وفي فرنسا، تحولت الدعوات المطالبة لهولاند باتخاذ نهج واقعي في سورية إلى دعوات غاضبة، فوزير الخارجية السابق هوبيرت فيدرين عبر عن رأيه بصراحة ودون مواربة عندما قال في أواخر أيلول، في مقابلة إذاعية مع فرانس انتر:  "دعونا لا ننسى أننا في حربنا ضد هتلر، كان علينا أن تتحالف مع ستالين، والذي قتل بشراً أكثر من هتلر".

هذا هو موقف الوزير السابق، الاشتراكي والمحبوب من بعض الدوائر اليسارية الفرنسية، وعندما يكون هناك حديث عن أي تعديل وزاري، فإن اسم فيدرين يكون أول التكهنات، ليحل محل وزير الخارجية لوران فابيوس، والذي هو أقوى مدافع عن موقف "الأسد يجب أن يرحل".

كما لم يتلاشى تأثير اليمين المتطرف - القوة الصاعدة في فرنسا والتي تفضل (الغزل السياسي مع الأسد) وتعمل على القضاء على "الملتحين"، فبعد يوم واحد من هجمات باريس، نشرت مجلة " فالور اكتوييل" الفرنسية لقاءً  حصري،  مع الأسد.

وفي اللقاء الذي يقشعر له الابدان، سواء بالنسبة للأسئلة المتملقة أو من الغطرسة في الردود،  تقول إحدى الأسئلة: "إذا كان لديك رسالة واحدة لأولاند وفابيوس بعد ما حدث في باريس، فماذا تكون ... هل هي: رجاء اقطعوا علاقاتكم مع قطر والمملكة العربية السعودية؟"، ويجيب الأسد بقوة: "رسالتي لأولاند وفابيوس هي أن يكونوا جادين عندما يتحدثون عن محاربة الإرهاب".

لذلك، هذه رسالتي للحشد المطالب "ببقاء الأسد لبعض الوقت"، "كونوا جادين عندما تريدون التحدث عن إيجاد حل للأزمة السورية، فالأسد لا يخطط أبداً للتخلي عن معطفه الرئاسي، أو أن يقول وداعاً للشعب السوري ويتنحى عند وصول قطار المرحلة الانتقالية، فعائلة الأسد لن تتخلى عن الكرسي بسهولة، فقد تعلموا دروس التمسك بالسلطة على مائدة الإفطار العائلية".

وقد نقول لأنفسنا، بأن الشيطان البعثي القديم الذي نعرفه أفضل ممن لا نعرفه، أو قد نعزي أنفسنا بأنه لن يبيد الأقليات ويفجر المواقع الاثرية، ولكن هذا التعاطف مع الشيطان لن يوصلنا لمكان، فالسلام الذي ينطوي على بقاء الأسد في السلطة دون مواجهة العدالة - هو اتفاق سينهي كل أشكال السلام، فجحافل الشباب السنة في جميع أنحاء العالم العربي وأوروبا ستغريهم الدعوة لمحاربة الأسد، وقد نضع الكثير من قوانين الطوارئ للسيطرة على الأمور، ولكننا سنسبح بشكل غير فعال ضد تيار مندفع نحو الجهاد.

ويبدو لي أنه على مدى الأشهر القليلة الماضية - وبالتأكيد بعد هجمات باريس -  قام عدد من الأشخاص بتنفيس غضبهم وإحباطهم من المستنقع السوري، على المملكة العربية السعودية، وقطر، والقوى السنية الأخرى، فالحقد القديم له ما يبرره على السعوديين من نشر المذهب الوهابي، ولكنه أعمانا عن فهم ما يشكله "تنظيم الدولة الإسلامية" من تهديد لآل سعود.

ومع هذه الأفكار المختلطة التي لا علاقة لها ببعض، يبدو الطاغية البعثي العلماني كمنقذ حقيقي، ولكن انظروا كيف أنقذ وحافظ "مخلصنا" نوري المالكي على السلام في العراق المجاورة.

ما من شك أن الأزمة السورية تحتاج لحل سياسي يجمع جميع الأطراف كما فعل السعوديين في "اتفاق الطائف"، عندما تم استنفاذ جميع الأطراف في الحرب الأهلية الطاحنة  والمعقدة في لبنان، وبصراحة، لا أفهم لم فرنسا والولايات المتحدة، وروسيا تلتف حول هذا الموضوع (حسناً أنا أفهم  لما ولكني اتمنى أن لا يفعلوا)، فجلوس جميع الأطراف (الإيرانيين والسعوديين والأطراف السنية الاخرى) وحل المشاكل المتعلقة بالصراع السني الشيعي، هو ما سيقربنا إلى حل الأزمة السورية أكثر من تنقل هولاند بين واشنطن وموسكو.

وبغض النظر عما ستؤول إليه الأمور هذا الأسبوع، فإذا فقد أولاند قوة (رامبو) وعاد إلى ضعفه أمام إرادة بوتين الفولاذية الداعمة للأسد... فلن يتوقف العنف في الشرق الاوسط - أو في شوارع باريس وبروكسل، أو في أي مكان في العالم.

مقالات ذات صلة

"بلومبيرغ": السوريون باتوا قضية سياسية رئيسية في تركيا

"هيئة التفاوض" تكشف موعد اجتماع اللجنة الدستورية السورية

مجلس الأمن يستعد لعقد جلسة مشاورات بشأن الوضع السوري

صدور قانون لترخيص وتشغيل المنشآت السياحية بسوريا

لافروف يؤكد: قواتنا باقية في سوريا

لقاء أميركي - لبناني لبحث ملف المفقودين الأميركيين في سوريا